وزارة الثقافة تعبث بالتاريخ: جريدة (الشام) ليست لمحمد كرد علي والمجلة ليست استمراراً لها!
كيف يمكن لمجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الثقافة وتسوّق بأنها أول مجلة بعد التحرير، وبعد انتصار ثورة كبرى عمرها (14) سنة... أن تكون استمرارا لجريدة أنشئت في العهد العثماني، ولم يكن هم صاحبها الذي يصفه محمد كرد علي بأنه لم يكن يجيد العربية، سوى رضى الوالي العثماني عنه؟

محمد منصور – العربي القديم
لو كان العلامة محمد كرد علي حياً، وهو رجل علم وأدب وتأريخ، يحرص على الدقة ويحترم مصداقية المعلومة ونزاهتها، لسخر من وزارة الثقافة وهي تتسمح باسمه وتزعم أن مجلة (الشام) التي أصدرت عددها الأول في نيسان/ إبريل المنصرم هي استمرار لجريدة (الشام) التي كان يرأسها محمد كرد علي، حيث قال وزير الثقافة محمد ياسين صالح، إنه أعاد إصدار (الشام)، التي كانت تصدر في دمشق بعد (129) من صدورها. وصرّح:
“نعيد بكل فخر واعتزاز إصدار (الشام) التي كانت تصدر من دمشق في العام 1897 صحيفةً رأس تحريرها الوزير العلامة محمد كرد علي بقامته السامقة ومنجزه الموسوعي الضخم”.
لو كان محمد كرد علي حياً لعجب كل العجب من نسب هذه الجريدة الأسبوعية التي صدر عددها الأول بهذا الاسم في 22/7/1892، وليس 1897 فالصحيفة إياها، حسب المصدر المرجعي الموثوق (معجم الجرائد السورية: 1865-1965) لمؤلفه مهيار عدنان الملوحي، كانت لمصطفى واصف، الذي كان صاحب امتيازها ومديرها، وكانت صحيفة أهلية، وليست حكومية، كما تذكر معلومات الشبكة العنكبوتية الخاطئة بسبب أن مالكها كان يعمل لدى الحكومة، وهي ليست أول جريدة تصدر في دمشق، فقد سبقتها جريدة رسمية باسم (سورية) صدر العدد الأول منها في 19/11/1865، ثم جريدة (دمشق) التي أصدرها أحمد عزت باشا عام 1878 وكانت جريدة أسبوعية في أربع صفحات. أما جريدة (الشام) فهي ثالث جريدة، صدرت في عام 1892 ولم يذكر اسم محمد كرد علي كرئيس تحرير لها، ولا كمدير… فقد ولد محمد كرد علي في دمشق عام 1876 وحين بدأ مصطفى واصف بإصدار جريدة (الشام)، كان عمره (16) عاماً، ومن غير المعقول طبعاً، أن يكون رئيس تحرير جريدة!

ماذا قال محمد كرد علي في مذكراته؟
لكن بالعودة إلى (مذكرات) محمد كرد علي، وهي بالتأكيد مرجع شديد الأهمية في دقته، سنجد أنه يذكر أنه عمل محررا في جريدة (الشام) لمدة ثلاث سنوات بين عامي (1897- 1900) وكان قد أتم العشرين من العمر، وهو يقول عن أجواء عمله فيها، في الجزء الأول من مذكراته:
“كانت تصدر أسبوعية لصاحبها مصطفى أفندي واصف (الشقللي)، مدير مطبعة الولاية ومدير إطفاء الحريق. وفي مطبعة الولاية كان يطبع جريدته. ولم يكن يُحسن الكتابة بالعربية، فاتكل على صهره أديب أفندي نظمي (الطناجي المصري)، وكان هذا يلفّق بين جمل يحفظها لبعض الكتاب المحدثين، ومنها عبارات لأديب إسحاق، يصوغ من عنده بعض جمل. واتكل أيضاً على إسماعيل أفندي النابلسي من أبناء الأعيان، وكلا الرجلين لم يدرس آداب اللغة العربية الدرس المطلوب، ولا إرب له من تحرير (الجريدة) إلا أن يتخذ منها سلماً إلى الترقي، ووسيلة إلى التقرب من قلوب بعض من يهمه التقرب منهم. وكلا الرجلين كان في القضاء، ويعرف القوانين والأنظمة المتعارفة، ويتكلم بالتركية ويكتبها. وإسماعيل النابلسي من أحفاد الشيخ عبد الغني النابلسي، عالم دمشق في المئة الثانية عشرة؟ ملَّ صاحب (الشام) على ما قال من إعنات هذين المحررين له، فعهد إلي بتحرير جريدته. ولما أخذت بالنقل عن التركية والفرنسية شعرتُ بخطورة العمل الذي وسّد إلي. وأشد ما كان يؤلمني كابوس المراقبة، وما ألقاه من الغيظ حتى يؤذن للجريدة بالطبع. وما كان مراقب الجريدة غير صاحبها وهو من عمّال الحكومة، ومن أعرف الناس بما يرضيها وما يغضبها، وغاية ما يتوخى هو أن يرضى الوالي عنه أبدا. والصعوبة في المراقبة أن لا قاعدة لها يُرجع إليها، وليس لها قانون ثابت معروف، وربما كتبتَ القطعة، تظن أنها لا تروق المراقب فيقرها ويستحسنها، وقد تكتب غيرها وأنت لا ترى فيها ما يُقال، فتُحذف. فلا قاعدة في المراقبة غير ذوق المراقب وهواه. ولا قانون إلا ما يُستمد من روح الحكومة الاستبدادية. وأكثر ما يجب أن يتوخاه المحرر ذكر شيء يمس السلطات من قريب أو بعيد، أو يمس عماله ورجاله وجيشه وإدارته وسياسته. وألا يثير إلى مسألة تاريخية فيها ذكر الخلافة والحرية والشورى والدستور وقتل الملوك وخلعهم. ولطالما تألمت نفسي لحذف صاحب الجريدة المقاطع الكبيرة مما أكتب، وأحيانا المقالة برمتها. أما حذف الأخبار الصغيرة فأيسر ما يُعمل. وقد يحذف ما يكون منقولا من صحف الأستانة، فإذا سألته عن السبب في ذلك قال: إن هواء سورية هو غير هواء فروق عاصمة الملك. وكنت أسما تعليلات وتمحكات ما أنزال الله بها من سلطان.
وددتُ منذ السنة الأولى أن أستعفي من تحرير هذه الصحيفة إلا أن أستاذي كان يقول: إن تحريرك لها، بمثابة المشق (يمشق) عليه الأولاد لتحسين خطهم. وعلى هذا بقيت ثلاث سنين في تحرير (الشام) فلقيت من الصحافة عرق القربة لأول أمري، وبعد ذلك اتصلت بمجلة (المقتطف) المصرية وأخذت أوزار فيها”.
لم يكن من مؤسسيها وتجربته فيها مريرة!
نستنج مما قاله محمد كرد علي في مذكراته جملة وقائع مثبتة وهي:
- لم يكن هو منشئ الجريدة ولا من اختار اسمها
- لم يكن صاحب الامتياز ولا مديرها
- لم يكن في مرحلة التأسيس الأولى، فقد دخل إليها بعد خمسة أعوام على صدورها، ولا توقفت الجريدة بعد خروجه منها عام 1900 بل استمرت حتى عام 1908 وتوقفت بسبب مرض صاحبها.
- عاشت الجريدة (18) عاماً، بينما عمل هو فيها ثلاثة أعوام كمحرر فقط يحاول تخليص الأخبار والمقالات من ركاكتها اللغوية. وأحيانا قد يكتب مقالا أو “قطعة” على حد تعبيره.
- اعتبرها أنها مجرد “عرق قربة لأول أمره” أي لبدايات معرفته بالصحافة لا أكثر
- لم تكن له صلاحيات رئيس التحرير، بدليل أن صاحبها كان يحذف له مقالات قبل أن يحذفها الرقيب
- لم يكن عمله فيها مدعاة للاعتزاز، بل مهمة شاقة فكر أن يستعفي منها في السنة الأولى لعمله، وسخر منها واعتبرها أشبه بالتمرين الذي يفرض على الأولاد لتحسين الخط، كما اعتبر أن صاحبها – صراحة – لا يهمه سوى رضى الوالي عنه. وهذا بالتأكيد ليس من طموح كرد علي في شيء!
فهل يجوز والحال هذه أن نعتبر أن جريدة (الشام) هي جزء من تراث كرد علي الموسوعي، وهو الذي اشتهر وارتبط اسمه بجريدة (المقتبس) التي حملت اسمه في صدر صفحتها الأولى، فجاء في ترويسة العدد الأول: “صاحب المقتبس ورئيس تحريره: محمد كرد علي” وقد صدر العدد الأول منها في 17/12/1908 وعرّفها بأنها: (جريدة يومية اقتصادية اجتماعية أدبية) وكان من أبرز محرريها أخوه أحمد كرد علي (المدير المسؤول بحسب ترويسة الجريدة)، وشكري العسلي، وقد عطلت من قبل السلطات العثمانية عدة مرات لجرأة مقالاتها… فهل يجوز أن ننسبه لجريدة (الشام) وننسى مشروعه الحر والجريء في (المقتبس) لمجرد أننا نريد استخدام اسم الشام؟!

كيف يمكن للمجلة أن تكون استمرارا للجريدة العثمانية؟!
إذاً: لا علاقة لمحمد كرد علي بجريدة (الشام) لا كصاحب امتياز، ولا كمدير، ولا كرئيس تحرير، ولم يكن موجودا في السنوات الأولى لتأسيسها، ولم تكن تجربته فيها مدعاة للفخر والاعتزاز من قبله… فمن ورط السيد الوزير ووزارة الثقافة بهذه المعلومة الخاطئة… التي تدخل في باب تزوير التاريخ؟! وهل يجوز أن نركن إلى صنف من المثقفين المتلونين الذين يسيّرون وزيرا ليس لديه معرفة كافية، ويفتون له فتاوى لا تصمد أمام البحث الموثق في مراجع التاريخ… وهم يظنون أن يأتون بالذئب من ذيله؟!
ثم كيف يمكن لمجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الثقافة في القرن الحادي والعشرين، وتسوق بأنها أول مجلة لوزارة الثقافة بعد التحرير، وبعد انتصار ثورة كبرى عمرها (14) سنة… أن تكون استمرارا لجريدة أنشئت في العهد العثماني، ولم يكن همّ صاحبها الذي يصفه محمد كرد علي بأنه لم يكن يجيد العربية، سوى رضى الوالي العثماني عنه؟! كيف يمكن لمجلة تنشر مقالات في الثقافة والأدب والتراث والهوية الثقافية أن تكون استمرار لجريدة أسبوعية كانت تنشر الأخبار السياسية والمنوعة، وتنقل عن صحف الأستانة، لمجرد أن هذه وتلك تحملان الاسم نفسه؟! بالله عليكم ما هذا السخف والاستغباء؟!
إلى متى تسخف الثقافة لتتحول إلى ترند تمسّح بأسماء شهيرة مثل محمد كرد علي، أو اسم الشام، وكلا الاسمين لا غبار في بعثهما، لكن بالمعلومة الصحيحة والمقاربة الموضوعية، وليس بالخلط والتضليل والهوبرة، والبحث عن صلة قسرية لا تصل بينهما لا في الشكل ولا في المضمون، وإلباس الأشخاص أو المراحل التاريخية مهمات لا تمثل جوهر تراثهم أو نتاجهم؟!

الخلط يتفشى في متابعات الإعلام
المؤسف أن هذا الجهل والخلط بالتاريخ، يستمر ويتفشى في وسائل الإعلام الأخرى نقلا عن وزارة الثقافة، ويجري الخلط بين جريدة (الشام) التي أصدرها مصطفى واصف بين عامي (1892-1908) وبين جريدة (الشام) لصاحبها خليل المحصل التي صدر العدد الأول منها في 29/5/1931 وبين جريدة (الشام) لصاحبها بكري المرادي التي صدر العدد الأول منها في 11/3/1955، فتضع الإخبارية في الفيديو الترويجي الذي أنجزته عن المجلة التي أصدرتها وزارة الثقافة، ترويسة جريدة (الشام) التي صدرت في الثلاثينات، على أنها جريدة (الشام) التي كان يعمل بها كرد علي… والتي اعتبروها جزءا من تراثه وتكريما لاسمه، وهو يسخر منها في مذكراته ويتحدث عن تجربته المريرة فيها!

إن لي عنق التاريخ، وإطلاق المشاريع التي تعتدي على مصداقية التاريخ، مسبوقة بعبارات الفخر الأجوف: نفتخر… ونتباهى… ونعتز ، هو مثال على ما تقوم به وزارة الثقافة من مشاريع سطحية دون دراية أو معرفة عميقة بهذا التاريخ. لقد كان بإمكانها أن تصدر المجلة التي تضمنت ملفاً مدائحياً عن تجربة الوزارة خلال عام ساهم فيه الأصدقاء المقربون والمريدون، من دون هذه الفبركات والمزاعم… ولكن ما القول حين يعطي الوزير الغريب عن بيئة الثقافة والتاريخ السوريين أذنه لمثقف ألعبان، يوجهه يميناً وشمالاً ويظن أن الناس لا تقرأ من بعده… وأن مصدر المعرفة الوحيدة هو ويكبيديا ومعلومات الذكاء الاصطناعي التي باتت تغذي الغباء الثقافي للبشر وترفع منسوبه!

