يوم ثردة غسان عبود للحكومة السورية
إن عملية الاستيلاء على كل مفاصل «الدولة تحت التأسيس» لم تعد خافية، وحتى دون كوادر مؤهلة

خلف علي الخلف – العربي القديم
يعرف بعض الناس أن لدي شركة نشر مغمورة اسمها «جدار للثقافة والنشر»، وقد استخدمت هذه الشركة لتوقيع مذكرات تفاهم موازية لمذكرات التفاهم التي كانت توقعها الحكومة السورية. كنت أنشرها في مجموعة مغلقة من الأصدقاء فيها بضع مئات. فكلما وقعت الحكومة مذكرة تفاهم مع شركة، أختار شركة في عالم النشر أو كاتبًا أو مترجمًا، وأصدر بيانًا موازيًا لخبر الحكومة، أقول فيه: وقعت اليوم «جدار» مذكرة تفاهم مع الشركة الفلانية أو الكاتب الفلاني، لنشر مخطوطة أو للتعاون في عالم النشر.
خلال تفاهمات الحكومة، وقعتُ من جانبٍ واحد مع أمازون، وكاندل، ولولو بريس، ومنشورات بيرل، ودار نشر جامعة كامبريدج. وحين نفد مخزون شركات النشر العملاقة، لكثرة ما وقعت الحكومة من تفاهمات، وقعت مذكرات تفاهم مع الكتّاب والمترجمين من أصدقائي، ممن أمون عليهم دون أن يعلموا بذلك. ثم كانت آخر مذكرة تفاهم مع الصديق نعيم هيلانة، لنقل منشوراتي من المجموعة السرية إلى حسابه العلني. واستعرت صورة توقيع لمذكرة تفاهم حكومية، وأبدلت صور الموقعين بصوري أنا ونعيم باستخدام الذكاء الاصطناعي رفيق دربي ودرب الحكومة السورية.
في تراثنا الجزراوي، مقولة شائعة تقول: «ثرد ألعن أبو التغميس»، وهي تقال حينما شخص ما «يجيبّ العشا»، أو يأتي بالكلام دفعة واحدة بعيدًا عن التلميح. وأصل المقولة قادم من الثريد، وتقوم على تفضيل ثرد الخبز بالمرق والأكل باليد، لا بتغميس الخبز بالمرق وأكله.
والثريد معروف، وهو أكلة العرب الأولى، وأكلة الجزيرة وحوض الفرات، الباقية إلى اليوم، حتى بعد دخول الرز بدلًا عن الخبز.
وبحسب «لسان العرب»، فإن «الثرد: الهشم؛ ومنه قيل لما يُهشم من الخبز ويُبلّ بماء القدر وغيره: ثريدة. والثرد: الفتّ؛ ثرده يثرده ثردًا، فهو ثريد. وثردت الخبز ثردًا: كسرته، فهو ثريد ومثرود، والاسم الثردة؛ بالضم. والثريد والثرودة: ما ثُرد من الخبز». وهذا ما فعله رجل الأعمال السوري الصديق غسان عبود في التسجيل المرئي الذي نشره أمس عن حال الحكومة السورية الحالية فقد ثردها.
وتستخدم العرب الأحداث الكبرى للتأريخ بها وما زال معمولًا به في الجزيرة والفرات حتى اليوم فيقال «يوم ذي قار». ويجدر بنا أن نسمي يوم أمس «يوم ثردة غسان عبود للحكومة» فقد ثردهم ثردًا دون تغميس.
وإذ كنت أسخر من مذكرات التفاهم من خلال الاستنتاج البيّن، فقد قدم غسان عبود معلوماتٍ تفصيلية عن آلية عمل الحكومة في استخدام مذكرات التفاهم للإيهام أنها تقوم بأعمال متتالية.
أعرف غسان منذ بداية الثورة، من خلال قناة «أورينت»، التي جمعتنا، نحن المعارضين القلة الذين رفعنا الصوت إلى أقصاه في أولها. ثم من خلال مؤتمر أنطاليا، الذي كنت فيه منظمًا، وكان فيه ممولًا مع أبناء سنقر، وهو أول مؤتمر للمعارضة السورية، وأزعم أنه ظل أهم مؤتمر للمعارضة، التي فشلت على أية حال في إنجاز شيء يذكر.
ما قاله غسان رآه الجميع تقريبًا، ومن لم يره سوف يراه؛ ويعرفه كثيرون، أي أني لن أعيد شيئًا منه. لكن من المؤكد أنه لم يخرج في هذا التسجيل لو لم يصل إلى قناعة النقطة الحرجة، فأراد، حرصًا على البلاد، إطلاق هذا التحذير الثقيل والمدوي للسلطة، والذي سوف يترك أثرًا دوليًا بكل تأكيد. فهو ليس كاتبًا، ولا صحيفة، ولا راديو، ولا تلفزيون، بل رجل أعمال لديه استثمارات حول العالم، ولديه شبكة علاقات مع دول ومستثمرين محتملين.
أريد أن أحيي شجاعة غسان، وصراحته، وكمية المعلومات التي قدمها عبر «المدفعية الثقيلة»، وهي، لمن أراد، نصح بالغ الضرورة لصالح البلاد. أما من يراها غير ذلك، فسوف يجد ألف ذريعة وذريعة للهجوم عليه، رغم أن ما ذكره معلومات، كل الشخوص المشاركين فيها أحياء، من الأخ الرئيس إلى الوزراء إلى المدراء.
وبدوري، كنت قد وجهت رسالة غاضبة إلى الحكومة، حصلت على مليون قراءة على الأقل، لأنها عبرت عما في صدور الناس. والآن ورغم أن صوتي لن يحدث الدوي الذي أخذه صوت غسان، فإني أضم صوتي إلى صوته في التحذير من المسار الحالي لإدارة البلاد، فالجماعات العسكرية الإسلامية التي أسقطت البائد لم يحتكروا السلطة وحدها بل احتكروا الإدارة من ساسها لراسها حتى وظائف حارس الصومعة.
إن عملية الاستيلاء على كل مفاصل «الدولة تحت التأسيس» لم تعد خافية، وحتى دون كوادر مؤهلة، كما أن أسلمة الدولة أيضًا لم تعد خافية، وهذا المسار ليس كفيلًا بنزع الشرعية عن السلطة الحالية فقط، لأنه يمنع المشاركة نهائيًا، بل إنه مسار خطر سيقود البلاد إلى ما لا يريده أحد بأسرع مما يظنون.