صَبَرتُم على الأسد… فاصبروا علينا: حين يصبح الاستبداد مقياساً للحُكم
"حين تُقنع شعباً أن معيار نجاحك ألّا تكون كسلفه المجرم، فأنت لا تحكمه — بل تبتزّه بذاكرته".

منيب محمد مراد * – العربي القديم
بعد مرور نحو سنة ونصف على سقوط نظام الأسد وتولّي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، بدأت تتكشّف ملامح سياسات الحكومة الجديدة، وبدأ معها يتصاعد شعور شعبي عارم بالإحباط. قرارات وصفها كثيرون بالجائرة وغير المدروسة طالت شعباً مُنهَكاً أصلاً، شعباً لم يخرج من حرب كي يدخل في حرب أخرى مع لقمة عيشه.
لكن بدلاً من أن تُواجَه هذه الشكاوى المشروعة بالشفافية والمكاشفة، بدأت تطفو على السطح عبارة يردّدها المؤيدون للحكومة الجديدة بلا كلل “صبرتم على نظام الأسد خمسين عاماً… فلماذا لا تصبرون على الحكومة الجديدة وهي لم تُكمل عامها الثاني؟”
تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى منطقية، بل ومعقولة؛ لكن التمعّن فيها يكشف أنها واحدة من أخطر المغالطات التي يمكن أن يقع فيها خطاب سياسي في مرحلة انتقالية، وأنها — بحسن نيّة أو غير ذلك — تُسيء إساءة بالغة للحكومة الجديدة نفسها قبل أن تُسيء لأي طرف آخر.
حين يصبح “الأسوأ” هو المعيار
إن أيّ حكومة تأتي بعد ثورة أو تغيير جذري، تستمدّ شرعيتها من وعد واحد واضح: “نحن مختلفون عمّن سبقنا”. هذا هو الأساس الذي يمنحها تفويض الشارع وصبره المبدئي.
لكن حين يقول مؤيّدوها: “اصبروا كما صبرتم على الأسد”؛ فإنهم يُسْقِطون هذا الأساس بأيديهم. هم يقولون — دون أن يدركوا — إن معيار الحُكم الجديد ليس العدالة والكفاءة والشفافية، بل ببساطة: ألّا نكون بسوء الأسد.
وهذا انحطاط كارثي ونذير شؤم من الناحية المعيارية.
فمن يقيس نفسه بالأسوأ؛ هو بلا شك قد لا يطمح للأفضل. ومن يطلب من الناس أن يتقبّلوه لأنه “أقلّ سوءاً”؛ يعترف ضمناً بأنه سيّئ، لكنه يستجدي التسامح لأن سلفه كان أسوأ، وهنا المصيبة الكبرى.
السؤال الحقيقي ليس أن نقول: “هل أنتم أفضل من الأسد؟” بل: هل أنتم بمستوى تطلّعات شعب دفع ثمن التغيير من دمه وبيوته ووطنه؟
📦 تجربة جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري (1994)
حين تولّى نيلسون مانديلا الرئاسة بعد عقود من نظام الأبارتهايد، لم يطلب من الشعب “الصبر لأن النظام السابق كان أسوأ”؛ بل أسّس “لجنة الحقيقة والمصالحة” برئاسة الأسقف ديزموند توتو، وفتح مكاشفة وطنية علنية أمام الكاميرات اعترف فيها الجلّادون والضحايا معاً بما حدث.
الرسالة كانت واضحة: نحن لا نُقارن أنفسنا بمن سبقنا، بل نؤسّس لعقد جديد قائم على الحقيقة لا على التبرير.
“لا يمكن لأمّة أن تُشفى إذا بُنيت على أكاذيب — حتى لو كانت أكاذيب حسنة النية”.
– نيلسون مانديلا
الخلط القاتل بين “الصبر” و”القهر”
ثمة تزوير خطير في عبارة الصبر المُرَدَّدَة: إنها تفترض أن الشعب السوري كان “يصبر” طوال خمسين عاماً، وكأن الأمر كان اختياراً طوعياً.
لكنه في الحقيقة لم يكن صبراً؛ بل كان قهراً مؤلماً دموياً.
كان إخضاعاً بالحديد والنار والمعتقلات والمجـ.ـازر وفروع الأمن والقصف والبراميل المتفجرة والتهجير والتجويع وإفقار وتدمير المجتمع والبشر والحجر والشجر. إن الناس لم “تصبر” على الأسدين المجرمين الأب الديكتاتور الراحل والابن الهارب؛ بل أُجبرت على العيش تحت سطوتهما لعقود، وحين حاولت الخروج على هذا “الصبر” المزعوم عام 2011 — دفعت ثمناً عظمياً لا يُحصى ولا يتخيله عقل.
المطالبة اليوم باستنساخ تلك الحالة وتسميتها “صبراً” هو إهانة مزدوجة:
إهانة لذاكرة من ماتوا وهُجّروا واعتُقلوا وعُذِّبوا في سبيل أن ينتهي ذلك “الصبر”، وإهانة للعقد الاجتماعي الجديد الذي يُفترض أن يقوم على الرضا والمساءلة، لا على الخضوع والانتظار.
الإساءة المُبطّنة التي لا يراها المؤيدون
المفارقة الأعمق أن هذه العبارة تُسيء للحكومة الجديدة أكثر مما تخدمها.
فحين تضع الحكومتين في جملة واحدة — القديمة والجديدة — وتطلب من الناس “الصبر” على كلتيهما، فأنت ذهنياً ونفسياً تضعهما في الخانة ذاتها. أنت توحي — بقصد أو دون قصد — أن الحكومة الجديدة تطلب تفويضاً زمنياً مفتوحاً دون محاسبة، تماماً كما كان يفعل النظام السابق، وأن على المواطن أن يمنحها شيكاً على بياض ويُسْكِتَ صوتَه.
وإن أيّ مؤيّد يقارن حكومته بنظام الأسد — حتى ليطلب الصبر — إنما يطعن شرعيتها في مقتل من حيث يظنّ أنه يدافع عنها.
خزّان الصبر الفارغ
ثمة حقيقة بسيطة يتجاهلها خطاب التبرير وهي:
الناس في سوريا لم تبدأ من الصفر بعد التغيير، بل بدأت من تحت الصفر بكثير. شعب مُنهَك اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً وثقافياً وتعليمياً، فقد بنيته التحتية، ونسيجه الاجتماعي، وأجيالاً كاملة في المهاجر.
خزّان الصبر لديه فارغ أصلاً، بل إن خزانه مهترئ.
ومطالبة إنسان مُعدَم ومثخن بالجراح بأن يصبر لأن من سبقكم كان أسوأ — هو أشبه بطبيب يقول لمريض ينزف: “اصبر، فالمريض الذي قبلك مات، أما أنت فأفضل حالاً”.
الخطاب السياسي الناجح في لحظات الإنهاك لا يكون وعظياً يُذكّر الناس بصدماتهم السابقة ليُبرّر عجز الحاضر، بل يكون خطاب مكاشفة وطوارئ يقول: نحن نعلم أنكم متعبون، وهذا ما نفعله الآن تحديداً لتخفيف هذا التعب.
📦 تجربة ألمانيا بعد سقوط جدار برلين (1990)
بعد سقوط جدار برلين وانهيار نظام ألمانيا الشرقية الشيوعي، واجهت الحكومة الألمانية الموحّدة موجة غضب شعبي واسعة من مواطني الشرق الذين شعروا بأن الوحدة لم تُحسّن حياتهم بالسرعة الموعودة، وارتفعت البطالة بشكل حاد.
لكن الحكومة لم تقل لهم: “اصبروا، النظام الشيوعي كان أسوأ”. بل أطلقت ما عُرف بـ “ضريبة التضامن” (Solidaritätszuschlag)، وهي ضريبة فُرضت على مواطني الغرب الأكثر ثراءً لتمويل إعادة بناء الشرق، مع شفافية كاملة في توضيح أين تذهب هذه الأموال.
الرسالة كانت: الألم يُوزَّع بعدالة، ولا يُطلب من الأضعف وحده أن يتحمّل ثمن التغيير.
كل ما سبق كان تشريحاً للمشكلة. لكن النقد الذي لا يحمل بديلاً يظلّ ناقصاً. ولأن هذه المقالة ليست مجرد صرخة احتجاج بل محاولة لتقديم رؤية، فإن السؤال الآن: ما الحل إذاً؟
ما الحل إذاً؟
هنا نصل إلى الجزء الأهم في المقالة:
بكل تأكيد، الحل لن يكون باستنساخ الفوضى أو هدم ما تبقى من مؤسسات؛ فهذا ليس الخيار الصحيح لاستقرار سوريا. في الوقت ذاته، لا توجد عصا سحرية تُصلح خراب عقود في أشهر. لكن الحل يبدأ من نقطة مركزية واحدة: تغيير العقلية — عقلية الحُكم في التعاطي مع الأزمات، وعقلية المجتمع في الرقابة والمحاسبة.
لتحقيق ذلك، يجب التحرك بمسارين متوازيين:
1 – على صعيد السلطة (الحكومة الانتقالية):
- أولاً — من خطاب الوعظ إلى المكاشفة بالأرقام:
بدلاً من مطالبة الناس بـ “الصبر” في المطلق؛ على الحكومة أن تعتمد الشفافية المطلقة. يجب أن تخرج للناس وتقول: هذا هو الحجم الحقيقي للخزينة، هذه هي الديون والعقبات، وهذا هو الأفق الزمني المتوقع للتعافي. المواطن السوري قادر على تحمّل الألم الاقتصادي حين يفهم أسبابه ويكون شريكاً في المعرفة، لا حين تُعامله السلطة كقاصرٍ يُطلب منه السمع والطاعة.
- ثانياً — تفعيل العدالة الانتقالية المعطّلة والمكاشفة بـ “الفيتو الدولي”:
لا يكفي أن تُشكِّل الحكومةُ “هيئةَ للعدالة الانتقالية” لتكون مجرد ديكور سياسي وحبراً على ورق، غايتها امتصاص غضب الشارع دون أن تُقدم أو تؤخر. على الحكومة الانتقالية أن تملك الجرأة لتصارح الشعب بالعقدة الحقيقية: المجتمع الدولي لا يدعم، ولن يدعم، مساراً حقيقياً للعدالة في سوريا.
لماذا؟ لأن تطبيق العدالة بمعاييرها الصارمة يعني محاكمة واقتياد مئات الآلاف من المتورطين في آلة القمع وجرائم الحرب إلى المشانق والسجون، وهو ما سيطال شريحة ديموغرافية واسعة استند إليها النظام السابق. المجتمع الدولي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان، يُفضّل في الكواليس الحفاظ على “التوازنات الطائفية” و”الاستقرار الموهوم” على حساب دماء الضحايا، ويضع “فيتو” غير معلن على أي محاسبة جذرية.
الحل هنا: إذا كانت الحكومة مكبلة بهذا التعقيد الدولي الذي يمنعها من تطبيق القصاص العادل والشامل، فعليها أن تكفّ عن بيع الوهم للضحايا عبر لجان شكلية. البديل الواقعي والمطلوب فوراً هو الانتقال إلى “العزل السياسي والمدني” الصارم (Lustration) لكل من ارتبط بآلة النظام، وتجريدهم من أموالهم المنهوبة ومناصبهم، بدلاً من ترك الجلادين يتمتعون بحصانة الأمر الواقع الدولية، وترك الضحايا يطحنهم الإحباط.
- ثالثاً — إنجازات إسعافية واقعية و”عدالة في توزيع الألم”:
الشعب المُعدم لا يحتمل انتظار “خطط خمسية”، بل يحتاج ليرى تغييراً ملموساً اليوم. إذا كانت الحكومة عاجزة مالياً عن تخفيض أسعار الخدمات كالكهرباء، فعليها أن تُعوّض ذلك بقرارات تضرب حيتان الفساد والاحتكار بقوة القانون. والأهم من ذلك: أن تتقشف الحكومة قبل الشعب. لا يمكن إقناع مواطن جائع بالصبر، وهو يرى المسؤولين الجدد أو المقربين منهم يستعرضون حياة الرفاهية والمواكب. الألم يجب أن يُوزع بعدالة، وإلا تحول إلى قهر جديد.
- رابعاً — وهم “رفع العقوبات” والحاجة لدبلوماسية اقتصادية شفافة:
لقد استبشر السوريون خيراً قبل عدة أشهر برفع العقوبات الدولية وإلغاء “قانون قيصر”، وساد اعتقاد بأن عجلة الاقتصاد ستدور فوراً. لكن الواقع المرير أثبت أن شيئاً لم يتغير على الأرض. لماذا؟ لأن الحكومة تتجاهل حقيقة بديهية: رأس المال “جَبان”، والمجتمع الدولي والمانحون لن يضخوا أموالهم في بيئة لا تزال تعاني من ضبابية إدارية وتفتقر إلى سيادة القانون الصارمة، حتى لو رُفعت عنها كل عقوبات الأرض.
الحل هنا يتطلب من الحكومة الخروج من حالة “الانتظار السلبي” وخلق “دبلوماسية اقتصادية شفافة ومُبادِرة”. عليها أن تصارح الشعب بأن رفع العقوبات القانوني هو مجرد حبر على ورق ما لم يترافق مع بناء ثقة حقيقية مع العالم. يجب على الحكومة أن تُقنع المستثمرين والمجتمع الدولي — بالأفعال لا بالشعارات — بأنها تؤسس لبيئة استثمارية آمنة وخالية من الفساد، وألا تترك الشارع فريسة لصدمة أن “العقوبات رُفعت، لكن الجوع مستمر”.
2 – على صعيد المجتمع والنخب:
- أولاً — حماية حرية النقد وتفكيك “الاستبداد المجتمعي“:
إن إنكار الإنجازات جحود، ومن الإنصاف القول إن المساحة متاحة اليوم، وهامش الحرية أوسع بكثير مما عرفه السوريون سابقاً، وهذا يُحسب للمرحلة الجديدة. لكن المشكلة اليوم لم تعد في “القبضة الأمنية”، بل في “القبضة الاجتماعية”.
فمن ينتقد اليوم لا يُعتقل، لكنه يُصنَّف فوراً بأنه “عدو المرحلة” أو يُتّهم بخدمة أجندة النظام السابق. هذا النوع من التخوين المجتمعي لا يقل خطورة عن القمع الأمني؛ لأنه يخلق رقابة ذاتية. يضاف إلى ذلك خطورة أن يصبح الصحفي أو الإعلامي الناقد محارَباً ومغضوباً عليه من السلطة التنفيذية (الدولة العميقة).
هنا يجب أن يُدرك المؤيدون أن الحرية الحقيقية لا تُقاس فقط بغياب المعتقلات، بل بقدرة المواطن على تقويم الاعوجاج دون أن يُشكك في وطنيته، وأن تخوين كل ناقد لا يحمي الحكومة، بل يعزلها عن شعبها ويعيد إنتاج عقلية: “من ليس معنا فهو ضدنا”.
- ثانياً — تكريس صحافة استقصائية كـ “سلطة رابعة” حقيقية:
الرد الأمثل على خطابات التبرير الحكومية هو إعلام مهني، مستقل، وشجاع، لا يكتفي بنقل التصريحات، بل يُشرّح القرارات، ويقيس أثرها الحقيقي على الشارع، ويقارن الوعود بالنتائج. الإعلام الحر هو حائط الصد الأول لمنع انزلاق أي حكومة انتقالية نحو الاستبداد.
- ثالثاً — الانتقال من “الشكوى” إلى “التنظيم المدني”:
الاعتراض الفردي يسهل امتصاصه أو تجاهله. الحل يكمن في تنظيم الصحفيين، الحقوقيين، النقابيين، والخبراء لأنفسهم في كيانات وروابط مدنية تضغط على القرار السياسي. نحتاج إلى مؤسسات تقدم “أوراق سياسات” وبدائل علمية للحكومة، لتنتقل حالة الشارع من مجرد رد فعل عاطفي غاضب، إلى فعل سياسي منظّم وضاغط.
📦 تونس بعد ثورة 2011
بعد سقوط نظام بن علي، واجهت الحكومات التونسية المتعاقبة أزمات اقتصادية خانقة. وظهرت في تونس أيضاً العبارة ذاتها: “صبرتم على بن علي 23 سنة، اصبروا على الديمقراطية”.
النتيجة؟ لم يصبر الشارع، بل ازداد الاحتقان عاماً بعد عام؛ لأن الحكومات الانتقالية اعتمدت خطاب التبرير بدلاً من الإنجاز الملموس، حتى انتهى المشهد بعودة الحكم الفردي مع قيس سعيّد عام 2021 الذي استغلّ إحباط الشارع ليُجمّد البرلمان ويستأثر بالسلطة.
الدرس التونسي واضح ومباشر: خطاب “اصبروا” دون إنجاز حقيقي لا يشتري الوقت — بل يُمهّد الطريق لاستبداد جديد عن غير قصد.
خاتمة
إن هذه النقاط ليست ترفاً فكرياً؛ بل هي اختبار الشرعية الحقيقي لأي حكومة جديدة. والمؤيدون الذين يُخوّنون كل ناقد يجب أن يُدركوا أنهم بذلك لا يحمون الحكومة — بل يعزلونها عن شعبها، ويُعيدون إنتاج العقلية ذاتها التي أسقطت النظام السابق: من ليس معنا فهو ضدنا.
والحكومة الواثقة من مسارها لا تخشى الأسئلة — بل تستثمرها لتُثبت أنها على الطريق الصحيح. والشعب الذي يُمنَع من السؤال ليس صابراً — بل مقهور من جديد.
لم يسقط نظام الأسد لكي يصبر الناس على نسخة أخف منه.
سقط لأن الصبر نفد، والصبر الذي نفد مرة — لا يعود، وهنا بيت القصيد.
العبارة التي يردّدها المؤيّدون بحسن نية هي في الواقع أخطر ما يمكن أن يُقال؛ لأنها لا تدافع عن الحكومة الجديدة، بل تسحب البساط من تحتها، وتخبر الناس — دون أن تقصد — أن شيئاً جوهرياً في العقلية لم يتغيّر.
الشعب السوري لا يحتاج من يُذكّره بصبره على الأسد. يحتاج من يُثبت له أن ذلك الصبر لم يذهب هباءً.
فإن لم يستطع أحد إثبات ذلك — فليتوقّف على الأقل عن مطالبته بمزيد من الصبر.
……………………………………………………………………
*صحفي وناشط حقوقي