علماؤنا سبب علمانيتنا
إذا كان رسول الإسلام هو رأس الدولة، فكيف يصبح التدخل في السياسة “تدنيسا للدين” كما يزعم بعضهم؟

عدي شيخ صالح – العربي القديم
في أحد الأيام، وقف خطيب على منبر المسجد، يرفع صوته بحرارة وهو يقول: “لا تتدخلوا في السياسة، فذلك شأن أهلها، أما نحن فشأننا الدين والعبادة!”
كانت كلماته تُقابل بهزّات رؤوسٍ مطمئنة، ظنّ أصحابها أن في ذلك ورعًا وبعدًا عن الفتنة. لكن أحدا منهم لم يدرك أن تلك اللحظة كانت ولادةً جديدة للعلمانية، لا في كتب الفلاسفة، بل في وجدان الأمة نفسها.
فحين يقرر رجل الدين أن السياسة ليست من اختصاصه، يكون قد أعلن عمليا فصل الدين عن الحياة، وإن لم يقلها صراحة. وهكذا، دون أن نرفع شعار “العلمانية”، بدأنا نعيشها واقعًا. العلمانية لم تتسلل إلينا من أوروبا وحدها، بل دخلت من فم الإمام الذي قال ببراءة: “ابتعدوا عن السياسة.” وما يثير المفارقة أن هذا الإمام ذاته، حين يُسأل عن موقفه من العلمانية، يجيب بثقة: “نحن ضدها.”
تناقض وانفصام
إنه الرفض اللفظي والممارسة الفعلية في آن واحد، مزيج من التناقض والانفصام الفكري الذي نعيشه يوميا دون أن نشعر.
لقد جاء الإسلام بخلاف كل الشرائع السابقة رسالة خاتمة جامعة، تتناول شؤون الإنسان كلها: فيها الدين والسياسة، الاقتصاد والاجتماع، الحرب والسلم، العبادة والمعاملة.
فالله سبحانه قال: “ما فرّطنا في الكتاب من شيء” [الأنعام: 38]،
وقال النبي ﷺ: “تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.”
فالإسلام ليس طقوسا تؤدى في المسجد، بل مشروع حضارة، ونظام حياة شامل. شرّع الله فيه أحكام الزواج والطلاق والميراث، كما شرّع قوانين الحرب، ونظّم العلاقات بين الدول، ووضع أسس الإدارة والحكم، فقال تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” [الشورى: 38] ليؤكد أن المشاركة السياسية جزء من الدين، لا انحراف عنه.
لم يكن النبي ﷺ مجرد واعظ أو مرشد روحي، بل كان قائدا سياسيا وإداريا وحاكما، أقام دولة المدينة على أسس من العدالة والشورى. كان يعقد المعاهدات، ويقود الجيوش، ويقسم الغنائم، وينظم الأسواق، ويعيّن الولاة، ويحاسب المقصّرين.
فإذا كان رسول الإسلام هو رأس الدولة، فكيف يصبح التدخل في السياسة “تدنيسا للدين” كما يزعم بعضهم؟
جدلية الدين والسياسة
لقد فهم الصحابة هذا المعنى جيدا، فكانوا علماء وحكاما في الوقت ذاته. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان فقيها زاهدا، لكنه حين تولى الخلافة قال قولته الخالدة: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.” فيختصر بذلك مفهوم الحكم الراشد القائم على المحاسبة والمساءلة.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أكثر الناس خشيةً لله، ومع ذلك كان من أجرأهم في إدارة الدولة، حتى قال عنه علي بن أبي طالب: “قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة.”
لقد كان الدين عندهم سياسة، والسياسة عندهم دينا مطبقا .
وحين ننتقل إلى عصور لاحقة، نجد علماء كبارا لم يفصلوا بين العلم والسياسة، بل رأوا في التدخل بالشأن العام واجبا شرعيا.
فالعزّ بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء وقف في وجه السلطان الظالم، وباع أمراء المماليك في السوق لأنهم لم يحرروا أنفسهم من الرق، معلنا أن سلطة الحاكم ليست فوق الشريعة.
وابن تيمية رحمه الله لم يكتفِ بالفتوى من وراء الجدران، بل خرج بنفسه إلى معسكرات المسلمين يقاتل المغول، ويفاوض الملوك والأمراء، ويكتب في “السياسة الشرعية” عن ضرورة إقامة العدل حتى مع غير المسلمين.
أما الإمام النووي، فقد رفض توقيع فتوى تبرر ظلم السلطان، وقال عبارته الشهيرة: “لا يحل لعالم أن يسكت عن كلمة الحق إذا وجب قولها.”
تلك النماذج لم تعرف الحياد في وجه الظلم، ولم تعتبر السياسة مفسدة، بل ميدانا لتطبيق قيم الدين.
لكن حين صمت العلماء، وتراجعوا إلى حدود المنبر والمحراب، تقدّم السياسي بلا رقيب، وتحولت الدولة إلى ساحة مصالح، وانكمش الدين إلى الشعائر فقط. وهكذا صرنا نعيش علمانية غير معلنة: نرفضها في خطابنا، ونمارسها في واقعنا، حتى بتنا نرى من يتحدث باسم الدين يبرر السكوت عن الفساد، بحجة “الابتعاد عن السياسة”
خاتمة
إن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والسياسة، لأن السياسة فيه عبادة إذا صلحت، والدين فيه مشروع حياة إذا فُهم على وجهه الصحيح. إن الأمة التي تفصل علماؤها عن الشأن العام، تُسلم رقبتها لمن لا يخاف الله فيها. وحين يعود العلماء إلى موقع القيادة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وحين يعود المنبر إلى دوره في توجيه الوعي لا الهروب منه،
حينها فقط سنرى ديننا حيا في الحكم كما هو حي في القلوب،
وسنطيح بالعلمانية لا بالهتاف ضدها، بل بعيش الإسلام كما أراده الله: دينا شاملا، يوجّه الدولة كما يهذّب الفرد، ويصلح الدنيا كما ينير الآخرة.