فنون وآداب

كتاب (ضمير المتكلم) لمحمد منصور: الأدب بوصفه مساحة للمساءلة وكشف الحقيقة

تكمن أهمية كتاب (ضمير المتكلم) في قدرته على الجمع بين الجرأة الفكرية والدقة التحليلية، دون الوقوع في التبسيط أو الخطاب المباشر.

عمر جمعة – العربي القديم

يُعدّ كتاب (ضمير المتكلم: المواجهة الطائفية في رواية السوريون الأعداء) للكاتب محمد منصور محاولة جريئة لقراءة الواقع السوري من خلال الأدب، وتحديداً عبر تحليل رواية (السوريون الأعداء) للروائي فواز حداد. لا يكتفي الكتاب بتقديم قراءة أدبية تقليدية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك بنية الطائفية وعلاقتها بالسلطة والفساد، كاشفاً عن عالم تُعاد فيه صياغة الإنسان داخل منظومة معقّدة من الخوف والقمع.

الصراع الأدبي لم يكن بريئاً

منذ المدخل، يطرح الكاتب سؤالاً إشكالياً صادماً: “من يجرؤ على السكوت؟”، في إشارة واضحة إلى أن الصمت لم يعد موقفاً حيادياً، بل تواطؤاً ضمنياً مع منظومة العنف. ومن خلال هذا السؤال، يمهّد منصور لفكرة مركزية مفادها أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن يكون صامتاً، بل هو بالضرورة شهادة على ما يُراد له أن يُخفى.

في هذا السياق، يبيّن الكاتب أن الصراع داخل الحقل الأدبي لم يكن بريئاً، بل خضع لتقسيمات أيديولوجية حادة، حيث جرى تصنيف الأدب إلى “تقدمي” و“رجعي”، وهي تصنيفات لا تعكس قيمة العمل الفني بقدر ما تعكس موقعه من السلطة. ولذلك يرفض منصور هذا التأطير، مؤكداً أن “الأدب الحقيقي لا يُقاس بانتمائه، بل بقدرته على قول الحقيقة”، وهو ما يشكّل المدخل النظري لفهم الرواية.

ومع الانتقال إلى السرد، تتجسّد هذه الأفكار في أحداث مجزرة حماة، التي تمثل لحظة مفصلية في النص. لا تُعرض المجزرة بوصفها حدثاً عابراً، بل كجرح مفتوح في الذاكرة الجماعية، حيث تظهر مشاهد القتل الجماعي بوضوح صادم، مثل وصف الجثث المنتشرة والبيوت المدمّرة، في مقابل نجاة طفل رضيع من بين الركام، في إشارة رمزية إلى بقاء الحياة رغم كل شيء.

 السجن كعالم مغلق

في هذا السياق، تبرز شخصية القاضي سليم الراجي بوصفها تجسيداً للضمير القلق، إذ يحاول التحقق من الحقيقة وسط روايات متناقضة وضغوط أمنية واضحة. لكنه يكتشف تدريجياً أن العدالة التي يفترض أن يمثلها ليست سوى واجهة شكلية، خاصة حين يواجه محاكم ميدانية تُدار من قبل ضباط، وتصدر أحكاماً جماعية بالإعدام، حتى أن النص يشير إلى أن الأحكام كانت تشمل “الشباب والشيوخ، بل وحتى الأطفال”. وهنا تتحول العدالة إلى أداة قمع، لا إلى وسيلة إنصاف.

في المقابل، تمثّل شخصية الطبيب عدنان الراجي البعد الإنساني المأساوي في الرواية، إذ يُعتقل بتهمة “معالجة الإرهابيين”، رغم أن فعله في جوهره إنساني. داخل السجن، يفقد اسمه ويُختزل إلى رقم: “السجين 77″، في دلالة عميقة على محو الهوية. ومع ذلك، يحاول الاستمرار في أداء دوره كطبيب، رغم الظروف القاسية، في محاولة يائسة للحفاظ على إنسانيته في بيئة تسعى إلى سحقها.

وتصل هذه المأساة إلى ذروتها في سجن تدمر، حيث يتحول السجن إلى عالم مغلق قائم على التعذيب الممنهج والإذلال اليومي. لا يقتصر الأمر على العنف الجسدي، بل يمتد إلى تفريغ الإنسان من معناه، خاصة مع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا، حيث يتم عزل المرضى في “مهاجع الكوليرا” دون تقديم علاج حقيقي. وهنا يصبح المرض امتداداً للعنف، لا حالة طارئة.

كما تكشف الرواية عن تحوّل الإعدام إلى ممارسة روتينية، تُنفذ حتى في شهر رمضان، في تجاهل كامل لأي قيمة دينية أو أخلاقية. وتبرز قصة السجين الذي يختار الموت بدلاً من صديقه كأحد أكثر المشاهد تأثيراً، حيث يتحول الموت إلى خيار أخلاقي في عالم فقد كل معاييره.

الفساد بوصفه بنية متكاملة

في مقابل هذه الشخصيات الضحية، يقدّم النص نماذج للانخراط في السلطة، مثل مروان السطري والنقيب سليمان. فمروان لا يمارس القمع فقط، بل يطوّر له منطقاً يبرره، ويحوّله إلى أداة منظمة قائمة على التحقيق والتعذيب بدل الإعدام العشوائي. أما سليمان، فيمثّل نموذج السقوط التدريجي، حيث يبدأ كشخص عادي، ثم يُعاد تشكيله داخل النظام، إلى أن يقترح إنشاء جهاز أمني خاص، يعمل خارج الأطر التقليدية، ويعكس تحوّل الدولة إلى شبكة من الأجهزة غير المرئية.

وتتعمق هذه الصورة مع الكشف عن الفساد بوصفه بنية متكاملة، لا مجرد انحراف. فاستغلال المعتقلين مالياً، وابتزاز عائلاتهم، يشير إلى أن القمع مرتبط مباشرة بالمنفعة. كما أن تكليف القاضي بإعداد ملفات فساد لا يهدف إلى محاسبة المسؤولين، بل إلى استخدام هذه الملفات كأدوات ضغط داخل النظام نفسه.

وفي هذا السياق، يربط منصور بين الطائفية وصناعة الولاء، حيث يتم استبدال مفهوم المواطنة بالانتماء الضيق، وتُمنح الامتيازات بناءً على الهوية لا الكفاءة. ويظهر ذلك بوضوح في العلاقات داخل الأجهزة الأمنية، وفي محاولات التقرب القائمة على الانتماء، ما يعكس كيف تتحول الطائفية إلى آلية لإدارة السلطة. كما يسلّط النص الضوء على دور الخوف كأداة مركزية في هذه البنية، حيث يُغذّى الأفراد بشعور دائم بالتهديد، ما يدفعهم إلى التمسك بجماعاتهم والانخراط في منظومة العنف. وهنا يصبح القمع ليس فقط مفروضاً من الأعلى، بل مقبولاً ومبرراً من الداخل.

الجمع بين السرد والتحليل

في المقابل، يبرز الأدب بوصفه مساحة مقاومة، حيث تسعى الرواية إلى كشف ما يتم إخفاؤه، وإعادة طرح الأسئلة التي تحاول السلطة طمسها. فكما يشير النص، فإن وظيفة الأدب ليست التبرير، بل الشهادة، وهو ما يتجسد في تتبع مصائر الشخصيات، وفي الإصرار على استعادة الحقيقة رغم كل محاولات طمسها.

وفي ختام هذا الجزء، يتضح أن الكتاب لا يهدف فقط إلى تحليل رواية، بل إلى بناء وعي نقدي لدى القارئ، من خلال الجمع بين السرد والتحليل، وبين التجربة الإنسانية والتفكيك الفكري. فهو لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح الباب أمام أسئلة عميقة حول السلطة، والضمير، والطائفية، وحدود الصمت.

في المحصلة، يقدّم كتاب ضمير المتكلم قراءة نقدية مركّبة تكشف عن نظام تتداخل فيه الطائفية مع الفساد والسلطة، حيث تتحول المؤسسات إلى أدوات، والإنسان إلى وسيلة. لكنه في الوقت نفسه يترك مساحة للضمير، بوصفه آخر ما يمكن أن يقاوم في عالم يبدو أنه فقد كل شيء.

من جهة أخرى، يظهر منصور عمق قراءته الذكية لرواية حداد من خلال تركيزه على التفاصيل الدقيقة في بناء الشخصيات، وعدم الاكتفاء بالسطح السردي للأحداث. فهو لا يتعامل مع الشخصيات بوصفها أدوات لنقل الحكاية، بل بوصفها تجسيداً لصراعات فكرية وأخلاقية معقّدة. فشخصيات مثل القاضي سليم أو الطبيب عدنان لا تُقرأ فقط ضمن سياقها الفردي، بل ضمن موقعها داخل بنية السلطة، حيث يتحول كل موقف أو قرار إلى اختبار حقيقي للضمير. ومن خلال هذا التناول، يكشف منصور كيف تنجح الرواية في تجاوز الطرح الثنائي المبسّط (ضحية/جلاد)، لتقدّم صورة أكثر تعقيداً، تُظهر الإنسان وهو يتأرجح بين الخوف والاختيار، بين التكيّف والمقاومة. وهذا ما يمنح القراءة بعداً تحليلياً عميقاً، يجعل من الرواية نصاً مفتوحاً على التأويل، لا مجرد توثيق للأحداث.

دور البنية السردية في كشف الحقيقة

كما يبرز في قراءة منصور وعيٌ واضح بدور البنية السردية في كشف الحقيقة، حيث يلفت الانتباه إلى أن الرواية لا تعتمد على خط زمني بسيط، بل على تداخل الأزمنة واسترجاع الذاكرة، وهو ما يعكس طبيعة الواقع نفسه بوصفه غير خطي ومليئاً بالانقطاعات. فاستعادة أحداث مثل مجزرة حماة لا تأتي بوصفها ذكرى عابرة، بل كحضور دائم يفرض نفسه على الشخصيات ويعيد تشكيل وعيها. ومن هنا، يوضح منصور أن الرواية لا تكتفي بعرض الماضي، بل تكشف كيف يستمر هذا الماضي في التأثير على الحاضر، سواء على مستوى الأفراد أو البنية الاجتماعية ككل. وهذا التداخل بين الزمنين يمنح النص قوة إضافية، لأنه لا يكتفي بسرد ما حدث، بل يطرح سؤالًا أعمق حول إمكانية التحرر من هذا الإرث، أو البقاء أسيراً  له.

وبرأيي، تكمن أهمية كتاب (ضمير المتكلم) في قدرته على الجمع بين الجرأة الفكرية والدقة التحليلية، دون الوقوع في التبسيط أو الخطاب المباشر. فمحمد منصور لا يقدّم قراءة جاهزة أو موقفاً أيديولوجياً مغلقاً، بل يفتح النص على احتمالات متعددة، ويدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم تبدو بديهية، مثل العدالة، والهوية، والولاء. ومن خلال تحليله لرواية (السوريون الأعداء)، ينجح في الكشف عن طبقات عميقة من الواقع السوري، حيث لا يمكن فصل الطائفية عن السلطة، ولا السلطة عن الخوف، ولا الخوف عن صمت الأفراد. والأهم من ذلك، أنه يذكّرنا بأن الأدب، رغم كل القيود، يظل مساحة للمساءلة وكشف الحقيقة، وأن الضمير حتى حين يبدو ضعيفاً، يبقى آخر ما يمكن أن يواجه هذا الانهيار الشامل.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى