شهادة فشل بتوقيع الرئيس الشرع
في النهاية لم ينجح الوزير في خلط الأوراق، حتى لدى المسؤولين عن استمراره في المنصب أو إعفائه، كما لم ينجح في إقناع أحد (من غير الموظفين والمستفيدين والأصدقاء) أن الإعلام التي تستحقه سورية هو هذا مستواه

محمد منصور – العربي القديم
لا يمكن مهما أوتينا القدرة أو الشطارة على التبرير والتدوير وتلطيف الوقائع والنتائج، أن ننكر أن مرسوم إعفاء وزير الإعلام حمزة مصطفى الموقع من الرئيس أحمد الشرع، بعد نحو عام من توليه الوزارة، هو شهادة فشل لهذا الوزير ولوزارته. فقد صدر مرسوم تشكيل الحكومة التي ضمت السيد مصطفى وزيرا في 29 آذار/مارس عام 2025، وفي 9 أيار/ مايو 2026 صدر مرسوم إعفائه، بعد أن قضى (13) شهرا ونيف على كرسي الوزارة.
يجب ملاحظة هنا أن الرئيس الشرع لم يكلف أحداً بتشكيل حكومة، كي نقول إن هناك رئيس حكومة جديد قد أتى، ومن الطبيعي أن يختار وزراء آخرين، أو يعدل في الحكومة لأنه مسؤول عن تقديم رؤية جديدة… بل إن الرئيس أحمد الشرع الذي عينه هو الذي أقاله، في حين أبقى وزراء آخرين، ما يعني أنه أدرك عدم جدوى بقاءه في المنصب.

أنا أفهم أن ينبري “بعض” الإعلام السوري ومدرائه لمحاولة إبراز إنجازات مصطفى وتلميعها، لأنهم شركاء فيها، فالسيد الوزير لم يكن يعمل بمفرده، كان هناك مدراء عامون ورؤساء تحرير ومحررون ومروجون، وبالتالي لا نستغرب اليوم أن تنشر صحيفة (الثورة السورية) على صدر صفحتها الأولى مادة بعنوان (عام على إعادة بناء الإعلام السوري: ماذا تحقق في المؤسسات والمحتوى) تذكرنا بمواد إنجازات الحركة التصحيحية التي كانت تنشرها صحيفة (البعث) سنوياً في عهد المجرمين حافظ وبشار الأسد. كم هائل من المدائح والتباهي والتفاخر، بلا أي حس نقدي تجاه المرحلة، أو ذرة توازن في ذكر بعض السلبيات والقصور والوعود الكاذبة التي لم تتحقق، كمشروع مدينة (بوابة دمشق الإعلامية)، الذي أعلنت عنه الوزارة في حزيران /يونيو الماضي. وتفاخر حمزة مصطفى في حفل توقيع مذكرة التفاهم مع شركة (المها) الكويتية بأنها ستكون: “أول مدينة متكاملة للإنتاج الإعلامي والسينمائي والسياحي في البلاد، باستثمار يُقدّر بـ 1.5 مليار دولار، وعلى مساحة تقارب مليوني متر مربع في دمشق وريفها”. وقد ورّط الرئيس الشرع في حضور حفل توقيع مذكرة التفاهم، لينتهي المشروع إلى خواء، ولم يدق فيها مسمار واحد بعد 11 شهرا من الإعلان عنه. أما الفرص التي وعد بها الوزير في حفل إطلاق المشروع حين قال: “من المتوقع أن يوفر هذا المشروع أكثر من 13 ألف فرصة عمل، 4 آلاف فرصة مباشرة و9 آلاف فرصة أخرى موسمية، ما يسهم في خلق مسارات مهنية مستدامة للشباب السوريين” فقد انتهت إلى صمت مطبق، دون أي شفافية في الكشف عما جرى لاحقاً، وعن أن شريكهم في المشروع هي شركة تواجه العديد من القضايا أمام المحاكم الكويتية، وأن الوزير الحصيف وفريقه أو “شلته” بعبارته أدق، قد تورطوا في توقيع مذكرة تفاهم معها، دون أي دراسة عن شريكهم أو ضمانات تحفظ ماء وجوههم!

مصطفى يوقع مذكرة تفاهم “مدينة بوابة دمشق لإنتاج الأعلامي” قبل نحو عام وهو مشروع لم ينجز منه شيء رغم الوعود التي أطلقها الوزير (العربي القديم)
فكر السيد الوزير
في أكتوبر عام 2025 ظهر حمزة مصطفى في لقاء مع منصة (سوريا الآن) ومما قاله في هذا اللقاء، وأنا هنا سأنقل بالحرف عن الفيديو المنشور: “لا توجد في سورية تجربة تلفزيونية حقيقية إلا تجربة تلفزيون سوريا بعد عام 2024 لا يوجد. لم يكن هناك قناة عندها فيديو وول أكثر من أربعة أمتار” يكشف هذا التصريح جملة كوارث، أولها: أن وزير إعلام سوريا يروج لمحطة تلفزيونية تمويلها غير وطني، أنشأتها ومولتها الشقيقة قطر وهو على رأس الوزارة. وثانيها: أنه حتى هذه المحطة لا يعترف بتاريخها إلا بعد توليه هو مسؤولية الإدارة فيها، ما يكشف أن الوزير لا يخجل من أن يمدح تجربته الشخصية على الملأ ويلغي حتى من أتى قبله في المؤسسة ذاتها التي صنعته، وثالثها: أنه يعتبر قوة أي قناة هي بحجم الفيديو وول الذي تملكه لا بخطابها ومحتواها وتأثيرها وهذه كارثة. صحيح أن التقنيات مهمة في العمل التلفزيوني، لكن من قال إنها وحدها معيار النجاح أو السقوط؟
هذا السخف المريع هو الذي كان يستحق أن يقيم من خلاله فكر وإمكانات السيد الوزير، لا زلات اللسان اللاحقة التي وقع فيها من قبيل: “تقريبا دولة” ولو أنها تعطي مؤشرا على قدرته المحدودة على الارتجال دون الإساءة للدولة التي يمثل رأسها الإعلامي رسميا.
ظروف حساسة وبالغة التعقيد
بعد صدور مرسوم إقالته، والاحتفاء الشعبي والارتياح الإعلامي الذي قوبل به، برزت بعض الأصوات التي تزعم أن السيد حمزة مصطفى تولى وزارة الإعلام “في ظروف حساسة وبالغة التعقيد” وبدت هذه الجملة وكأنها مفتاح لتبرير قصوره. تناسى من كتبوها ورددوها بشكل ببغائي، أن من تولى وزارة الإعلام في حكومة تصريف الأعمال التي أعقبت التحرير، هو السيد محمد يعقوب العمر، الذي كان وزير الإعلام في حكومة الإنقاذ من قبل. وفي عهده بدأ التخطيط لإطلاق الإخبارية… لم يكن الرجل من هواة الترندات والظهور النرجسي، ولم يكن يملك جرأة مدح نفسه بنفسه كما فعل خلفه، لذلك نُسب كل شيء لحمزة مصطفى. كان العمر منفتحا على كل الإعلاميين ولم يكن يتصرف ضمن شلة، لم يأت بمعاونيه من تلفزيون (سوريا) كما فعل حمزة مصطفى، حين اختار اثنين ممن كانوا يعرفون في تلك المؤسسة أنهم الأكثر ولاءً وتبعية له، ليوظفهم كمعاونيْ وزير إعلام، أحدهما كان مدير قسم المقابلات، والثاني مدير الموقع الإلكتروني… لكن لا يهم فعقلية الولاء والشلة هي التي كانت تقول كلمتها في هندسة كل شيء داخليا.
لم تكن الظروف التي تولى فيها الوزير حمزة مصطفى منصبه بالغة التعقيد والحساسية، هي كانت كذلك بالنسبة لوزارة الداخلية التي كانت تخوض تحديات جسيمة على صعيد تحركات الفلول والاضطرابات التي كانت تغذيها بعد الدول المعادية للعهد الجديد، ناهيك عن قسد التي كانت تستولي على ربع مساحة سورية. هي كانت كذلك بالنسبة لوزارة الخارجية التي استلمت بلدا معزولا خارجياً وسفارات جل سفرائها كانوا من أخلص المخلصين للنظام البائد، هي كانت كذلك بالنسبة لوزارة الدفاع ولا حاجة للحديث عن التحديات التي واجهتها بعد حل الأجهزة الأمنية وإلغاء التجنيد الإجباري…. أما بالنسبة لوزارة الإعلام، فالمرحلة كان يفترض أن تكون ذهبية. بلد خارج من فترة قمع شديد ومصادرة حريات وتقييد صحافة وتدجين وسائل إعلام دام ستة عقود، فجأة تنتصر ثورته، وتقرر القيادة الجديدة بمسؤولية ووعي وطنيين أن هذه مرحلة حريات… فما هو التحدي الذي يمكن أن يواجه أي وزير إعلام في أي دولة، أكثر من القرار السياسي بانتهاج عهد إطلاق حريات.. وقد منحت وزارة الإعلام الهامش الواسع، وهذا باعترافها هي، حيث كتب مسؤول صفحة وزارة الإعلام الرسمية على (فيسبوك) عقب ظهور تصنيف مراسلون بلا حدود الذي أظهر تقدم سوريا الكبير في مؤشر تصنيف الحريات، أن ذلك أتى بفضل “توجيهات السيد الرئيس أحمد الشرع” إذأً أين هي الظروف الحساسة والبالغة التعقيد مادام انتهاج نهج إطلاق الحريات، وهو نتاج ثورة حرية عمرها 14 عاماً، قد عمل به وأتيحت له كل الفرص؟!
صحيح أن سوريا كانت ولازالت تواجه حملات إعلامية خارجية، وحملة شائعات وإطلاق أكاذيب، لكن في هذه المهمة بالذات لم تستطع وزارة الإعلام أن تحقق أي نجاح… ولم تستطع أن تصد أي هجمة… وذاكرة الناس لا تنسى.
إعادة إطلاق المؤسسات: وضع طبيعي أم خارق للعادة؟
من الطبيعي أن يعاد إطلاق المؤسسات الإعلامية بعد الثورة، وبعد كل ما جرى في سورية من تحولات جذرية أنجبتها الثورة، وهذا كان سيقوم به الوزير محمد يعقوب العمر، كما سيقوم به حمزة مصطفى، أو أي وزير آخر تولى المهمة في هذه الفترة. فلا يعقل أن يجلس أكثر من عام على الكرسي دون أن يفعل شيئا. هذه من طبيعة الأشياء التي جرى تصويرها وكأنها من الخوارق. لكن في كل عمل ينجز… هناك سؤال عن المحتوى.. وعن مستوى النوع فيما أنجز وعم مدى مهنيته، وليس انبهارا أبلهاً وكأننا نعيد اكتشاف العجلة!
إن كل ما يبدو إنجازات لوزارة الإعلام هي إنجازات تم تسويقها من خلال الاحتفالات والبهرجة والاستعراض ومدح موظفي المؤسسات التي يعملون بها لمؤسساتهم ومدرائهم بأنفسهم دون انتظار تقييم من أحد، أما على الصعيد المهني والعملي، فهل أقل بكثير من إمكانات سوريا والسوريين وخبراتهم في مجال الإعلام المكتوب والمقروء، وهم من المؤسسين الأوائل في تاريخ الصحافة العربية، ومن الرواد عربيا في مجال العمل الإذاعي والتلفزيوني… لكن ما العمل إذا كان المطلوب تقزيم كل شيء على مقاس مستوى ثقافة وخبرة السيد الوزير المقال وشلته؟! ثم الاحتفال بما كان وتصويره زورا وبهتاناً على أنه فتح الفتوح وإنجاز الإنجازات.
أدهشني أن يكتب مدير عام مؤسسة الوحدة ليتحدث عن جهود الوزير في إطلاق جريدة (الثورة السورية) وتضخميها، وأنا أعرف تماما ما هي الجهود التي بذلها، فقد اقتصر تدخله على تبديل لون شعار الجريدة من اللون الأخضر، تيمنا بلون علم الثورة والعلم الرسمي، إلى اللون البنفسجي بحجة “أن كل شيء في الدولة صار أخضر” طبعا اللون البنفسجي هو لون السيد حمزة مصطفى المفضل، ولا دلالة إعلامية له إلا في المجلات النسائية ومجلات الأزياء… وقد فرض اللون نفسه للوغو قناة (السورية) التي كان له سلطة على إعادة إطلاقها، بخلاف قناة الإخبارية التي كانت سلطته عليها محدودة جداً كما يعلم جميع العاملين فيها.
كذلك تجسد تدخل الوزير في عقد تجديد المطبعة، وفي جعل الصفحة الأولى من الجريدة صفحة صور وعناوين فقط، على طريقة صحافة التابلويد الصغيرة الحجم، بينما مازالت كل الصحف الكاملة الحجم، تعتمد إيراد نصوص وتقارير تغني الصفحة الأولى، وتجعل الوقوف أمام الصفحة الأولى واختياراتها أطول وأعمق… ووصل الأمر إلى تدخله بصياغة عناوين بعضها أثار استياء كبير لدى السوريين ولا داعي لذكر أمثلة.
لم يقل الوزير الذي يقولون إنه بذل “جهودا عظيمة”، لطاقم جريدة (الثورة السورية) أنه لا يجوز إصدار العدد الأول منها، أو حتى الأعداد الأولى، دون سبق صحفي يجري الإعداد له جيداً، ويجعلها حديث الناس ويثير اهتمام وسائل الإعلام فتنقل عنها. لقد بذل الزملاء العاملون في جريدة (الثورة) جهودا مشكورة وأعرف إخلاص الكثير منهم، لكن هذا كله لم يكن كافيا كما تقول النتائج، فالجريدة بعد أكثر من 100 عدد من الصدور اليومي، لم تتميز بأي سبق صحفي، وكل الجدل وبعض الاستحسان الذي قوبلت به، بسبب شجاعة رئيس تحريرها في الاعتذار العلني عن الأخطاء المهنية التي وقعت، وبسبب مقالات الرأي المتنوعة الاتجاهات وذات الرؤى النقدية التي نشرتها مشكورة، وأغلبها لكتاب خارجيين.. وبالتالي إذا أردنا أن نكون موضوعيين، وأن يذكرنا التاريخ بإنصاف فيجب ألا يغرنا الثناء، وألا نقيم الاحتفالات ونقطع قوالب الكاتو كما فعل الوزير نفسه، لأن عدد المتابعين على صفحة الجريدة على (فيسبوك) قد بلغ نصف المليون. العمل الإعلامي وخصوصا الذي يمثل دولة خاضت المخاض العسير والدامي الذي قطعته سورية، أكبر من هذه الحركات الصبيانية.
احتفل الوزير بإطلاق إذاعة دمشق وهو يتغنى مع كادرها بتاريخها العريق، فجاء حفل الافتتاح جهلا مدقعا بهذا التاريخ ورموزه وحتى جهلا بصور روادها.. الأدهي أنهم استنسخوا فقرة تقديم حلقة (حكم العدالة) على المسرح من احتفال سابق بعيد ميلاد الإذاعة خلال عهد نظام الأسد بنفس الشكل والأسلوب… وقد اختصروا تاريخ الدراما في إذاعة دمشق بالمسلسل الذي كرس شرعية التعذيب طيلة عقود: “مساعد جميل نزلوا ع القبو واعملوا اللازم” وتجاهلوا المؤسس الحقيقي للدراما الإذاعية في العهد الذهبي القصاص الشعبي حكمت محسن… ثم استمرت الإذاعة تارة طامحة لأن تكون “تلفزيون” وأخرى لتكون “وكالة أنباء” تنافس (سانا) دون رؤية واضحة لهويتها ودورها وتكريس عراقتها.
مدونة السلوك: امدح مديرك ووزيرك كما تشاء
أطلقوا مدونه سلوك، دعوا إليها من شاءوا وأقصوا من شاءوا… وضخم الوزير الأرقام على طريقته فخالف بند (الالتزام بالدقة) في المدونة التي أطلقت للتو. وذهب الإعلاميون الشباب المتفاخرون بدعوتهم ليوقعوا على اللوح المنصوب، ويتصوروا وهم يوقعون… فيما الوزير يزعم في القاعة أن خطاب الكراهية يأتي من السوريين الذين يعيشون “في سياقات ديمقراطية” فيثير زوبعة أخرى، بدل أن يهيئ الأجواء لمناقشة موضوعية لبنود المدونة. لم ينتبه أحد إلى أن من أبسط قيم السلوك الإعلامي ألا يمتدح إعلامي مؤسسته أو مدير أو وزيره وهو قائم على رأس عمله… وخصوصا إذا كانت مؤسسة رسمية تمول من المال العام. هذا نفاق وتملق، ويضر بالمؤسسات والعاملين فيها وألية العمل، لأن من يحترمون أنفسهم ولا يمارسون هذا السلوك المشين، سوف يتضررون ويظهرون كنشاز ضمن جوقة التطبيل والمديح الأجوف لزملائهم. الإعلاميون الحقيقيون يقيّمون تجاربهم حين يصبحون خارج المؤسسة وتنتفي شبهة المصلحة والاستفادة فقط.
حُسب للوزير المُقال أنه أطلق قناة (السورية) التي تعاني اليوم من فقر مدقع في البرامج، وتخبط في الرؤية. وكان الوزير قد كلف من كان تسمى “مخرجة القصر” أيام بشار الأسد، في لجنة انتقاء بعض العاملين أثناء التأسيس. انطلقت القناة مع بداية شهر رمضان، فلم تثر الانتباه المتوقع، باستثناء برنامج المسابقات الذي أطلقته بجوائز مالية، وهذا مشروع طبعا ولكن لا يمكن أن يكون حاملا لوحده، لقناة تخاطب الأسرة والمجتمع. وعمد مسؤولو السوشيال ميديا إلى تمويل منشورات القناة على (فيسبوك) أي اعتبارها إعلانا تدفع لإدارة فيسبوك كي تروجه، ومع ذلك لم ينفع ذلك في إنقاذ القناة، التي لا تخلو من زملاء أكفاء أحترم خبرتهم واجتهادهم ومهنيتهم، ولكن ماذا ينفع هذا كله في غياب الرؤية العامة للإعلام الوطني لدى الوزارة التي مشت وراء التكتوكجية واليتوتبرية لاعتقاد السيد الوزير أن هؤلاء بمتابعيهم سوف يروجون له ولإنجازات وزارته بما يغطي على خوائها بالمتابعات واللايكات.
في النهاية لم ينجح الوزير في خلط الأوراق، حتى لدى المسؤولين عن استمراره في المنصب أو إعفائه، كما لم ينجح في إقناع أحد (من غير الموظفين والمستفيدين والأصدقاء) أن الإعلام التي تستحقه سورية هو هذا مستواه، وكان من أجمل وأهم ما كتب بعد إقالته، ما كتبه الناشط السياسي السوري زياد الصوفي على صفحته:
“لعلّ أكبر خسائر إقالة وزير الإعلام، هو توقّف مهرجان المؤثرين السنوي، ذلك الحدث الذي جعل البعض يظنّ أن إعادة بناء بلد خرج من أعظم ثورة وأعقد تحرير، تبدأ بدعوة التكتوكجية والهوانم الخوانم والفاشينسطات لالتقاط الصور وصناعة الستوريات. سنفتقد تلك اللحظات المصيرية التي تحوّلت فيها القضايا الكبرى إلى فقرات ترند، والتضحيات الثقيلة إلى خلفيات مناسبة للإضاءة والفلاتر والريلز. سنفتقد زمناً حاول فيه البعض إقناعنا أن الإعلام هو عدد اللايكات، وأن صورة مع مؤثر قد تنجح بما لم تنجح به سنوات من العمل الحقيقي. خسارة كبيرة فعلاً…”
أخيراً أعتقد أن محاولة تلوين مرحلة حمزة مصطفى الاستعراضية بالأصباغ والألوان الفاقعة وكلمات الشكر المعسولة، لن تغطي – حين نقترب من معاينة المحتوى- على فشل هذه التجربة في صناعة إعلام كان يتوقع له نجاحا باهرا قياسا بحجم الحريات التي حصل عليها، ومهنية أعلى قياسيا بحجم الكفاءات التي تملكها سورية. وهي برأيي تستحق أن تدرس وأن يستفاد منها بعيدا عن التبريرات ومنشورات جبر الخواطر. فلا يمكن صناعة إعلام بلد بمنطق الكيدية والشللية وإقصاء من لا يمتدحنا ولا ينتمي لشلتنا… ثم التباكي الرخيص مع نشر صور العائلة والزعم أننا “نتعرض لحملات ممهنجة” لا يمكن صناعة إعلام دون أن تمتلك خبرة كافية وثقافة كافية لإدارته بعيدا عن النرجسية التي تضخم الإمكانات المحدودة لصاحبها. لا يمكن صناعة إعلام في مرحلة تحول تاريخي كبرى كهذه، دون أن تضع عينك على التاريخ وتشعر بأنك تحمل أمانة تجاه وطن عانى ما عاناه. التاريخ الذي سيقول كلمته بتجرد وبلا رحمة، حين ينصرف المزاودون والموظفون المستفيدون، وحين يبقى الإنسان عاريا إلا من عمله وحده… بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

