العلوية السياسية في سوريا: حين تتحول الطائفة إلى وظيفة سلطوية؟
دمرت العلوية السياسية إمكانية تشكل الثقة الوطنية بين السوريين. لكنها في الوقت نفسه ألحقت أذى عميقاً بالمجتمع العلوي نفسه، حين ربطت مصيره بمصير سلطة أمنية مغلقة.

عمر جمعة – العربية القديم
في النقاش السوري المعاصر، كثيراً ما يجري الخلط بين “العلويين” بوصفهم جماعة دينية تاريخية متعددة الطبقات والانتماءات، وبين ما يمكن تسميته بـ”العلوية السياسية” بوصفها بنية سلطة تشكلت داخل الدولة السورية الحديثة، خصوصاً منذ استيلاء حافظ الأسد على الحكم عام 1970. هذا الخلط ليس مجرد خطأ لغوي أو سياسي، بل أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت السوريين عاجزين لعقود عن فهم طبيعة النظام نفسه: هل كان نظاماً طائفياً؟ أم نظاماً استبدادياً استخدم الطائفة؟ أم تحالفاً معقداً بين الخوف والسلطة والعصبية والحداثة المشوهة؟
من العصبية الأمنية إلى مأزق الدولة الوطنية
الحقيقة أن “العلوية السياسية” لا يمكن فهمها بوصفها هوية دينية خالصة، ولا باعتبارها مؤامرة طائفية مسبقة التخطيط، بل باعتبارها ظاهرة سوسيولوجية تشكلت داخل شروط تاريخية محددة: انهيار البنى التقليدية، عسكرة الدولة، صعود الانقلابات العسكرية، هشاشة الهوية الوطنية السورية، ثم تحويل الأجهزة الأمنية إلى مركز إنتاج للسلطة والثروة والشرعية.
في هذا السياق، يصبح من المفيد مقارنة الحالة السورية بما عُرف في لبنان بـ”المارونية السياسية”، وهو المفهوم الذي استخدمه مفكرون وعلماء اجتماع لوصف الهيمنة السياسية التي تمتعت بها النخب المارونية داخل الدولة اللبنانية منذ الاستقلال وحتى الحرب الأهلية. وكما لم تكن “المارونية السياسية” مرادفة لكل المسيحيين الموارنة، فإن “العلوية السياسية” ليست مرادفة لكل العلويين. في الحالتين، نحن أمام ظاهرة تتعلق بتحول جماعة اجتماعية إلى حامل أساسي لبنية السلطة، وما ينتج عن ذلك من اندماج خطير بين الهوية والدولة.
من التهميش التاريخي إلى مركز السلطة
لفهم نشوء العلوية السياسية، لا بد من العودة إلى التاريخ الاجتماعي للعلويين في سوريا. فحتى بدايات القرن العشرين، كان العلويون يعيشون في حالة تهميش اقتصادي واجتماعي عميق، خصوصاً في المناطق الجبلية الساحلية. وصف الباحث الفرنسي Michel Seurat هذه الحالة بأنها شكل من “الانفصال البنيوي” عن المركز المديني السنّي الذي احتكر السلطة الدينية والاقتصادية في العهد العثماني.
وقد أشار المؤرخ والسياسي البريطاني Patrick Seale في كتابه الشهير Asad: The Struggle for the Middle East إلى أن صعود الضباط العلويين داخل الجيش لم يكن نتيجة “مشروع طائفي” مبكر، بقدر ما كان نتيجة التحولات التي أحدثها الانتداب الفرنسي، ثم الانقلابات العسكرية بعد الاستقلال، حيث أصبح الجيش أحد المسارات القليلة المتاحة لأبناء الفئات المهمشة للصعود الاجتماعي.
لكن ما بدأ كصعود اجتماعي لفئات ريفية مهمشة، تحول تدريجياً إلى بنية سلطة مغلقة. ومع وصول حافظ الأسد إلى الحكم، بدأت عملية إعادة تشكيل الدولة على أساس الولاء الأمني الشخصي، مع اعتماد متزايد على شبكات قرابة وطائفة وثقة متبادلة داخل المؤسسات الأكثر حساسية: المخابرات، الحرس الجمهوري، الفرق العسكرية الخاصة، وأجهزة الأمن.
هنا بالضبط وُلدت “العلوية السياسية”: ليس كعقيدة دينية، بل كبنية حماية سلطوية.
العصبية السلطوية والخوف الوجودي
يفسر علم الاجتماع السياسي هذه الظاهرة عبر مفهوم “العصبية السلطوية”، المستوحى جزئياً من أفكار ابن خلدون حول العصبية، والمطور حديثاً في دراسات الدولة التسلطية. فالأنظمة الهشة تميل إلى الاعتماد على جماعة تعتبر أن بقاءها مرتبط ببقاء السلطة نفسها. ومع الزمن، ينشأ اندماج نفسي وسياسي بين النظام والجماعة الحامية له. لم يعد الأمر مجرد دعم سياسي، بل تحول إلى شعور وجودي بالخطر: إذا سقط النظام، قد تسقط الجماعة معه.
هذه الآلية ليست سورية حصراً. عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر تحدث عن أن الدولة الحديثة تحتكر “العنف المشروع”، لكن في الأنظمة التسلطية يتحول هذا الاحتكار أحياناً إلى احتكار “فئوي” غير معلن، حيث تصبح أجهزة العنف مرتبطة عضوياً بجماعة بعينها، ولو بصورة غير دستورية.
ومع مرور الزمن، دخل المجتمع العلوي نفسه في هذه البنية المعقدة. فالنظام لم يحمِ العلويين بقدر ما احتجزهم داخل معادلته الأمنية. كثير من أبناء الطائفة وجدوا أنفسهم داخل الجيش والأجهزة الأمنية ليس فقط بسبب الامتيازات، بل أيضاً بسبب الخوف، وضيق الخيارات الاقتصادية، والضغط الاجتماعي، والشعور بأن الخروج عن النظام قد يُفهم كخيانة جماعية.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات العلوية السياسية قسوة:
لقد حوّل النظام الطائفة من جماعة اجتماعية متنوعة إلى رهينة سياسية لسلطته.
العلوية السياسية ونظرة السوريين
مع الزمن، لم يعد معظم السوريين يرون النظام بوصفه مجرد سلطة استبدادية، بل بوصفه سلطة مرتبطة عضوياً بالطائفة العلوية، خصوصاً بعد مجازر الثمانينيات، ثم بعد الثورة السورية عام 2011 وما تلاها من قمع واسع النطاق.
ساهم في ذلك عدة عوامل:
الكثافة العلوية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، ظهور ميليشيات رديفة ذات طابع طائفي واضح، والخطاب التعبوي القائم على حماية الأقليات، واستخدام الخوف الوجودي كأداة تعبئة سياسية.
لكن هذه الصورة، رغم جذورها الواقعية، حملت أيضاً خطراً هائلاً: انتقال الغضب من النظام إلى الجماعة كلها.
هنا يفسر علم النفس التحليلي جانباً مهماً من الظاهرة. فقد رأى كارل غوستاف يونغ أن المجتمعات في أوقات الصراع تميل إلى إسقاط “الظل الجماعي” على جماعة محددة، فتحولها إلى حامل رمزي لكل الشرور والمخاوف المكبوتة.
وفي الحالة السورية، أدى العنف المفرط الذي مارسه النظام إلى نشوء صورة نمطية جماعية عن العلويين لدى قطاعات واسعة من السوريين، حتى تجاه أولئك الذين لم يشاركوا في القمع أو كانوا معارضين للنظام أنفسهم.
وهكذا دخل المجتمع السوري في حلقة جحيم متبادلة:
النظام يخيف العلويين من بقية السوريين، وبقية السوريين يرون العلويين امتداداً للنظام، بينما تتآكل الهوية الوطنية تدريجياً لصالح الهويات الخائفة والمتقابلة.
المارونية السياسية: التشابه والاختلاف
المقارنة مع “المارونية السياسية” في لبنان تساعد على فهم الظاهرة السورية دون الوقوع في التبسيط.
ففي لبنان، تشكل النظام السياسي بعد الاستقلال على أساس تفوق ماروني واضح داخل الدولة، مستند إلى توازنات استعمارية وديموغرافية واقتصادية. لكن مع الزمن، أدى احتكار السلطة إلى شعور جماعات أخرى بالتهميش، ثم إلى انفجار الحرب الأهلية.
وقد كتب المفكر اللبناني سمير قصير أن المارونية السياسية لم تسقط فقط بسبب رفض الآخرين لها، بل أيضاً لأنها سجنت الموارنة أنفسهم داخل خوف دائم من فقدان الامتيازات.
الأمر ذاته حدث جزئياً في سوريا، وإن بصورة أكثر عنفاً وعسكرية. فالعلوية السياسية لم تنتج استقراراً دائماً، بل أنتجت خوفاً دائماً:
خوف السلطة من المجتمع، وخوف المجتمع من السلطة، وخوف الطائفة من سقوط السلطة.
الدولة العلمانية أم الدولة الأمنية؟
إحدى أكبر المفارقات في سوريا أن النظام قدّم نفسه لعقود بوصفه “نظاماً علمانياً”. لكن العلمانية الحقيقية لا تعني فقط إبعاد الدين عن الخطاب الرسمي، بل تعني أيضاً حياد الدولة تجاه الهويات، وضمان المواطنة المتساوية، ومنع احتكار السلطة من أي جماعة.
أما في الحالة السورية، فقد جرى استخدام “العلمانية” أحياناً بوصفها أداة شرعية خارجية، في حين استمرت البنية العميقة للدولة قائمة على الولاء الأمني والعصبية السياسية.
وقد ميّز الباحث الأمريكي Steven Heydemann بين “الدولة العلمانية” و”الدولة الأمنية”، معتبراً أن بعض الأنظمة العربية استخدمت خطاب الحداثة والعلمانية لتغطية إعادة إنتاج السلطة عبر الأجهزة القمعية والشبكات الزبائنية.
ولهذا فإن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على إعادة إنتاج أي صيغة طائفية مقابلة، ولا على الانتقام الجماعي، بل على تفكيك العلاقة بين السلطة والهوية نهائياً.
الديمقراطية بوصفها علاجاً للخوف
المشكلة الأساسية في سوريا لم تكن وجود الطوائف، بل غياب الدولة الديمقراطية القادرة على تحويل التنوع إلى مواطنة.
الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل نظام يضمن:
تداول السلطة، استقلال القضاء، حماية الأقليات، ومحاسبة الأجهزة الأمنية.
في غياب ذلك، تتحول كل جماعة إلى مشروع خوف مسلح.
ولهذا فإن تجاوز العلوية السياسية لا يكون عبر شيطنة العلويين، بل عبر بناء دولة لا تحتاج فيها أي جماعة إلى الاحتماء بالأجهزة الأمنية كي تشعر بالأمان.
كما كتب الفيلسوف السياسي حنا آرنت :
“الاستبداد لا يدمر السياسة فقط، بل يدمر الثقة بين البشر.”
وهذا بالضبط ما حدث في سوريا.
لقد دمرت العلوية السياسية (بوصفها بنية سلطوية لا هوية دينية) إمكانية تشكل الثقة الوطنية بين السوريين. لكنها في الوقت نفسه ألحقت أذى عميقاً بالمجتمع العلوي نفسه، حين ربطت مصيره بمصير سلطة أمنية مغلقة.
خاتمة: نحو سوريا ما بعد الهويات الخائفة
إذا أرادت سوريا أن تخرج فعلاً من قرن الخوف، فعليها أن تتجاوز معادلتين قاتلتين:
معادلة “الطائفة الحامية للسلطة”، ومعادلة “الطائفة المتهمة جماعياً”.
فلا الديمقراطية تُبنى بالكراهية، ولا العدالة تُبنى بالإنكار .
الطريق الوحيد الممكن هو الاعتراف بالحقيقة، ومحاسبة الأفراد المسؤولين عن الجرائم، وبناء دولة مواطنة يكون فيها الجيش جيشاً وطنياً لا شبكة ولاءات، وتكون فيها الطائفة هوية ثقافية واجتماعية لا وظيفة أمنية.
حينها فقط يمكن للسوريين أن يخرجوا من إرث العلوية السياسية، لا عبر حرب أهلية جديدة، بل عبر ولادة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف السوري بوصفه مواطناً قبل أي شيء آخر.

