العدالة السورية.. “حقنة تخدير” في وريد الأزمة
حين تُعرض الاعترافات والمشاهد أمام الرأي العام قبل القضاء نحن لا نبني مؤسسات بل نكرس منطق "التشهير السياسي" كبديل عن "الإنصاف القانوني"!

خالد المطلق * العربي القديم
في الجغرافيا السورية المثقلة بالجراح لم يعد الخبر مجرد معلومة بل أصبح لغزاً يتطلب تفكيك شيفراته السياسية والزمنية، فحين تضج الشاشات فجأة بملفات سجون مظلمة أو محاكمات لشخصيات أمنية وعسكرية فإن الحقيقة هنا لا تكتسب قيمتها من ذاتها فقط، بل من “لحظة انبعاثها”، وهنا يجب أن نعرف أننا أمام واقع سوري معقد حيث الحقيقة لم تعد غاية بحد ذاتها بل تحولت إلى أداة تُشهَر في وجه الأزمات المعيشية الخانقة وكأن هناك “مايسترو” خفياً يدير الانتباه العام ويقايض لقمة العيش بمشاهد الذاكرة المؤلمة·
إن التزامن المريب بين ارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي نتيجة التدهور الاقتصادي، وبين فتح ملفات الانتهاكات الجسيمة يثير تساؤلات مشروعة حول الغاية من هذه التحركات.
من حيث المبدأ لا يختلف اثنان على ضرورة المحاسبة فهي المطلب الأول للسوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وكرامتهم، ولكن حين تتحول هذه المحاسبة إلى “رد فعل” على أزمة خبز أو وقود؛ فإنها تخرج من سياقها الحقوقي لتدخل في سياق “امتصاص الغضب”، وما نشهده اليوم ليس مساراً قضائياً تقليدياً يهدف إلى إرساء دولة القانون بل هو أقرب إلى عملية إدارة محسوبة للانتباه، ففي الأنظمة القانونية الرصينة تُصان الأدلة وتُحفظ سريتها لضمان نزاهة المحاكمات أما في الحالة السورية فتُسرب المشاهد الصادمة لتُستهلك إعلامياً قبل أن تطأ أقدام المتهمين قاعات المحاكم.
هذا القلب للمعادلة يحول الجريمة الكبرى إلى مادة للاستهلاك اليومي ويقزم معاناة الضحايا ليجعلها مجرد “تريند” عابر يغطي على القرارات الاقتصادية المجحفة·
إن الخطر الأكبر في هذا النهج لا يتوقف عند حدود التوظيف السياسي بل يمتد ليهدد جوهر العدالة المستقبلية، وتلويث الأدلة إعلامياً قبل عرضها على القضاء يمنح فرق الدفاع ثغرات قانونية ذهبية للطعن في نزاهة الإجراءات، وهنا نصل إلى مفارقة صادمة قد يتم من خلالها إضعاف العدالة باسم تحقيقها وحين تُعرض الاعترافات والمشاهد أمام الرأي العام قبل القضاء نحن لا نبني مؤسسات بل نكرس منطق “التشهير السياسي” كبديل عن “الإنصاف القانوني” وهذا الأسلوب يفرغ مفهوم العدالة الانتقالية من محتواه ويحولها من عملية بناء جسور الثقة في المؤسسات إلى مجرد أداة لتصفية حسابات أو تقديم “أكباش فداء” لتهدئة الشارع الثائر، حيث يعيش السوري اليوم في فجوة هائلة بين ما يراه على الشاشة وما يلمسه في واقعه، فبينما تُبث فيديوهات المحاسبة تسير التعيينات الإدارية والسياسية وفق منطق الولاء القديم وتصدر قرارات اقتصادية مفاجئة تُعمق جراح الفقر، وهذا التناقض يكشف أن السلطة حين تعجز عن تقديم حلول ملموسة للأزمات البنيوية تلجأ إلى استدعاء “ذاكرة الألم الجماعي” لإعادة توجيه البوصلة، فاستخدام ملفات السجون والمعتقلين واعتقال بعض المجرمين من الصف الثاني والثالث في لحظات التأزم المعيشي هو توظيف غير أخلاقي لمعاناة إنسانية مستمرة، والفرق شاسع بين كشف الحقيقة كخطوة نحو المصالحة الوطنية وبين استخدام الحقيقة كدرع لحماية السلطة من تداعيات فشلها الإداري، والسوريون اليوم بوعيهم الذي صقلته سنوات الحرب باتوا يدركون أن العدالة التي تأتي كـ “حقنة تخدير” ليست هي العدالة التي ينشدونها، والمطلب الشعبي في سوريا تجاوز مجرد رؤية الجلادين خلف القضبان فالسوريون يتوقون إلى دولة لا تعيد إنتاج نفس المنطق الإقصائي أو الأمني وهم يريدون دولة قانون لا تعتمد على “التسريبات” بل على الإجراءات المؤسساتية الشفافة، دولة مؤسسات تُبنى على الكفاءة والنزاهة لا على الولاءات الضيقة والارتهان للحظة الراهنة، عدالة حقيقية تنصف الضحايا وتؤسس لمستقبل لا تتكرر فيه مآسي الماضي لا عدالة تُستخدم كصمام أمان لتفريغ ضغط الشارع، والحقيقة التي تُعرض لغرض التغطية على حقيقة أخرى هي في جوهرها تضليل مقنع·
ختاماً لم يعد السؤال الجوهري في الشارع السوري هو “هل ستتم المحاسبة؟” بل أصبح “لصالح من تتم هذه المحاسبة الآن؟” والإجابة على هذا التساؤل لن تأتي من الفيديوهات المسربة أو البيانات الرسمية المنمقة بل ستأتي من التغيير الحقيقي على الأرض، فالعدالة الحقيقية لا تسكن في شاشات التلفزة بل في استعادة المواطن لكرامته وفي بناء نظام يقاضي المجرم ليس لأنه فقد الحظوة بل لأن القانون فوق الجميع، وما يحتاجه السوريون هو الخروج من دائرة “إدارة الغضب” إلى رحاب “تحقيق الإنصاف” وبناء وطن تُصان فيه الحقيقة ولا تُستخدم كوقود للهروب من استحقاقات الواقع المرير·
……………………………………………….
*عقيد ركن سابق كاتب وباحث مختص في الشؤون العسكرية والامنية والارهاب

