الرأي العام

الدولة -3 | سؤال القلق: هل هي فترة من الطبيعي أن تمر بها البلاد؟

ليس صحيحاً القول إنها فترة من الطبيعي أن تمر بها البلاد، لأن ذلك الطبيعي ليس ضرورة بقدر ما هو ظروف أغلبها مُفتعلة

مصعب الجندي – العربي القديم

عندما تتشابك الملفات وتتداخل المآسي (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الأمنية، البيئية….. إلخ) حتى تكاد تظهر وكأنها منظومة واحدة، ستجعل من الواقع السوريّ كله سوداوي اللون والطبيعة، ويصبح السؤال: من أين نبدأ؟ وماذا عن اليوم التالي؟!

سؤال القلق الذي يؤرق بنية الدولة وبناها، في وطن لم ينجُ فيه مواطن واحد طوال عقود من مصائب، حتى اختمرت هذه المآسي وتكثّفت خلال الخمسة عشرة الأخيرة، وكأنها في سلسلة متوالية ترفض أن ينفرط عقدها اللاهب، وتطرب لأنها جعلتنا جميعاً ندور في حلقة الفراغ، ساعين للخلاص منها والإجابة على ذاك السؤال اللئيم الذي يضرب أوتار الأعصاب والعقل والقلب: من أين نبدأ…؟

الزمن الذي هوى!

لكلّ سوريّ حقّ الإجابة عن بدايات تمثل المرارة التي عاشها، وما زال يتصور الزمن المُقبل كجزء من ذلك الزمن الذي هوى واستمر في الترسب في حياتنا كذرات رمل صفراء سامّة. أما النقيض من هذا السوريّ يصدمه واقع جديد، إذ كان عيشه مع سابقه نموذجاً فجاً للبلادة والأنانية. وما بين النقيضين، حالات لا حصر لها بعضها نعجز عن تعريفه، وقد تعجز هي عن التعريف بنفسها.

المناخ العام لا يدعو للتفاؤل في الزمن الراهن، وكأننا ألعاب كمبيوتر جاءت صدفة لا ضرورة ً، من أجل أداء مهمة معينة، لا دخل للعقل ولا للروح ولا للوجدان فيها.

فترة تمر بها البلاد

ليس صحيحاً القول إنها فترة من الطبيعي أن تمر بها البلاد، لأن ذلك الطبيعي ليس ضرورة بقدر ما هو ظروف أغلبها مُفتعلة، ومليئة باللغو واللغط، مع إضافة اعتقاد الوهم لنجعله يقين: أن كل شيء يجب أن يسير باتجاه مرسومٌ ومقرر وإن كان سيؤدي إلى وادي قطعان الذئاب والتماسيح.. وهمٌ إذا اعتقدنا أننا إن لم نطعْ أو نسير صوب ما رُسم لنا، فإننا سنعتبر ضد الإنسانية وبعيداً عن الحضارة ولا نعرف معنى الديموقراطية. الوهم والتوهم: كم تبدوان كلمتين حقودتين حين يكون موضوعهما إنسانية العلاقات البشرية، المترافقة بسرديّات متناحرة، أغلبها _وإن صدقت_ كذوبة في أخلاقياتها، تهدف إلى تحطيم تاريخنا وودائعنا، ليسقط في تحولاتها مدانا.

لا الخطابات السياسية تفيد، ولا الشعارات، ولا أفراحنا تفتح أفق طريق جديد، فجميعها مؤقته، وتسقط مع أول اختبار حقيقي في مواجهة الحياة ببناها المادية الملموسة. وكم تكرر هذا السقوط خلال العام ونصف العام الماضي، واستمر سؤال القلق متوتراً.    

سلطة الإرضاء والاسترضاء

 لنقصي التوتر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا…  ليكن قلق السؤال انفعالا تحليليا هادئاً عبر القراءة والتحليل الشاملين، مع اهتمامنا بالفعل والأداء عبر مسارات متوازية، وباتجاه تأمل جميع المآسي وإن تقدمت واحدة على أخرى قليلاً. جميعنا مسؤولون _كارهون ومحبون_ ومن هذا الجميع تقع المسؤولية الأكبر على السلطة، التي ليس المطلوب منها مسك العصا من الوسط أو اليمين أو اليسار طلباً للإرضاء أو الاسترضاء، فلتمسكها من أينما وكيفما شاءت، لكن باتجاه واضح مرسوم للدولة ونموذجها، وبسيط مفهوم للجاهل والمتعلم، وللكافر والمؤمن. الشفافية والصدق يجعلان السوريين بقلق منتجين، ويعرفون البدايات والمسارات، بدلاً من الطلاسم والألغاز، ويجيدون الاختيار إجماعاً كشريك في السلطة. وحينها فقط تكون هذه السلطة أمراً واقعاً بلا أمر، سلطة الضرورة لا مجرد صدفة.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى