العربي الآن

لماذا أثار استقبال جمال سليمان منفرداً تساؤلات السوريين؟

خطوة غير مدروسة بروتوكولياً، أعطت انطباعاً فورياً وقاطعاً للشارع السوري بأن اللقاء هو اجتماع سياسي بحت يهدف إلى تدوير الزوايا وصناعة واجهات جديدة

نوار الماغوط – العربي القديم

‎ تحول اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة الانتقالية، أحمد الشرع، بالفنان المعارض جمال سليمان في قصر الشعب بدمشق إلى مادة دسمة للجدل والنقد العقلاني في الأوساط السورية، حيث فتح هذا الحدث الباب على مصراعيه لإعادة قراءة المشهد السياسي والثقافي الجديد في سوريا بكثير من التوجس والحذر. هذا اللقاء الذي هندسته الدوائر الإعلامية ومستشارو القصر لتصدير صورة “الدولة المنفتحة” والمتصالحة مع معارضيها في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، وقع في فخ الخطأ البروتوكولي والاستراتيجي، محولاً المبادرة من انفتاح وطني عام وشامل إلى شبهة “صفقة سياسية ضيقة” تثير الكثير من علامات الاستفهام حول الآليات التي تُدار بها البلاد في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تاريخ سوريا. وتكمن الإشكالية الهيكلية والجوهرية في استقبال الفنان جمال سليمان بصفة منفردة وشبه زعامية، وهي خطوة غير مدروسة بروتوكولياً، أعطت انطباعاً فورياً وقاطعاً للشارع السوري بأن اللقاء ليس مهنياً أو تقنياً لمناقشة قطاع الدراما والإنتاج التلفزيوني أو الثقافة السورية بشكل عام، بل هو اجتماع سياسي بحت يهدف إلى تدوير الزوايا وصناعة واجهات جديدة على حساب العمل المؤسساتي المشترك. وكان الأجدى بالرئاسة والحكومة الانتقالية، لضمان الموضوعية والشفافية وإثبات النوايا الوطنية الصادقة، أن يتم هذا الاستقبال ضمن وفد فني وثقافي جماعي واسع يضم زملاءه من الفنانين السوريين المعارضين الذين دفعوا أثماناً باهظة من مواقفهم، ليتأكد للشارع السوري بكل أطيافه أن القيادة الجديدة تناقش مواضيع عامة تخص الفن السوري كقوة ناعمة وملفاً وطنياً جامعاً، لا صفقات كواليس تمنح حظوة لشخصيات بعينها بناءً على علاقاتها الإقليمية أو حضورها الإعلامي الفردي.

‎إن هذا التخصيص الفردي اللا مُبَرر يحمل دلالات سلبية واضحة ومعقدة يمكن تفكيك أبعادها العميقة، حيث يرسخ الاستقبال المنفرد القناعة السائدة بأن سليمان لم يأتِ ممثلاً للفن والدراما السورية، بل جاء بصفته “ساعي بريد” غير رسمي يحمل في جعبته رسائل “جس نبض” سياسية وأمنية متبادلة بين القاهرة ودمشق، ومحاولة لاستكشاف حدود التموضع الجديد للحكومة السورية وضمانات الأمن الإقليمي المرتبطة بالنظام المصري والرئيس السيسي، وهو ما أفقد اللقاء قيمته الثقافية المحلية وجعله يبدو كأداة في لعبة التوازنات الإقليمية. بدلاً من أن تكون منصة حوار وطني شامل وعادل يجمع مختلف الأطياف الفنية والسياسية. وبدلاً من أن يعطي هذا اللقاء انطباعاً بالانفتاح على القطاعات المشتركة وإصلاح الإرث الثقافي المدمر، بدا المشهد كحوار تناقضات بين سلطة جديدة تبحث عن شرعية مجتمعية وغطاء مدني سريع، وبين رموز نخبوية تُتهم اليوم بالسعي لتقاسم حصص الحضور والوجاهة في المرحلة القادمة، بعيداً كل البعد عن هموم الشارع السوري المثقل بالأزمات الاقتصادية والمعيشية والخدمية القاسية التي تتطلب حلولاً جذرية لا استعراضات بروتوكولية في القصور.

‎وتزداد المفارقة تعقيداً وعمقاً عند ربط هذا الاستقبال بتحركات جمال سليمان الأخيرة وتصريحاته الجدلية التي أثارت حفيظة الكثيرين؛ فقبل فترة وجيزة، وتحديداً خلال تواجده في الولايات المتحدة الأمريكية، كان الفنان السوري يساهم بنشاط في محاولة تشكيل وفود وهيئات حقوقية وسياسية تهدف إلى تقديم شكاوى وضغوطات دولية ضد الحكومة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع، وهي التحركات التي وصفها بعض المراقبين بالانقسامية والتي تخدم أجندات ضيقة، ليتفاجأ الشارع السوري بهرولته إلى قصر الشعب بدمشق فور علمه بانسداد تلك الآفاق وعدم جدوى تلك الضغوطات الدولية، وهو ما يراه منتقدوه دليلاً على براغماتية مفرطة وسعياً وراء التموضع الفردي وحجز مقعد في العهد الجديد بأي ثمن. كما يعيد هذا المشهد السريالي إلى الأذهان تصريحات سليمان السابقة التي لم تخلُ من النرجسية السياسية والادعاء حول نيته الترشح لرئاسة سوريا، ورغم محاولته الالتفاف على تلك التصريحات وتبريرها لاحقاً بالقول إن كل ما كان ينوي توصيله هو أن سوريا ولادة وبها ألف بديل وأكثر أفضل من بشار الأسد وأنه واحد من هؤلاء البدلاء، إلا أن الشارع السوري يتساءل اليوم بتهكم وسخرية مريرة: هل همس سليمان في أذن الشرع خلال هذا اللقاء الخاص بالعبارة ذاتها، مؤكداً له “أنت أفضل مني لرئاسة سوريا” كنوع من تقديم صك الولاء وضمان مكانته وحصته الثقافية أو السياسية في العهد الجديد .

‎إن تصحيح هذا المسار المتعرج في سوريا الجديدة يتطلب الانتقال الفوري وبدون أي تأخير من عقلية “اللقاءات الانتقائية الفاخرة” والاستعراضات الإعلامية التي تذكر السوريين بالماضي، إلى عقلية “العمل المؤسساتي الجامع” والشفاف. البديل الحقيقي والوحيد لحياكة التفاهمات الفردية وتوزيع الصكوك خلف الغرف المغلقة وقاعات القصور يكمن في تأسيس هيئات ومجالس وطنية مستقلة تماماً تعنى بالشأن الثقافي والفني والإعلامي، تُدعى إليها كافة الكفاءات السورية المبدعة في الداخل والخارج دون أي استثناء أو تمييز طائفي أو سياسي أو عشائري. إن الشارع السوري يراقب اليوم بدقة متناهية كل حركة وكل بروتوكول، وأي خطوة باتجاه تطبيع العلاقات مع رموز الفكر البعثي القديم أو تكريس النجومية الفردية السياسية على حساب العمل المؤسساتي ستحول مفهوم الانفتاح إلى مجرد عملية تجميلية سطحية لنظام المحاصصة القديم، وهو ما لن يقبله مجتمع يتطلع إلى حرية حقيقية وعدالة مؤسساتية شاملة تعيد صياغة الدولة السورية على أسس متينة من الكفاءة والنزاهة والكرامة الإنسانية لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى