العربي الآن

التوحش الرقمي في سوريا: تشريح لظاهرة “حُكم الشاشة”

حالة من "الفلتان الرقمي" جعلت من حياة السوريين مادةً خاماً لاقتناص التفاعل، وفي ظل غياب تشريعات تواكب مفهوم "الانتهاك البصري"، تحول المواطن في كثير من الأحيان إلى "صيد سهل" للكاميرات

مرعي الرمضان – العربي القديم

تبدأ الحكاية السورية اليوم غالباً من إشعار على شاشة الهاتف؛ صورة مسربة، أو مقطع فيديو يصور لحظة ضعف بشري، ليتحول في دقائق إلى محكمة ميدانية التي يقودها آلاف القضاة الافتراضيين. هذا المشهد ليس مجرد فوضى تواصل اجتماعي عابرة، بل هو تحول بنيوي فيما أسميه “حُكم الشاشة”؛ حيث تهاجر السلطة والشرعية من القنوات المؤسساتية لتستقر في خوارزميات المنصات، محولةً الفضاء العام إلى “مجتمع فرجة”؛ حيث لا قيمة للحدث ما لم يُعرض، ولا أثر للقانون ما لم يُدعم بـ “ترند”.

عدالة “الترند” وفراغ الإجراء

يلاحظ المراقب اندفاعاً متزايداً لدى المواطن السوري نحو عرض مظلمته في “فيسبوك” كبديل عن المسارات البيروقراطية التقليدية. هذه الظاهرة تعكس فجوة عميقة خلفها ترهل المسارات القانونية. لقد بات “الترند” يُمثل في وعي الكثيرين الطريق الأقصر لانتزاع حق، لكنها تظل عدالة عشوائية؛ تنصف من يملك أدوات التأثير الرقمي وتتجاهل المظلوم الصامت. إننا أمام صراع غير متكافئ بين وقار القانون الذي يتطلب التريث، وبين “اقتصاد الانتباه” الذي يحكم المنصات؛ حيث يميل القرار الإداري في حالات معينة ليصبح مجرد رد فعل لامتصاص هياج رقمي، بدلاً من أن يكون حلاً مؤسساتياً مستداماً.

“الشعبوية الإدارية”: حين تنهش الدولة نفسها

لم يعد الفرد وحده من يستخدم منطق المنصة، بل انتقل هذا السلوك إلى بعض مستويات الإدارة نفسها. نلحظ ظهور نمط من “الشعبوية الإدارية”، حيث يميل بعض المسؤولين لاستخدام العلن الرقمي لممارسة المحاسبة العلنية لمرؤوسيهم.

وهنا يبرز التساؤل حول “هيبة المؤسسة” ككيان اعتباري. إن السلطة الرمزية للمؤسسة تُبنى عبر الإجراءات القانونية والمحاضر الرسمية، بينما تؤدي المحاسبة عبر “البث المباشر” إلى تفكيك تراتبية السلطة وتوهم الرأي العام بأن الإدارة تُقاد بالانفعال اللحظي لا بالنظام العام. هذا التحول يجعل “الوقار الإداري” رهينةً لدى خوارزمية لا تفرق بين الحقيقة والإثارة.

الاستباحة الرقمية: “المعيبة” كوقود للاستقطاب

إن ملف المختطفات، أو “المغيبات”، ليس بجديد على التاريخ السوري، لكنه بات اليوم خاضعاً لأبشع صور الاستباحة الرقمية. لطالما استُغلت هذه الملفات لضرب المكونات الاجتماعية ووسمها بصبغة التوحش، كما حدث في توظيف فرية “جهاد النكاح” وربطها بمكونات سورية واسعة.

اليوم، يساهم “سدنة اللايك” في إعادة إنتاج هذه السرديات الكبرى عبر حوادث فردية تُنزع من سياقها الإنساني وتُحول إلى “محتوى” يغذي خطاب الكراهية. هذا الاستثمار الاستعراضي في الأوجاع يهدد ما تبقى من تماسك اجتماعي، ويحول المأساة الفردية إلى معول هدم في جسد المجتمع الذي لم تندمل جراحه بعد.

تغول “صناع المحتوى” وغياب الرادع القانوني

نحن أمام حالة من “الفلتان الرقمي” جعلت من حياة السوريين مادةً خاماً لاقتناص التفاعل. في ظل غياب تشريعات تواكب مفهوم “الانتهاك البصري”، تحول المواطن في كثير من الأحيان إلى “صيد سهل” للكاميرات. إن المتاجرة بخصوصية ذوي الضحايا وتصوير الأفراد في حالات انكسارهم تمثل اغتيالاً معنوياً كاملاً.

المشكلة تكمن في أن المنظومة التشريعية السورية ما زالت تحصر الانتهاكات في أطر “القدح والذم” التقليدية، بينما نحتاج اليوم إلى تعريفات قانونية تعتبر “انتهاك الحيز الخاص” و”المتاجرة بالضعف الإنساني” جنايات رقمية تستوجب الردع الصارم، لضمان عدم تحول المجتمع إلى ساحة توحش تقودها خوارزميات الانتقام.

قضية “بتول علوش”: الخصوصية في مهب “الولاية”

تظهر قضية “بتول علوش” كنموذج كاشف لهشاشة الحماية داخل المؤسسات التي يُفترض أنها “ملاذات آمنة”. إن تحويل مركز إيواء إلى مساحة تصوير مفتوحة يعكس خللاً في فهم حدود “الولاية القانونية” على الأفراد. غياب الرقابة القضائية الصارمة والشفافية في إدارة هذه الأزمات يترك الفراغ للمنصات لتمارس دور القاضي والجلاد، مما يؤدي غالباً إلى معاقبة الضحية مرتين: مرة بالواقعة، ومرة بالرجم الرقمي الذي يستبيح كرامتها وعائلتها.

خاتمة

إن سد الفجوة بين الدولة والمنصة يبدأ ببناء مؤسسات رصينة وبقانون يحمي “الحق في الخصوصية” كقدسية الحق في الحياة. كرامة السوريين وخصوصية عائلاتهم ليست وقوداً لمحركات البحث. الدولة التي تلاحق “الترند” تفقد بوصلتها، والمجتمع الذي يعيش بـ “اللايك” يفقد أمانه. فالحقيقة التي تُصنع في زوايا الكاميرا الموجهة لاقتناص “التفاعل” ليست حقيقة، بل هي معول يهدم ما تبقى من إنساننا السوري في زمن التوحش الرقمي.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى