فنون وآداب

العَبادِلة: مشروع الباحث محمد جدوع الثقافي النقدي

تقصي الإنجازات المتفردة من جهة، والمتشابهة من جهة أخرى في مجالات المعرفة والأدب

د. موسى رحوم عباس – العربي القديم

               قلائل من المثقفين الذين يمتلكون مشروعهم الخاص، بحيث يشكل الإطار لمجهوداتهم الفكرية والأدبية، ويمكن أن تندرج ضمن هذا الإطار أعمال ودراسات تستغرق أعمارهم، أو حصة كبيرة منها، ومن هؤلاء الأستاذ محمد جدوع، وقدرنا نحن أبناء الهامش أن نحمل سيرتنا الذاتية دائما؛ لنقدمها لمن نقابلهم في المركز أو المراكز، الباحث الجدوع من أبناء الرقة ومن مواليد 1950 تخرج في جامعة دمشق 1976 ، قسم الجغرافيا، وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب، ومشارك في الموسوعة العربية، صدر له العديد من الكتب، لكننا في هذه المقالة نركز على مشروعه الفكري والنقدي الذي أطلق عليه مسمى “العبادلة” وهو ما أوحى لي للوهلة الأولى أنه يدور حول أدباء ومفكرين يشتركون في اسم عبدالله، وربما تجاوزا “عبد” مضافا لها الرحمن أو الكريم… من أسماء الله الحسنى، لكنه أوضح في مقدمة الكتاب الذي نحن بصدد الإضاءة عليه مفهومه للعنونة، سنأتي عليه لاحقا.

صدر في هذه السلسلة أربعة كتب هي، عبادلة الفكر (دمشق 2007). عبادلة الترجمة (دمشق 2012) . عبادلة الشعر (دمشق 2024). عبادلة النثر والتناسخ السردي بين التسجيل والتخييل (اللاذقية، 2026)

عبادلة النثر والتناسخ السردي بين التسجيل والتخييل

اخترت هذا الكتاب كونه الرابع في السلسلة، ولحداثة صدوره، لأستعرضه بشيء من التفصيل، لفتني الإهداء إلى دمشق أم العواصم وبهاء المدن، والافتتاح بمديح الرقة مدينتنا التي نحب، وقد وصفها بأنها فاقت قرطبة الأندلس في خمس: الفرات وسده، والرُّصافة، والعجيلي، والرَّشيد، ثم علل إطلاقه مسمى” العبادلة” على مشروعه الذي يهدف إلى “تقصي الإنجازات المتفردة من جهة، والمتشابهة من جهة أخرى في مجالات المعرفة و الأدب، متناولا ميادين الفكر، والترجمة، والشعر، والنثر، ولا يعني أنه محصور بالأسماء التي تبدأ ب” عبد” بقدر ما تسعى لتسليط الضوء على التميز والفذاذة، من كل منجز معرفي وثقافي” ص 11

قسم الكتاب إلى ستة فصول، تناول فيها موجز تاريخ النثر في العصر الأموي، والأندلس، والعباسي ثم ما سماه عهد الانهيار، فالنثر في الدويلات المستقلة، والدولة العبيدية ” الفاطمية” يميز الجدوع بين النثر والسرد، فيجعل الأول في جانب الواقع” بينما السرد يغلب على أسلوبه الحيز الخيالي/ اللاواقعي، واللغة هي الحامل للأجناس الثلاثة” ص 59

مصطلح التناسخ

يجترح الجدوع مصطلح ” التناسخ” مقابلا لمصطلح التناص، ويشير إلى موضوعات متناظرة، أو متماثلة في آداب مختلفة شرقية وغربية، ويمثل لذلك بقصة الخطف التي ترد في ” الإلياذة” وتشابه مصيرها مع مأساة راما الهندي، ويقسم ذلك إلى: تناسخ في الموضوع ، وتناسخ في الأسلوب، ويمثل للأول بموضوع أنسنة الحيوان أدبيا في مزرعة الحيوان لجورج أورويل، وكتاب الصاهل والشاهج للمعري، دون أن يتتبع الطرق التي سلكها هذا الاستنساخ، وما هي المحطات التي سلكها، وهذا ميدانه الأدب المقارن. يرى أن الاستنساخ يقابل مصطلح ( TRANSMIGRATION  ) والتي من معانيها الارتحال، وتناسخ الأرواح!

المقامة ذلك الفن الجميل

في فصل النثر خصص الباحث الجدوع جزءا لا بأس به للحديث عن المقامة هذا الفن الجميل، بالرغم مما شابه من صنعة وتكلف وحذلقات لغوية، لكنه يرى فيها منجما ثرًّا لأهل اللغة والمعاجم والغريب، وهذا لا يغير من وظيفتها في التكسب ونيل عطاء الأمراء وأهل الحكم والسلطان، من خلال ابتداع شخصيتي عيسى بن هشام وأبو الفتح الإسكندري، وينتقل بنا إلى العصر الحديث حيث قاومت الاندثار؛ فأحياها الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي، حيث أفرد لها كتابا خاصا وسمه ب ” المقامات” وعرف لاحقا بمقامات العجيلي مقابل مقامات الهمذاني، أشعل شرارتها منادماته مع صديقه الأثير الشاعر نزار قباني، ويجمع بينهما الثقافة الواسعة والاطلاع الكبير على تراثنا الأدبي واللغوي .

المذاهب الأدبية والتناسخ

يستعرض الجدوع في هذا الفصل من كتابه الأسباب التي ساهمت بولادة الرواية في تقنيات سردها الحديث من وجهة نظره، وتميزها عن النثر الحكائي، ثم يوجز تاريخ أهم المدارس الأدبية العالمية.

الجولان، وفلسطين، والثورة السورية  في الرواية السورية

يستعرض الكتاب عددا من الروايات التي اتخذت من الجولان السوري المحتل، وفلسطين، والثورة السورية موضوعا لأحداثها.

هذه جولة على أهم مفاصل الكتاب بشكل مكثف، ويمكن للقارئ أن يجد الكثير مما لم تتسع له هذه العجالة، ويمكن أن يثير نقاشا مفيدا حول الكثير من طروحاته، اتفقنا معها، أو عارضناها، والمؤلف هو الأولى بالدفاع عن مقارباته ومقولاته، وهذه هي طبيعة قضايا الفكر والثقافة، إثارة الأسئلة وتعدد الإجابات.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى