شغف السوريين بأم كلثوم: قصة الخياط الدوماني والتسجيل النادر لدى الحمصي
بينما هو يتكلم تشعر أن أحداً يحكّ له ظهراً، يزهو كلما ذكر تفصيلاً غريباً، وأنا أومئ برأسي متعجباً

عدنان محيي الدين * العربي القديم
أبو حسن، مهنته خياط، وعنده شغف لا محدود بكوكب الشرق، لم أكن أعرفه من قبل، ولكن المصادفة ساقتني إليه.
كان دكانه في دوما قريباً من موقف السرافيس الذاهبة إلى الشام، وكنت مراراً أعبر من هناك، ولكن لم أنتبه يوماً إلى دكانه. فقد تعرفت عليه، عندما توكلت لأخيه بقضية، تخص العائلة كلها. اليوم سألت عنه أحد جيرانه، فقال لي لقد توفي قبل التحرير بأيام. لقد مضى على ذلك اليوم الذي جلست فيه عنده في الدكان أكثر من ست عشرة سنة، ومن العجيب أنه كان لا يفتح دكانه للخياطة، إلا بعد المغرب، وكأنه يحضر حفلة من حفلات أم كلثوم التي كانت صورها وأشرطة الكاسيت الخاصة بحفلاتها، تملأ جدران محلّه، فأينما نظرت ترى رفوفاً، عليها أنواع قديمة من الكاسيت، ومنها تلك الدائرية التي ترجع إلى ذلك الزمن الجميل، الذي كان صوت أم كلثوم يسحر الشرق.
سألته متى تغلق دكانك، قال لي عند أذان الفجر، فقلت لنفسي غريب هذا الشخص! كان قليل الكلام، ويستمع إلى أغنية لم أسمعها من قبل، طبعاً لأم كلثوم، فبادرته بسؤال آخر: غريب أنني أول مرة أسمع هذه الأغنية لأم كلثوم؟ فقال لي: هذه الأغنية من الأغاني النادرة التي كانت تغنّيها في بيتها، وليس في الحفلات الكبيرة، ثم تفتحت قريحته، وراح يقصّ علي بتفصيل عجيب عن كل أغنية، أين غنتها، وفي أي مناسبة، ومن كان حاضراً في تلك الحفلة، فتلك الاغنية غنتها في الأردن بدعوة من الملك حسين، وتلك غنتها في الرباط، وهذه في باريس، وبينما هو يتكلم تشعر أن أحداً يحكّ له ظهراً، يزهو كلما ذكر تفصيلاً غريباً، وأنا أومئ برأسي متعجباً، ثم قاطعته بسؤال: هل تبيع شيئاً من هذه الكاسيتات والتسجيلات؟ فأجاب بنبرة حادة: ولا بمليون ليرة، لو تعرف كل واحد من هذه الأشرطة، كم عمره، وكيف عثرنا عليه!
“هذا كنز”، قالها بفخر وهو يشير إلى أحد الأشرطة، ثم تابع: “في إحدى المرات، وصلنا خبر أن هنالك شريط كاسيت لحفلة أحيتها الست، ولم تسجل إلا على أربعة كاسيتات، واحد منها موجود عند أحد الأشخاص في مدينة حمص، ذهبنا إلى حمص وبقينا نسأل عنه وعن عنوانه أسبوعين، حتى وصلنا له ورجوناه فقط، لكي يسمعنا الشريط الذي عنده. وافق ولكن بشرط ألا نسجّل منه، وتأكدنا عندما سمعناه، أنه أصلي، وهو مسجل مباشرة من صوتها، وغير منسوخ”.
كان يشرب الشاي وهو يتكلم، ويخيط بنطالاً بيديه على الماكينة. لقد أخذنا الحديث وأصبح الوقت متأخراً جداً، فقد شارفت الساعة على الثانية ليلاً، استأذنت بالرحيل وغادرت، ولم أره بعدها.
……………………………………………….
*محام سوري من أبناء دوما

