سبتة: عندما يعبر اليأس البحر
الحضارات لا تسقط فجأة، ولا تنهض بالحنين إليها. إنها تقوم على العلم، والمؤسسات، والحرية، والاقتصاد المنتج، وسيادة القانون. وحين تغيب هذه الشروط، لا يبقى من التاريخ سوى القصائد

د. زياد الغزالي – العربي القديم
ليس أكثر إيلاماً من أن يعيد التاريخ إنتاج صوره، ولكن بأدوار معكوسة. فقبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، عبر رجالٌ البحر نحو الأندلس وهم يحملون مشروعاً حضارياً، أو على الأقل إيماناً بأن المستقبل يمكن أن يُصنع على الضفة الأخرى. واليوم، يعبر آلاف الشبان المغاربة البحر نفسه، لا يحملون مشروعاً ولا حلماً جماعياً، بل يحمل كل واحد منهم حقيبة صغيرة وأملاً فردياً في النجاة.
المكان هو ذاته تقريباً، لكن التاريخ لم يعد هو التاريخ. إن مشاهد عشرات الآلاف من الشباب المغاربة الذين اندفعوا نحو سبتة الإسبانية ليست حادثة مرتبطة بالفقر أو البطالة فقط، ولا أزمة حدود بين المغرب وإسبانيا. إنها لحظة كاشفة لأزمة أعمق. أزمة العلاقة بين الإنسان العربي ووطنه. فعندما يتحول الوطن إلى مكان للمغادرة بدل أن يكون فضاء” لتحقيق الذات، تصبح الهجرة فعلا” سياسيا” وثقافيا” قبل أن تكون ضرورة اقتصادية.
لقد اعتاد الوعي العربي أن ينظر إلى الأندلس بوصفها الجنة المفقودة، وأن يجعل من سقوطها مرثيةً مفتوحة عبر القرون. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف فقدنا الأندلس، بل لماذا أصبحت الأندلس، أو أوروبا عموماً، تمثل في المخيال العربي مستقبلاً أكثر إقناعاً من أوطاننا؟ ربما لأننا أخطأنا قراءة التاريخ. فقد تعاملنا مع الأندلس بوصفها ذكرى عاطفية، بينما تجاهلنا الدرس الذي تركته لنا.
الحضارات لا تسقط فجأة، ولا تنهض بالحنين إليها. إنها تقوم على العلم، والمؤسسات، والحرية، والاقتصاد المنتج، وسيادة القانون. وحين تغيب هذه الشروط، لا يبقى من التاريخ سوى القصائد. إن الشاب المغربي الذي يخاطر بحياته عند حدود سبتة لا يهرب من وطنه لأنه يكره وطنه، بل لأنه لم يعد يرى فيه أفقا” يحقق طموحاته. وهذا ما يجعل الهجرة استفتاء” يوميا” على كفاءة الدولة العربية في إنتاج الأمل. فالأوطان التي تعجز عن الاحتفاظ بشبابها تخسر مستقبلها. ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن أوروبا التي كانت في يوم من الأيام موضوعا” للصراع العسكري، أصبحت اليوم موضوعا” للتطلع الوجودي. لم تعد الحدود تُفتح بالسيوف، بل بالتأشيرات. ولم تعد المعركة على الأرض، بل على الحق في العمل والعيش الكريم.

لم يعبروا فاتحين هذه المرة، ولم يعبروا حاملين رسالة حضارية، بل عبروا لأن الضفة الأخرى بدت أكثر عدلاً من الضفة التي ولدوا عليها. وربما لهذا السبب ينبغي أن نعيد طرح سؤال مختلف عن ذلك الذي ورثناه في كتب التاريخ. هل كانت الأندلس بالنسبة إلينا وطنا” ضائعا” فقط، أم أنها أصبحت رمزاً دائماً للبحث عن مكان آخر، كلما عجزنا عن إصلاح المكان الذي نعيش فيه؟. وربما لم نملك، طوال قرون، شجاعة الاعتراف بأن الحنين إلى الأندلس لم يكن حنينا” إلى الماضي وحده، بل كان أيضاً تعبيراً عن عجزنا عن بناء حاضر يستحق أن نبقى فيه.
لهذا يبدو مشهد سبتة استعارة كبرى عن العالم العربي المعاصر. فحين يصبح البحر طريقاً للخلاص، وتصبح التأشيرة مشروع حياة، ويغدو الرحيل أكثر عقلانية من البقاء، فإن الأزمة لم تعد أزمة اقتصاد أو حدود، بل أزمة حضارة فقدت قدرتها على إقناع أبنائها بأن المستقبل يمكن أن يولد على أرضهم.

