الرأي العام

العلمانية والهوية الوطنية السورية

العلمانية ليست هوية وطنية، بل رؤية سياسية قد تنجح وقد تفشل بحسب الظروف التاريخية والاجتماعية التي تطبق فيها

د. زياد الغزالي – العربي القديم

منذ سقوط نظام الأسد ودخول سوريا مرحلة البحث عن عقد اجتماعي جديد، عاد الجدل حول العلمانية إلى الواجهة بوصفها أحد أكثر المفاهيم إثارة للانقسام في الحياة السياسية السورية. فهناك من يراها الضمانة الوحيدة لمنع عودة الاستبداد الديني والطائفي، وهناك من يعتبرها مشروعاً مستورداً يهدد الخصوصية الثقافية للمجتمع السوري. وبين هذين الموقفين المتعارضين، يضيع سؤال أكثر أهمية هل تمثل العلمانية بحد ذاتها هوية وطنية يمكن أن تكون أساساً لإعادة بناء سوريا، أم أنها مجرد رؤية سياسية قابلة للأخذ والرد؟.

في الأصل، لم تنشأ العلمانية باعتبارها عقيدة قومية أو هوية جامعة، بل كانت نتيجة لتطور تاريخي طويل عاشته المجتمعات الأوروبية بعد قرون من الحروب الدينية والصراع بين الكنيسة والدولة. لقد جاءت كصيغة لتنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية، ولإخراج الصراع الديني من المجال السياسي، وليس لإلغاء الدين أو استبداله بهوية جديدة. كما أن نقل أي تجربة تاريخية من بيئة إلى أخرى من دون مراعاة خصوصيات المجتمع وتاريخه وثقافته يؤدي غالباً إلى نتائج معاكسة. لذلك، فإن السؤال السوري لا ينبغي أن يكون هل نريد دولة علمانية أم دولة دينية؟ بل كيف نبني دولة وطنية قادرة على استيعاب التنوع السوري، وضمان حقوق المواطنين، ومنع احتكار السلطة أياً كان مصدر شرعيتها؟

الهوية الوطنية ليست أيديولوجيا

الهوية الوطنية السورية ليست عقيدة دينية، وليست أيضاً عقيدة علمانية. إنها شعور بالانتماء إلى وطن واحد، ومصالح اقتصادية واجتماعية مشتركة، وتاريخ متداخل، ومستقبل واحد. وعندما تتحول أي فكرة سياسية إلى هوية بديلة عن الوطن، فإنها تتحول من أداة لتنظيم الحياة العامة إلى أداة للصراع والانقسام. فكما أن تحويل الدين إلى مشروع سياسي مغلق يؤدي إلى الاستقطاب، فإن تحويل العلمانية إلى معيار للوطنية أو إلى هوية أيديولوجية فوق المجتمع لا يقل خطورة. إذ تصبح الوطنية مرهونة بالانتماء الفكري، وليس بالمواطنة والانتماء إلى الدولة.

العلمانية السورية بين الفكرة والتوظيف

المفارقة في المشهد السوري اليوم أن بعض الأصوات التي تتبنى العلمانية لا تقدم مشروعاً وطنياً شاملاً، بل تنطلق من رؤى قائمة على الانتماءات الإثنية أو الطائفية أو المناطقية، وتستخدم الخطاب العلماني كوسيلة لإضفاء الشرعية على مشاريع سياسية ذات طبيعة ما دون وطنية. فبدلاً من الحديث عن دولة سورية قوية وموحدة، يجري التركيز على المكونات والهويات الجزئية والمحاصصات. وفي المقابل، تقع بعض التيارات الإسلامية في الخطأ نفسه عندما تحاول تقديم رؤيتها الدينية باعتبارها الهوية الوحيدة للدولة، متجاهلة التنوع الاجتماعي والثقافي الذي يميز سوريا. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة، إضعاف الهوية الوطنية وتحويل الدولة إلى ساحة صراع بين الهويات الفرعية.

دروس من تجارب الدول الاخرى

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن نجاح الدولة لا يرتبط بتبني العلمانية أو رفضها بقدر ارتباطه بوجود عقد اجتماعي مستقر. فرنسا تتبنى نموذجاً علمانياً صارماً، بينما تعتمد بريطانيا نموذجاً مختلفاً تحتفظ فيه الكنيسة بمكانة رمزية داخل الدولة، ومع ذلك تتمتع الدولتان بدرجات عالية من الاستقرار. في المقابل، لا تُعرّف الولايات المتحدة نفسها بوصفها دولة علمانية بالمفهوم الفرنسي، ومع ذلك نجحت في بناء مؤسسات قوية وفصل واضح بين السلطات وضمان الحريات العامة.

أما في الشرق الأوسط، فإن دولاً عدة رفعت شعار العلمانية لعقود طويلة، لكنها لم تنجح في بناء أنظمة ديمقراطية أو مجتمعات متماسكة، لأن المشكلة كانت في الاستبداد ، وتغليب الولاءات الضيقة، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماءات الطائفية والعشائرية والإثنية والحزبية.

الأولوية السورية هي إعادة بناء الدولة

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب والدمار، وخسارة مئات مليارات الدولارات، وتهجير ملايين السوريين، تبدو الأولوية الوطنية مختلفة عن السجالات الأيديولوجية التقليدية. فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية، واستعادة الثقة بين مكوناتها، وإصلاح المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وإعادة المهجرين، وتحقيق العدالة الانتقالية. وهذه المهام لا تتطلب بالضرورة انتصار العلمانية أو هزيمة الإسلام السياسي، بل تتطلب توافقاً وطنياً واسعاً يضع مصلحة الدولة فوق مصالح الجماعات والأيديولوجيات.

إن السوريين يحتاجون اليوم إلى دولة محايدة وعادلة، تحمي حقوق الجميع، وتتعامل مع المواطنين على أساس المواطنة والكفاءة، لا على أساس الانتماءات الطائفية أو الحزبية أو العرقية. وهذه الأهداف يمكن أن تتحقق من خلال صيغ سياسية متعددة، شرط أن تكون منبثقة من إرادة السوريين أنفسهم، لا من استيراد نماذج جاهزة أو فرض تصورات أيديولوجية مسبقة.

في النهاية، العلمانية ليست هوية وطنية، بل رؤية سياسية قد تنجح وقد تفشل بحسب الظروف التاريخية والاجتماعية التي تطبق فيها. أما الهوية الوطنية السورية فهي أوسع من أن تختزل في شعار أيديولوجي، وأعمق من أن تُختصر في صراع بين العلمانيين والإسلاميين. إن الخطر الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم لا يتمثل في وجود أفكار مختلفة، بل في تحويل هذه الأفكار إلى أدوات لتكريس الانقسامات وإضعاف الانتماء الوطني. فالدول لا تبنى بالأيديولوجيات وحدها، بل تبنى بالمواطنة والمؤسسات والعدالة والتنمية والشعور المشترك بالمصير الواحد. وإذا كانت سنوات الصراع  قد أثبتت شيئاً، فهو أن سوريا لا تحتاج إلى هوية بديلة عن هويتها الوطنية، بل تحتاج إلى استعادة هذه الهوية، وجعلها الإطار الجامع الذي يتسع لجميع السوريين، مهما اختلفت معتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم السياسية.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى