عن انتهاك الخصوصية واضطرار العادات الاجتماعية
الخصوصية من القضايا الإشكالية في العالم العربي والإسلامي، حيث تبدو علاقة الإنسان بالآخرين والمجتمع أكثر تشابكاً وتداخلاً بالمقارنة مع المجتمعات الغربية

حمزة رستناوي- رؤى الشيخ علي – العربي القديم
تقول حكاية المثل الشعبي ( اللي اختشوا ماتوا): في استانبول، خلال الفترة العثمانية، نشب حريق كبير في حمام نسائي، وبينما سارعت بعض النساء بالهرب عاريات في الشارع للنجاة بحياتهن، فضّلت نساء أخريات الموت اختناقاً وحرقا داخل الحمام على الخروج إلى الشارع دون ملابسهن خجلاً. عندما عاد صاحب الحمام بعد إخماد الحريق، وسأل العمالَ عن النساء الناجيات، أجابوه: “اللي استحوا ماتوا” إشارة إلى أن من يمتلكون الخجل والحياء توفوا حرقاً، وبقيت فقط من تجرَّدن من حيائهن.
قد تكون قصة المثل حقيقية أومُختلقة جزئيا أو كليا، ولكن المثل نفسه ما زال شائع الاستخدام في الثقافة العربية الاسلامية، وهذا يطرح إشكالية معرفية وسلوكية وأخلاقية.. هل تستحقُّ النساء اللواتي خرجن في الشارع عاريات اضطرارا الإدانة وتوصيفهنّ بقلة الحياء! في السعودية في مكة المكرمة تسبَّب اندلاع حريق في مدرسة للبنات عام 2002 بوفاة 15 طالبة في سياق إعاقة وصول فريق الدفاع المدني ( الذكور) لأسباب ذات صلة بكشف جسد المرأة وسط اتهامات لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آنذاك.
القصتان السابقتان تعيدان طرح مسألة الخصوصية وحدود الاضطرار ارتباطا بالمعتقدات والتقاليد الاجتماعية السائدة في أي مجتمع.
الخصوصية ليست جوهراً ثابتاً معزولاً عن الانسان وشرطه الاجتماعي- الحياتي، بل هي مفهوم إنساني وثيق الصلة بتفاصيل وسياقات حياة الانسان، فهي تتشكل وتتغير مع مرور الزمن.
إن تصوّراتنا _ نحن البشر_ عن الخصوصية لا تنطلق من مبادئ وعقائد مجردة نؤمن بها فقط ، بل هي نتاج خبراتنا اليومية وطرائق عيشنا وعلاقاتنا بالآخرين. الخصوصية ليست جوهراً ثابتاً، وهي ليست جزءاً أصيلاً أو حتى هامشياً من كينونة الانسان، بل هي طريقة لتنظيم الحدود والعلاقات بين ذات الانسان والآخرين.
الكائن عموماهو شكل حركي متغير، وخصوصية الكائن الانساني أيضا هي شكل حركي متغير، فما يراه الطفل خصوصية قد لا يراه الشاب أو المسن، وما تراه الفتاة العازبة خصوصية قد لا تراه الفتاة المتزوجة كذلك، وما كان يراه سكان بلاد الشام خصوصية قبل ثلاثة آلاف عام قد لا يراه السوريون اليوم خصوصية! والخصوصية كذلك ليست مفهوماً مطلقاً نهائياً، بل هي احتمالية تختلف تبعاً للسياقات والظروف و المجتمعات، وما يكون مقبولاً كَشْفُه في موقف معين، يُعتبر انتهاكاً في موقف آخر!
ينبغي التذكير هنا، بأن الاختلافات حول مفهوم وحدود الخصوصية لا يُلغي أهمية تحديد وتوصيف الخصوصية حقوقياً وأخلاقياً، ويبقى المعيار الأساس في ذلك هو احترام كرامة وخيارات الانسان نفسه.
إن الخصوصية من القضايا الإشكالية في العالم العربي والإسلامي، حيث تبدو علاقة الإنسان بالآخرين والمجتمع أكثر تشابكاً وتداخلاً بالمقارنة مع المجتمعات الغربية على سبيل المثال، ففي البيئات العربية يصعب على الإنسان رسم حدود واضحة لحياته الشخصية بعيداً عن تأثير العائلة والأقارب والأصدقاء والطائفة، بينما في المجتمعات الغربية يتعلم الفرد منذ الصغر، احترام المساحة الخاصة بالآخرين والدفاع عن خصوصيته في مناخ من بيئة قانونية اجتماعية مساعدة.
بالمقابل لا ينبغي تفسير ذلك عبر استسهال الأحكام، كالقول إن المشكلة تكمن في بنية العقل العربي أو طبيعة الثقافة الشرقية أو العقيدة الاسلامية، حيث أنّ هذه الطروحات ذات طبيعة جوهرانية غير دقيقة، ولا تراعي الاختلافات ضمن المجتمعات المُتجاورة نفسها. إنّ مساحة الحرية تختلف أيضاً ما بين المدينة والريف، وهذا يتعلق بالبُنى الاجتماعية- الثقافية أكثر من ارتباطه بطبيعةٍ إنسانيةٍ عقليةٍ ثابتة. فالإنسان العربيّ المسلم الذي يسكن في خيمةٍ في بلاد الشام، ويعيش متكافلاً مع أفراد عشيرته، سوف يختلف فهمه للخصوصية عن العربيّ المسلم الذي يعيش في ناطحات سحابٍ في مدينة دبي!
العرب والمسلمون الذين يعيشون في المجتمعات الغربية يكتسب معظمهم ثقافة احترام الخصوصية ويمارسونها عموماً في حياتهم اليومية. فعلى سبيل المثال، قلّما نجد مُغترباً يسأل زملاءه أو جيرانه عن أعمارهم أو عن دخلهم السنوي أو عن أمراضهم، أو يبدي رأيه في لباسهم أو مأكلهم لأنه يدرك أن في هذه الأسئلة اقتحاماً مرفوضاً اجتماعياً لحياتهم الشخصية.
يمكن تفسير ضعف احترام الخصوصية في المجتمعات العربية الإسلامية بالطبيعة المحافظة للمجتمع، حيث يتم فرض أنماط معينة صارمة من السلوك ويُنْظَر للمخالفين لها باستهجان. بالإضافة إلى عاملٍ آخرَ يتعلق بالطبيعة العائلية والبنية الهرمية للأسرة، والتي تمنح بعض أفراد الأسرة حقّ التدخل في خصوصيات الأفراد الآخرين، وذلك بحكم العمر أو الجنس أو النفوذ الاجتماعي والاقتصادي. كما يمكن الإشارة إلى دور العامل السياسي المرتبط بالنظم الحاكمة، والتي تساير وتستثمر في الأعراف الاجتماعية السائدة ما دامت لا تهدد سلطتها.
عادةً ما يتمّ استخدام الكثير من النصوص الدينية والأقوال المأثورة التي تدعم تجاوز حدود الخصوصية، في مقابل إهمال استخدام نصوص أخرى تؤكد على مسائل الخصوصية وترك الانسان ما لا يعنيه
ومنها: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) الاسراء.
من راقب الناس مات همّاً، من تدخل فيما لا يعنيه نال ما لا يرضيه، دعْ الخَلق للخالق ..الخ. وبالتالي ضمن العقيدة الدينية نفسها يمكن التمييز بين فهوم مُتعددة ومُختلفة تدعم احترام أو انتهاك الخصوصية.
إنّ الخصوصية ليست مطلقة، حيث تسمح القوانين عالمياً، بتدخل الحكومات والاطلاع على بيانات الأفراد الشخصية والدخول إلى مساكنهم وتفتيشها في الحالات الجنائية والأمنية التي تستدعي ذلك. وهذا التدخل لا يُعدّ انتهاكاً للخصوصية لأنه يحصل بحكم الاضطرار لحماية المجتمع. كما يسمح القانون أيضاً بالتدخل في الحالات الطبية والمعالجة التي تتطلب التعامل مع الخصوصية الجسدية للمرضى وفق القواعد الناظمة لهذه الحالات.
إنّ تكريس ثقافة الخصوصية الفردية في مجتمعاتنا، يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى تتضمن عدة أبعاد، كالبعد الاجتماعي من خلال رفع مستوى الوعي بأهمية هذا الحقّ الإنساني. والبعد القانوني من خلال قوانين واضحة تحمي الحياة الخاصة للأفراد وتتضمن عقوبات رادعة لكل من ينتهك هذه الخصوصية.
أخيراً، تزداد أهمية ترسيخ ثقافة الخصوصية في المجتمعات العربية في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، والتوسع الهائل في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. إنّ حماية الخصوصية لا تقتصر على كونها حقّاً قانونياً، بل تمثل ضرورةً اجتماعية تسهم في بناء الثقة بين أفراد المجتمع نفسه، وتسهم في تعزيز الصحة النفسية للأفراد وتخفيف الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالتبرير المُستمر للسلوكيات والخيارات الشخصية للانسان.
…………………………………………………………..
- من أعمال المدرسة النقدية الحيوية

