فوبيا “اللادولة” وفرضية الاستبداد بعد المرحلة الانتقالية السورية
هذا الشعب لن يتحرك لإسقاط السلطة الجديدة لصالح معارضة مشتتة لا تملك مشروعاً عملياً، لكنه أيضاً لن يخرج لحماية هذه السلطة إذا تحولت إلى نسخة كربونية من النظام القديم

نوار الماغوط – العربي القديم
تأتي مقالة الروائي السوري فواز حداد، “السيناريو الأسوأ”، التي نشرها مؤخراً في موقع (العربي الجديد)، لتضع الإصبع على واحدة من أعقد الهواجس التي تؤرق المجتمعات الخارجة من أتون الحروب الكبرى والانهيارات التاريخية: هاجس الفوضى وفقدان الثقة في إمكانية قيام الدولة [السيناريو الأسوأ]. يضعنا حداد أمام مقاربة سيكولوجية شديدة الحساسية والواقعية؛ فالخوف من غياب الأمن غالباً ما يهزم التطلع إلى الحرية، والمواطن المنهك يصبح مستعداً للقبول بأي بديل، ولو كان نظاماً استبدادياً يعيد إنتاج الماضي، نكايةً في فوضى “اللادولة”
ومع ذلك، فإن إسقاط هذا التشخيص على الحالة السورية الانتقالية الراهنة يستدعي تفكيكاً فكرياً وموضوعياً موسعاً؛ كي لا يتحول القلق الوطني المشروع إلى مسوغ سياسي يمنح “شيكاً على بياض” لسلطة ناشئة، قد تعيد إنتاج الديكتاتورية تحت مسمى حماية “مركز الدولة”. ولكي نفهم أبعاد هذا المشهد، لا بد من التوسع في أربع قضايا بنيوية تشكل ملامح سوريا الجديدة.
أولاً: سيكولوجيا الشعوب في المراحل الانتقالية (الخوف مقابل الحرية)
أصاب الكاتب فواز حداد في التقاط القيمة السيكولوجية للمواطن في المنعطفات التاريخية؛ فالمجتمعات لا تعيش على الشعارات الراديكالية إلى الأبد . بعد سنوات من الموت والنزوح والانهيار الاقتصادي، يحدث تحول في “هرم الاحتياجات الإنسانية”، حيث تتقدم الحاجة إلى الأمان البيولوجي والمعيشي على الحاجة إلى التعبير والحرية السياسية.
هذه السيكولوجيا تفسر لماذا تنجح الثورات المضادة أحياناً؛ فالبعض من الناس لا يدافعون عن نظام قمعي حباً فيه، بل خوفاً من الفراغ الذي يليه. لكن خطورة هذا الطرح تكمن في استغلاله من السلطة؛ فإذا ساد منطق “أنا أو الفوضى”، تُشرعن الأجهزة الأمنية قمعها، ويصبح نقد الحكومة تهمة بالخيانة، وتتحول المرحلة الانتقالية من جسر نحو الديمقراطية إلى ممر آمن لاستبداد جديد يتغطى برداء “حفظ السلم الأهلي”.
ثانياً: جدلية السلطة والمعارضة
يقسم الكاتب حداد المعارضة إلى نوعين: معارضة تصحيحية تسعى إلى بناء المؤسسات، ومعارضة “قصيرة النظر” تعمل على إنهاك السلطة طمعاً في ملء فراغ سياسي محتمل. وهنا تبرز نقطة الخلاف مع الكاتب؛ إذ يضع عبء الاستقرار كاملاً على سلوك السلطة والمعارضة فقط، مبرئاً ضمناً النخب الفكرية والكيانات السياسية غير الوطنية التي تقود الرأي العام وتستنزف مفاصل الدولة، لا سيما تلك الشخصيات الثقافية الممولة من جهات خارجية. فهذه النخب تمتلك سلاحاً أقوى من الدبابات والأجهزة الأمنية، وهو سلطة “الكلمة” وتأثير “المنبر” القادر على إسقاط الدول لا على بنائها؛ إذ إن بناء الأوطان يتطلب إثبات الجدارة وحماية استقرار المجتمع، وذلك عبر تحويل النقد البنّاء إلى بوصلة حقيقية لإصلاح المسار الإداري والاقتصادي المتردي.
ثالثاً: خصوصية الحالة السورية
يستحضر المقال النماذج الكارثية للمراحل الانتقالية: النموذج الليبي (بعد 2011) حيث غاب المركز وتفردت الميليشيات، والنموذج العراقي (بعد 2003) حيث حُلّت المؤسسات وسادت الطائفية، والنموذج الصومالي (منذ 1991) حيث تلاشت الدولة تماماً. لكن الاستقراء الموضوعي يوضح فروقاً جوهرية تحمي سوريا من هذا السيناريو
رابعاً: دور الشعب (الأغلبية الصامتة)
يظهر المجتمع في المقال ككتلة منفعلة تخاف وتستجيب، بينما الحقيقة أن الشعب السوري اليوم هو “الأغلبية الصامتة” التي تمارس نوعاً من “الضغط السلبي”. الشعب لم يعد يشتري الوعود الأيديولوجية؛ هو يراقب ويحكم بناءً على معايير واضحة: هل تتوفر الكهرباء؟ هل استقرت العملة؟ هل هناك قضاء عادل؟
هذا الشعب لن يتحرك لإسقاط السلطة الجديدة لصالح معارضة مشتتة لا تملك مشروعاً عملياً، لكنه أيضاً لن يخرج لحماية هذه السلطة إذا تحولت إلى نسخة كربونية من النظام القديم. الشعب هو خزان الشرعية، وحصانة الدولة لا تتحقق عبر الأجهزة الأمنية، بل عبر كسب ثقة هذا الشارع المنهك من خلال تحسين شروط حياته اليومية.
خامساً: تدويل المرحلة الانتقالية
الجزء الأكثر حيوية في مشهد اليوم هو التدخل الخارجي. حذر حداد من “أجندات موجودة في الأدراج” جاهزة لتفتيت سوريا إلى إمارات ومقاطعات نفوذ. هذا التخوف مشروع، لكن المعادلة الدولية تغيرت جزئياً؛ وتحديداً بعد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس، والذي أكد فيه أن الرئيس أحمد الشرع أثبت قدرته الفعالة على قيادة سوريا وتأمين استقرارها.
هذا التصريح يحمل أبعاداً استراتيجية هامة. لقد تجاوزت سوريا خطر انهيار المركز الذي دمّر دولاً أخرى، وامتلكت اليوم اعترافاً دولياً وحاضنة شعبية تتوق للاستقرار؛ لذا فإن الخيار الوحيد المستدام أمام الرئيس أحمد الشرع وسلطته هو تحويل هذا الزخم إلى مشروع وطني جامع، ويحتوي المجتمع، ويثبت القضاء المستقل. الدولة القوية والناجحة هي التي تحمي شعبها وتستوعب النقد كأداة للتصحيح، لأن الديكتاتورية الناشئة باسم “حفظ الأمن” هي، في نهاية المطاف، أقصر طريق للانهيار والفوضى.