فنون وآداب

 لماذا أتذكر غسان جباعي: الإيمان بانتصار الثورة في ذروة بطش الأسد

سيرة فنان آمن بحتمية انتصار هذه الثورة وقال لي بالحرف: "ثورات الشعوب لا تُهزم.. الثورة التي تستمر وحيدة وتقدم مئات الآلاف من الضحايا لا يمكن أن تهزم".

عادل العوفي * – العربي القديم

 “أحلم، بمناسبة يوم المسرح العالمي، بعرض محلي كرنفالي في ساحة الأمويين، يحضره جميع الشهداء والجرحى والمفقودين والمهجرين”.

كلما تابعت حوارا صحفيا لأحد الفنانين السوريين العائدين لوطنهم بعد سقوط الطاغية، تحضرني تلك الكلمات التي ذكرها ذات يوم المبدع الراحل غسان جباعي في لقاء صحفي جمعني به في ذروة استباحة الدم السوري وتحديدا في يوم الثالث عشر من شهر يوليو سنة 2013؛ حينها وافق على إجراء الحوار غير مكترث للعواقب، عكس العديد من زملائه الذين يضعون عشرات الشروط ويبحثون عن المبررات والأعذار في سياق زمني صعب ومعقد فهناك من يخشى على مصالحه وأيضا من يبحث عن التموضع المناسب في انتظار انقشاع الضبابية عن المشهد وبالتالي ترتيب أموره.

 لكنه هو حسم موقفه مبكرا دون حسابات ولا شروط، واختزل خطوته حين كتب لي بالحرف الواحد: “أنا أكتب الآن وأنا تحت قصف الصواريخ.. ترتج الأرض تحتي وفوقي، لكنني رغم الدمار والمجازر والجوع والتشريد أثق بحتمية انتصار هذه الثورة.. ثورات الشعوب لا تُهزم.. الثورة التي تستمر وحيدة أكثر من سنتين ونصف وتقدم مئات الآلاف من الضحايا لا يمكن أن تهزم”.

مرت السنوات ورغم قربي الشديد من الثورة السورية وأحداثها، وتغطية العديد من المحطات ومحاورة أسماء كثيرة البعض منها اتسم بالحصرية في ظرف حساس، إلا ان حواري مع صاحب (قهوة الجنرال) والمقابلة الحصرية  أيضا مع الراحلة فدوى سليمان بعد خروجها المحفوف بالمخاطر من سوريا، ظلا ملازمان لمخيلتي بعد انعتاق البلد من براثن الاستبداد ومعانقة الحرية؛ تمنيت لو كانا على قيد الحياة في الثامن من ديسمبر 2024 ليتحدثا ويوثقا معاناتهما المريرة مع الظلم والاستهداف الرخيص، وكيف كانا مخلصين للثورة وقيمها ودفعا الثمن باهظاً ومن حقهما اليوم أن يتجولا في شوارع الشام العتيقة وتتهافت المنابر الاعلامية عليهما بعد أن أشاحت بكل ادواتها عنهما في المراحل السابقة.

في سوريا الجديدة نعاين اليوم كيف تسلم العديد من الممثلين على سبيل المثال زمام مؤسسات فنية وثقافية  على غرار جهاد عبدو ونوار بلبل ومازن الناطور وآخرين… وهذا حق أصيل لهم؛ كما وشاهدنا العودة المتوهجة للشاشة لأسماء مغيبة منذ سنوات طويلة لكنها عادت اليوم من الباب الكبير ابرزهم فارس الحلو و يارا صبري ومكسيم خليل، وكل هؤلاء حصلوا على فرصة الحديث وتوثيق مسارهم خلال الثورة، لكن من المؤلم تجاهل تجارب أخرى قدمت الغالي والنفيس وظلت وفية لصوت وصرخة الشعب السوري بل  وقاسمته الالام و الآهات وزنازين التعذيب واقبية العار التي كانت الشعار العريض لنظام الأسد المجرم؛ فهل “مبرر” الموت والرحيل يكفي لتجاوز تضحياتهم الجسيمة؟ وهل إصرارهم على العمل في صمت بعيدا عن الأضواء هو سبب وجيه، لعدم إعطاءهم حقهم في التكريم والتوثيق ولو بعد مغادرة هذه الدنيا؟

شخصيا لطالما كتبت أنني أعتبر نفسي سوري الهوى وأمضيت سنوات لا بأس بها من عمري في توثيق وتسجيل ملاحم الشعب السوري المغوار؛ ومن هذا المنطلق يحق لي استحضار نموذج الكاتب والمخرج غسان جباعي واخرون ساروا على نهجه من الصادقين اللاهثين وراء الحق والحقيقة، غير آبهين للأضواء والبهرجة لإعادة التذكير بما سطروه في صمت، صامدين في وجه مغريات المرحلة الزائفة ولو كانت الأثمان قاسية ومكلفة.

إرادة لا تلين ومصير مشترك

حين نال كاتب مسلسل (رمح النار) شهادة الماجستير في الإخراج المسرحي من معهد “معهد كاربينيكا كاري” بالعاصمة الاوكرانية كييف سنة 1981 لم يتم استقباله بالورود، أو بفتح أبواب المسارح المحلية في وجهه لاختبار قدراته وملكاته، بل لم يتوانى النظام البائد في اعتقاله مباشرة والزج به في سجن تدمر الوحشي قبل أن ينقل الى “صيدنايا ” ذو السمعة السيئة بتهمة الانتماء لإحدى الاحزاب المعارضة، لكن غسان رغم بشاعة تلك البقع لم يستسلم ولم يركن للخنوع بل قاوم وتحدى كل الظروف القاسية. وعن تلك المرحلة أخبرني:  “تجربة الاعتقال لا يمكن أن تُنسى.. إنها وشم تحمله الروح التواقة للحرية وتتباهى به حتى النهاية، خاصة إذا كانت فترة الاعتقال طويلة جدا وقاسية، بلا ذنب يعاقب عليه القانون ودون محاكمة.. ثم إن السجين في بلدي يبقى سجينا حتى بعد خروجه من المعتقل، فلا يحق له السفر ولا يحق له العمل أو حتى العيش باستقرار وكرامة إنسانية.. فكيف يمكن أن ينسى!! كيف ينسى الإهانة والذل وهدر الكرامة الإنسانية!! كيف ينسى الشتيمة الأولى والصفعة الأولى على الوجه وعضَة قيد الحديد الأولى على المعصمين والساقين واللقاء الأول مع الموت وجها لوجه تحت التعذيب! لكن السجن لا يولد لديك الألم والعذاب والقهر فقط، بل يولد أيضا التحدي والأمل والحضور المتألق للطاقة البشرية الكامنة لديك.. لقد حولنا السجن مع الأيام إلى مركز ثقافي ومشغل للفنون اليدوية والنحت.

قرأنا آلاف الكتب وكتبنا آلاف القصائد والقصص والروايات وصنعنا أيقونات ما زلنا نحتفظ بها حتى الآن، من نفايات قطع الخشب وبذور الزيتون واللوز والدرّاق والحجارة والعظام”.

والمفارقة المرة في حياة هذا المسرحي المخلص، أنه يتقاسم مع ابنه الذي ورث عنه عشق أبي الفنون، قاسما مشتركا آخر يكمن في تشابه سن الاعتقال لدى كليهما حيث يتحدث عن تلك النقطة: “بالنسبة لابني عمر فهم يتوارثون سلطة الاستبداد ونحن نتوارث السجون والمنافي.. والطريف في الأمر أن يعيد التاريخ نفسه بهذه القسوة، فقد اعتقل ابني الشاب بنفس السن الذي اعتقلت فيه، كان عمري 32 عاما، وكان ابني يؤدي الخدمة الإلزامية مثلي، وهو الآن في نفس الفرع الذي قضيت في أقبيته سنة كاملة تحت الأرض. الفرق الفاصل بيننا أن جيلنا سجن في زمن الخوف والخنوع، حيث لم يكن أحد يجرؤ على المطالبة بنا أو التلفظ بأسمائنا، وحتى الجيران كانوا يشيحون بوجوههم كي لا يلقوا التحية على أهلنا، بينما يسجن عمر اليوم في زمن الثورة الشعبية الوطنية العارمة، ثورة الحرية والكرامة”.

الثبات العجيب

من النقاط الملفتة في حديثي مع كاتب مسلسل (عمر الخيام) والتي أحمل حرصا بالغا على ضرورة ايصالها واحياءها في الوقت الراهن لأنها تحمل ابعادا فريدة من نوعها عن الثبات العجيب والايمان القوي للرجل بحتمية انتصار الثورة السورية وقهر الجلادين وزوال الاستبداد رغم أننا نتحدث في فترة زمنية معقدة للغاية ويعيش خلالها الشعب السوري أقسى أنواع التنكيل والتعذيب والقتل؛ وكما انتشرت لاحقا بعد النصر ما عرف إعلاميا وشعبيا بظاهرة “التكويع”؛ فمن حقنا أيضا إعادة سرد سير أصحاب المواقف البطولية في الأيام الحالكة السواد، وعن الندم والطريق الوعر  الذي اختره يرد بحزم “لست نادما على شيء.. لقد قلت كلمة حق في وجه سلطان جائر, وهذا ما أعتز به.. ربما أشعر بالخجل لأنني ما زلت حيا حتى الآن.. أخجل من هذه الأفعال المشينة التي يمارسها النظام ضد شعبه.. أخجل عندما تدك دمشق بالصواريخ من جبل قاسيون.. أخجل كلما سقط فتى أو فتاة بعمر الورد بينما أجلس أنا خلف طاولتي، أخجل من دمائهم وشجاعتهم وتوقهم للحرية والكرامة التي فرطنا بها وهدرناها عقودا.. أخجل أن أتنفس الهواء الذي كانوا يتنفسون وأن أتواجد في المكان الذي قتلوا فيه.. أخجل كلما رأيت مواطنا سوريا يجلد على أيدي جبهة النصرة وغيرها من الظلاميين الغرباء الذين سرقوا دماءنا وتضحياتنا، ويريدون لنا أن نستبدل الطغيان السياسي بطغيان ديني لا وطني.. كما أخجل بالنيابة عن هذا العالم المتحضر المدافع عن حقوق الإنسان والذي أصبح فجأة بلا ضمير ولا إنسانية”.

الفنان والنظام

أقر وأعترف أنه لم يدر في خلدي وانا اطرح هذا السؤال أن أعود اليه بعد مرور عقد من الزمن، لنقف على حقيقة جديدة بعد انهيار النظام و”هرولة” الفنانين للنبش في ما يشفع لهم عن “بطولات وهمية” لعل وعسى تجعل المواطن العادي ينسى او يتغافل عن ماضيهم المتشح بالسواد والعار؛ وعن هذه النقطة قال غسان جباعي “الفنانون الذين انحازوا للنظام هم من صنع هذا النظام.. الفنان الحر كان حرا قبل الثورة وعندما قامت انتمى إليها؛ أما أشباه المبدعين المقعدين الذين يحتاجون إلى عكازات النظام والذين صنعهم الإعلام والامتيازات والعلاقات العامة، فمن الطبيعي أن ينتموا لسيدهم لأن مكتسباتهم تزولون بزواله.. وللحق، عدد الفنانين الأحرار ليس قليلا، لكنهم غير معروفين كونهم كانوا بالأصل مطاردين ومحرومين من المشاركة ومهمشين لسنوات طويلة.. وعلى أية حال فالثورة كما أعرف يجب أن تجرف في طريقها ليس النظام السياسي وحسب بل كل مرتكزات الاستبداد الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، مهما طال الزمن”.

المؤكد أن سيرة هذا المبدع الشجاع جديرة بالطرح إعلاميا وحتى رسميا بالشكل الذي يليق بحجم التضحيات التي بذلها طوال حياته التي كرسها للثورة ضد الفساد والظلم في شتى المراحل والمؤسسات التي عمل بها. وهنا لا يمكن إغفال عدد مرات الايقاف المتكررة  له في عمله كأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية بأوامر رسمية وعليا بسبب آرائه ومواقفه.

نحن أمام رجل رفض المهادنة والخنوع، وأشهر موقف العصيان في ذروة تفشي الطغيان وبطشه. لم يغادر بلده وظل ثابتا وكأنه يرى ببصيرة متقدة أن الخلاص قادم لا محالة، رغم أن القدر لم يمهله كي يعيش تلك اللحظة الخالدة التي طالما تمناها وانتظرها ولأجلها كتب ما بدأنا به، من أجله ومن أجل كل المخلصين الأوفياء لمبادئهم وقيمهم في زمن التافهين الذي تحدثه عنه محمد الماغوط في إحدى قصائده اللاذعة.

………………………………………………………..

*كاتب وصحفي من المغرب

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى