التاريخ السوري

هيستريا الصور والتماثيل: صورة حافظ الأسد من التسويق والتمجيد إلى التأليه!

في ثمانينات القرن العشرين قام مدير عام مؤسسة (تشرين) عميد خولي ولأول مرة في تاريخ الصحافة السورية بنشر صورة حافظ الأسد على كامل الصفحة الأولى وكان يكررها مع كل خبر له، فحوٌل الصفحة الأولى إلى صحيفة حائط!

صبري عيسى – العربي القديم

كنت أتابع ما يجري في سورية منذ اغتصاب حافظ الأسد للسلطة، والانقلاب على رفاقه واعتقالهم لسنوات طويلة حتى وفاتهم.  كانت مسألة الاصطفاف الرفاقي كذبة اعتمدها الحزب لخداع الجماهير، فمن يبيع وطنه للعدو الإسرائيلي لا وفاء له، سواء كان هذا الوفاء لوطنه أو لرفاقه في الحزب، الذي رفع شعاراته المؤسس ميشيل عفلق لكن حياته في سورية انتهت بطرده من الحزب والحكم عليه بالإعدام الذي لم ينفذ بسبب خروجه من البلاد، ومن ثم طرده ودفنه خارج وطنه.

اعتمد خطاب الأسد بعد اغتصابه للسلطة على محورين:

المحور الأول تشويه سمعة من انقلب عليهم في قيادة الحزب واتهمهم بالمناورة والفشل في إدارة البلاد واعتماد سياسة الانغلاق في البلاد، وأقول انه فشل في اثبات أي فساد شاركوا به، لكنهم لم يحصلوا على ثقة الشعب السوري منذ انقلابهم في 8 آذار 1963 بسبب تفردهم بالسلطة ومصادرة الحياة السياسية للبلد وإيقاف الصحف الحرة ومصادرة مطابعها وفرض الحضر على عشرات السياسيين والصحفيين!

المحور الثاني الذي عمل عليه حافظ الأسد هو تسويق نفسه على أنه المنقذ والمخلص للبلاد، وفي هذا السياق قام بجولات ميدانية في معظم المدن السورية عدا مدينة دير الزور، وكرست كل وسائل الاعلام صور الحشود التي استقبلته وسط زخم جماهيري قامت بحشده وإبرازه أجهزة حافظ الأسد الإعلامية، مستغلا غضب السوريين من فشل القيادة البعثية في إدارة البلاد الذي كان احد أركانها وقياديها، ونحن نعلم أن سبب انقلاب الأسد على رفاقه هو اتهامهم له بخيانة وطنه وبيعه للجولان، ناهيك عن دوره في أحداث أيلول الأسود عام 1970، وإجماع رفاقه في قيادة الحزب على طرده  من الحزب ومن السلطة، لذا قام بالانقلاب عليهم واعتقالهم حتى وفاتهم في سجونه !

تنافست الصحف الثلاث في إبراز صورة حافظ الأسد على صفحاتها الأولى بمناسبة وبلا مناسبة (العربي القديم)

من أجل توفير الدعم له، تحالف الأسد المنقلب على رفاقه مع التجار مقابل تامين مصالحهم، وعمل على تلميع صورته لدى السوريين من خلال هذا التحالف، وقام بإلزام  كل وزارات الدولة بتعليق صوره في كل غرف ومباني إدارات الدولة، فلم تخلُ مكاتب الاستعلامات ومداخل أي مؤسسة حكومية من صوره الكبيرة على جدرانها!

قام بدعوة مصور فرنسي معروف لتصويره بشكل يقربه من عيون السوريين، ووزع صوره على المؤسسات الإعلامية لاعتمادها في تكريس صوره، وقامت الصحف الرسمية بنشر صوره على نحو متكرر، وأذكر في ثمانينات القرن العشرين قام مدير عام مؤسسة (تشرين) المرحوم عميد خولي ولأول مرة في تاريخ الصحافة السورية بنشر صورة حافظ الأسد على كامل الصفحة الأولى وكان يكررها مع كل خبر له علاقة بالأسد، فحوٌل الصفحة الأولى إلى صحيفة حائط، وفي احتفاليات النظام وأعياده على مدار العام أصبح يطبع صور الأسد على ورق “كلاسيه” الغالي الثمن، ويوزعها منفصلة عن العدد اليومي، وحتي لا يتم اتهام إدارات جريدتي (الثورة) و(البعث) بالتقصير في محبة  الأسد قامت الصحيفتان بنشر مقنن لصور الأسد  !

خلال عقود من حكمه، لم تخل شوارع وساحات المدن من تعليق صور حافظ الأسد بأحجام كبيرة طمعا في الحصول على الرضا السامي، وكل سكان دمشق يتذكرون أكبر صورة للأسد علقتها محافظة دمشق على واجهة مدخلها في بوابة الصالحية بحجم كبير على كامل واجهة المبنى،  بشكل هيمن بصريا على الساحة كلها وطبعها بطابعه الاستبدادي!

مفارقة لا يقبلها العقل قيام أصحاب صالات العزاء بتعليق صورة كبيرة للأسد على صدر القاعة، مع وجود صورة المتوفي بحجم صغير للترحم عليه، وكان المعزون يتمنون استبدال مواقع الصورتين دون الترحم على الأسد!

وزارة التربية كانت سباقة في إطلاق اسم الأسد على مدارسها وتسويق صور الأسد في كل المباني المدرسية وفي كل الصفوف والقاعات المدرسية، وعلى أغلفة الكتب والدفاتر المدرسية، وحتى على أوراق الامتحانات!

ملأت تماثيل حافظ الأسد الرديئة التصميم ساحات مدن وبلدات سوريا باعتبارها مصدر رزق لأدعياء الفن (العربي القديم)

أصبح في كل مدينة وساحة عامة في سورية تمثال أو أكثر للأسد بأحجام متفاوتة، وكلنا نتذكر تمثال المقبور الكبير في ساحة عرنوس بدمشق حيث كان الجميع يتجنب المرور بجواره خوفا من شبيح يتهمهم بعدم الاعجاب بالتمثال، أو انه نظر إليه بطريقة غير ودية وعدوانية، وللتذكير فإن كثرة تماثيل الأسد وانتشارها، وفّر فرص عملٍ لكل أدعياء الفن، من أساتذة كلية الفنون الذين تم اعتمادهم لتصميم تماثيل حافظ الأسد التي لم تشبهه، وطبعا تحملت الموازنة العامة للدولة والمحافظات السورية، تكاليف انجاز هذه التماثيل وطباعة صور الأسد ورفعها في المناسبات  الاحتفالية للنظام  !

العملة السورية حملت صور الأسد ولاحقا صور وريثه المعتوه حتى خلصنا منها – مشكورا – النظام الذي أسقط الأسد!

في حمى جنونية قام شبيحة نظام الأسدين بتسمية شوارع وساحات كل المدن السورية باسم الأسد ووريثه والمقبور الآخر باسل، الذي تم إطلاق اسمه على كل المشافي والمستوصفات على كامل الأراضي السورية وعلى معهد اللاييك وساحة المرجة التاريخية بدمشق، وقام الاتحاد الرياضى بإطلاق اسم حافظ الأسد وأولاده على كل الملاعب والدورات الرياضية في كل أنحاء سورية!

اعتمد النظام الاسدي على الإعلام في تسويقه لحافظ الأسد وتمجيده ثم تأليهه، وخاصة القنوات الرسمية، واكتشفنا مواهب وفلتات لمواهب غبية وشعراء قاموا بتلحين أناشيد وأغانٍ سخيفة تمجد الأسد. ولم تخل الدراما السورية كذلك، من صور الأسد في معظم المشاهد سواء في إدارات الدولة او في الشوارع والساحات، وأقول اليوم شكرا لمن خلصنا من تماثيل الأسد وصوره وصور أولاده، وأتمنى عودة الحياة الحرة والآمنة لكل سورية التي تسكن قلوب كل السوريين.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى