قضية أكرم خزام نموذجاً: هل يملك الإعلامي ترف تجاوز حدود الأخلاق؟
السؤال الفلسفي والمهني الحاسم: أين يقف دور الإعلامي في التواصل مع شخصيات أساءت لشعوبها وافترت على دماء شهدائها وسوغت قتل المدنيين الأبرياء؟

نوار الماغوط – العربي القديم
أعادت واقعة استقبال الإعلامي السوري أكرم خزام، مراسل قناة الجزيرة الأسبق في موسكو، للدبلوماسي والمسؤول في النظام السوري بشار الجعفري، ودعوته لحفل عيد ميلاده، فتح جراح لم تندمل بعد في الوجدان السوري والعربي. هذا اللقاء الذي تجاوز في تداعياته حدود الصالونات الاجتماعية الخاصة، تحول سريعاً إلى قضية رأي عام، ومادة دسمة للسجال على منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات الفكرية والسياسية، نظراً لما يحمله من أبعاد تمس صميم العمل الإعلامي ومسؤوليته الأخلاقية في أزمنة الصراعات الوجودية.
يأتي هذا الجدل ليفكك مسألة في غاية التعقيد: أين ينتهي دور الإعلامي وحريته الشخصية، وأين تبدأ مسؤوليته تجاه مجتمع تجرّع ويلات الحرب والتهجير؟ ولماذا أثار هذا الموقف تحديداً كل هذه الصدمة؟
انقسمت القراءات المحيطة بالحدث إلى تيارين رئيسيين، يعكس كل منهما زاوية نظر مختلفة لطبيعة النزاع السوري: بالنسبة للشارع السوري الذي يؤمن بالثورة يمثل بشار الجعفري خصم سياسي كان الواجهة الدبلوماسية والأداة الدعائية (البروباغندا) الأبرز التي تولت لسنوات طويلة في المحافل الدولية إنكار مآسي المدنيين، وتبرير الحصار، وقصف المدن، والتعمية على ملف المعتقلين. من هنا، يُنظر إلى أي تقارب اجتماعي أو احتفالي معه كنوع من “التطبيع الأخلاقي” الذي يساهم في تبييض صفحة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وتحويل بحور الدماء والدموع إلى “وجهات نظر” قابلة للتجاوز في مناسبة شخصية.
في المقابل، استند أكرم خزام والذين اعتبروا ذلك اختلافاً في الرأي إلى إرث ممتد من العلاقات العامة والدبلوماسية التي تراكمت إبان عمله كمدير لمكتب الجزيرة في موسكو، حيث كان الجعفري جزءاً من السلك الدبلوماسي الذي يتعامل معه الصحفي بحكم وظيفته. يرى خزام في هذا التواصل رأسمالاً مهنياً لا ينبغي أن ينقطع كلياً بسبب المواقف السياسية، متبنياً فكرة أن الصحفي يجب ألا يقطع أي خطوط مع أي طرف، وأن “الحياة الشخصية” والدعوات الاجتماعية يجب أن تظل بمنأى عن المحاكمات الأيديولوجية والسياسية من قِبل الجمهور.
تكمن برأيي العقدة الجوهرية في هذا السجال في “الفجوة البنيوية” بين التوقعات والواقع. لقد صُدم الشارع السوري بموقف خزام لأن الناس، في الأصل، أسبغوا عليه وزناً فكرياً وسياسياً يفوق طبيعة دوره المهني الحقيقي.
إن العصر الذهبي للفضائيات العربية صنع ما يمكن تسميته بـ”نجومية المراسل الميداني”، وهي نجومية تقوم على الكاريزما البصرية والصوتية والقدرة على إدارة “الشو التلفزيوني” ونقل الأحداث من مناطق السخونة كالعاصمة الروسية. لكن الصحافة تفرض علينا التمييز بوضوح بين الموظف الإعلامي الناجح وبين المثقف أو المفكر.
أكرم خزام هو مراسل ومذيع تلفزيون سابق، ولم يكن يوماً باحثاً أكاديمياً، ولا فيلسوفاً سياسياً، ولم يطرح مشروعاً فكرياً تلتزم به الجماهير.
الخطيئة الفكرية للجمهور تمثلت في “إسقاط أحلامهم وأدبياتهم الثورية” على وجه تلفزيوني مألوف، والتعامل معه كأيقونة أخلاقية، في حين أنه يتصرف بعقلية “التكنوقراط الإعلامي” المتقاعد الذي يتحرك برغباته الشخصية وشبكة علاقاته القديمة، دون التزام بمحددات الثورة أو أدبيات المعارضة.
النجومية والشهرة الواسعة لا تعني بالضرورة نضجاً سياسياً أو التزاماً عقائدياً بمآسي الشعوب، بل هي في كثير من الأحيان تغري صاحبها بالاعتقاد أن مساحته الشخصية محصنة ضد النقد وعابرة للمبادئ.
هنا يبرز السؤال الفلسفي والمهني الحاسم: أين يقف دور الإعلامي في التواصل مع شخصيات أساءت لشعوبها وافترت على دماء شهدائها وسوغت قتل المدنيين الأبرياء؟
تمنح الصحافة المهنية الدولية الإعلامي “الحصانة” للتحدث مع أعتى الديكتاتوريين والمسؤولين المتورطين في الانتهاكات، ولكن بشرط واحد: أن يكون اللقاء في إطار استجواب صحفي صارم (Hardtalk) يحاسب المسؤول أمام الرأي العام، ويفكك روايته، ويكشف الحقائق تلبية لحق الشعوب في المعرفة، وفي هذه الحالة، يكون السعي وراءهم واجباً مهنياً.
أما انتقال هذا التواصل إلى الفضاء الاجتماعي (أعياد ميلاد، حفلات عشاء، لقاءات ودية ضاحكة)، فإنه يسقط صفة “العمل المهني” تماماً ويحوله إلى “تطبيع إنساني” مجاني. لقد جانب السيد خزام الصواب في تقدير الحدود والمسافة الفاصلة بين الدور الصحفي والعلاقات الاجتماعية؛ فشخصيات ارتبطت بملفات ثقيلة كبشار الجعفري، أو مسؤولين أمنيين مثل علي مملوك وجميل الحسن، لا يصح فتح منصات الحوار والمجاملة الاجتماعية معهم، بل إن العدالة والمسؤولية الإنسانية تقتضيان محاسبتهم ومساءلتهم قانونياً عما جرى، بدلاً من تلميع صورتهم…