في مدح الشك الخلاق: لماذا نحتاج إلى “أهل السؤال” لا “أهل الإجابة”؟
هذا العالم الافتراضي، الذي استُسهل الدخول من أبوابه المشرّعة، تُرك كتقنية ثورية بيد من لا يملكون أدوات نقده، فأصبح داعمًا لهم وأصبحوا من مريديه المتضلعين بالكذب

إيمان أبو عساف – العربي القديم
أكتب هذا المقال وأنا أراقب مشهدًا يتكرر يوميًا أمام أعيننا: صاحب فكرة عميقة يحتاج إلى قارئ صبور، بينما يتصدر المشهد من يبيع اليقين الجاهز في دقيقة فيديو. هذه ليست مصادفة، بل أزمة تستحق أن نتوقف عندها بجدية.
المعضلة التي لا نريد الاعتراف بها
نعيش في زمن تتوفر فيه المعرفة كما لم تتوفر من قبل، ومع ذلك يتراجع فيه عمق النقاش الفكري بشكل مقلق. السبب، في رأيي، ليس نقصًا في المحتوى الجيد، بل في البنية التي توزّع الاهتمام: الخوارزميات تكافئ من يجيب بسرعة، لا من يفكر بعمق. والنتيجة أن المفكر الجاد يُدفع إلى الهامش، بينما يحتل “المدّعي” مكانه بخطاب مبسّط يبدو مقنعًا لأنه سريع، لا لأنه صحيح.
وهذه ليست مجرد أزمة نخب مهمّشة. هي أزمة أخلاقية بامتياز، لأن المعرفة حين تتحول إلى أداة تضليل، فإن الخاسر الحقيقي هو الإنسان العادي الذي يُحرم من فرصة وعي حقيقي يحرره من التبعية الفكرية.
حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في التضليل
ما يثير سخطي بشكل خاص هو ذلك الاحتفاء المتزايد بالرداءة والتفاهة، والترحيب برواد “العلم المزيف”، والاعتداء الوقح على العلماء والمفكرين الحقيقيين. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه، هذه الأداة التي كان يُفترض أن تعزز الوعي، بدأ يتعرض هو الآخر لفسادنا وكذبنا: فالجميع اليوم يكتب ويتفلسف، ويحلل سياسيًا، ويقدّم حلولًا لمعضلات طبية ونفسية واجتماعية، بينما تتراجع عملية المساءلة تراجعًا خطيرًا، ويُترك الجمهور الذي لم يتعافَ بعد من حالة الجمود والاستسلام ليصطف أمام مروّجي كل شيء إلا الوعي.
والمفاجآت في هذا السياق لا تتوقف: نرى الميتافيزيقا تحلّق لتأخذ مكان العلم تمامًا، وتتحول إلى برامج جماهيرية واسعة الانتشار. هذا يتحدث عن كائنات لا نعرف عنها شيئًا، بفعل تعتيم تفرضه “مؤامرة دولية عميقة”. وذاك يتحدث عن معجزات وردت في الأديان. وثالث يتحدث عن إلهام وحدوس وبصيرة، ويرسم مستقبل العالم بين حرب ضروس وكساد مالي وطوفان قاتل وعلامات القيامة. أسوق هذه الأمثلة لا للسخرية، بل لأدلّل على احتضار وعي لم يكن حيًا أصلًا، بل كان في غرفة العناية المركزة منذ زمن.
نحن هنا أمام معضلة أخلاقية وفكرية واجتماعية في آن واحد. فهذا العالم الافتراضي، الذي استُسهل الدخول من أبوابه المشرّعة، تُرك كتقنية ثورية بيد من لا يملكون أدوات نقده، فأصبح داعمًا لهم وأصبحوا من مريديه المتضلعين بالكذب. والسؤال الذي أطرحه بصراحة: هل يعود الأمر إلى غياب أخلاقي وقانوني لدى هذه الجماهير؟ أم أن مبدعي هذه التقنية كانوا في عجلة من أمرهم، فلم يتزامن تطويرها مع تعاون خلّاق كافٍ مع واضعي النظم والقوانين والمدونات الأخلاقية؟ أم تُرك الأمر عمدًا كي يبقى الناس في حالة استيهام دائم، وهو احتمال يبدو لي شريرًا إن كان فعلًا متعمدًا؟
ولإدراك مدى سطوة هذا التزييف، يكفي أن نرى ما يُكتب وما يُعرض من توافه الأحداث، وكيف تحولت اللغة نفسها إلى خليط من كذب وهلوسات، بما يمهّد — أو مهّد فعلًا — لكارثة أخلاقية وفكرية، حتى غدا المشهد العام أقرب إلى سوريالية متوحشة تمس الكرامة الإنسانية في تجلياتها كافة.
فهل نُهنّئ العقول المبتذلة ونتركها تعبث كل هذا العبث، ثم نمضي متعللين بأن ما أراده الله سيكون؟ أم نمارس مسعى فكريًا وعمليًا يقف بوجه هذا الهراء؟ ومن أحق بقيادة هذا المسعى من المثقف الحقيقي والعالم الحقيقي والمختص، أولئك الذين أمضوا أوقاتهم في البحث المضني والنقد العقلي، وتركوا الأبواب مشرعة للشك والسؤال، دون أن يكون لديهم ذكاء اصطناعي يمنحهم مراجع غير دقيقة، أو منصات تُمجّد الزيف وتصنع نجمًا لليلة واحدة، ليصبح في اليوم التالي فضيحة، أو شخصية سطحية تُنتج بعبورها الشارع حالة سيولة جماهيرية خاوية، تُغذّى بجرعات لم تعد مقننة من التزييف العام؟
هذا بالضبط ما يجعل مشروع “أهل السؤال” ضرورة لا ترفًا: فحين تصبح الأداة نفسها شريكًا محتملًا في التضليل، لا يبقى أمامنا سوى أن نُعيد الاعتبار لمن يملكون منهجية الشك والمساءلة، لا لمن يتقنون فن الظهور.
اقتراحي: أن نتوقف عن تمجيد اليقين
هنا بيت القصيد الذي أريد أن أدافع عنه: بدل أن نبحث عن “أصحاب الإجابات”، علينا أن نعيد الاعتبار لـ”أصحاب الأسئلة”. هذا ليس تراجعًا عن المعرفة، بل تصحيح لمسارها. فالحقيقة، كما أراها، ليست ملكية خاصة يحوزها أحد، بل مسار مفتوح لا ينتهي.
ولهذا الموقف الفلسفي بُعد عملي مباشر: من يعرف أن رأيه مؤقت وقابل للمراجعة، لن يسعى لفرضه بالقوة أو بالسيطرة على المنابر. الشك هنا ليس ضعفًا، بل هو ضمانة أخلاقية ضد الاستبداد الفكري، أيًا كان مصدره.
وأتصور هذا النموذج لا كنخبة مغلقة، بل كدوائر متداخلة: باحثون يؤسسون، ووسطاء ينقلون الأفكار بأمانة، وجمهور يتعلم كيف يبحث عن المعرفة بدل أن ينتظرها جاهزة.
لماذا الشك ليس عدو اليقين، بل بديله الأنضج؟
أعرف أن كثيرين يرون في “الشك” حالة قلق أو تردد، لكنني أدعو لفهمه بشكل مختلف تمامًا: كطاقة للتجدد لا للشلل. فكل يقين نبنيه اليوم هو أرض مؤقتة، سرعان ما نكتشف تحتها أرضًا جديدة تستحق أن نقف عليها.
هذا الفهم يمنحنا ثلاثة أشياء أراها ضرورية في هذا العصر: تواضعًا معرفيًا يمنعنا من الادعاء، وحيوية دائمة تبقينا في حالة بحث لا جمود، وتحررًا من العقائد الجاهزة التي تتنكر أحيانًا في زي “الوعي”.
لذلك، فإن المهمة الحقيقية ليست تلقين الناس ما يفكرون فيه، بل تدريبهم على كيفية التفكير في غياب اليقين، وعلى العيش مع السؤال المفتوح دون قلق أو عنف.
من الفكرة إلى الممارسة: ثلاث خطوات لا أكثر
حتى لا يبقى هذا الطرح مجرد كلام إنشائي، أقترح ثلاث ممارسات ملموسة:
- مراجعة دورية للأمس: أن يعتاد كل واحد منا على سؤال نفسه عن يقين كان يحمله بالأمس، ويعيد النظر فيه اليوم.
- تقييم النصوص بمعيار الاعتراف بالحدود: أن نقيّم الأفكار بقدرتها على الاعتراف بجهلها وحدودها، لا بقوة جزمها ويقينها.
- تقديم المعرفة كـ”أفضل ما لدينا الآن”: لا كحقيقة نهائية، بل كخطوة في طريق قابل للتطور، مع دعوة صريحة لتجاوزها متى ظهر ما هو أفضل.
خاتمة: دعوة إلى المسير، لا إلى الاستقرار
لست هنا لأدعو الناس إلى ترك جهلهم، ولا لأحبس النخب في أبراجها. أنا أدعو إلى رحلة مشتركة، يقودها من يملكون شجاعة القول: “لا نملك كل الإجابات، لكننا مخلصون في السؤال.”
فالمعرفة، كما أفهمها، ليست غاية نصل إليها ونتوقف، بل هي التزام أخلاقي بالسلام والتحرر المستمر. وفي زمن مزدحم بالادعاءات الجاهزة، لم تعد هذه الرؤية ترفًا فكريًا، بل ضرورة للبقاء.
فلنكن أهل سؤال، لا أهل إجابة.

