فنون وآداب

خراب السلطة وانهيار المجتمع في رواية (أغالب مجرى النهر) لسعيد خطيبي

يتحول الجسد تدريجياً إلى أداة تشريح بنيوي تكشف اختلال السلطة والعلاقات الاجتماعية؛ مما يجعل أجساد الشخصيات وثائق حيّة لخراب أوسع.

ياسر الظاهر- العربي القديم

في رواية (أغالب مجرى النهر) لا يفتح سعيد خطيبي أبواب السرد على حكاية امرأة متهمة بقتل زوجها فحسب، بل على عالمٍ كامل تُستباح فيه إنسانية البشر عبر أجسادهم. فمن زنزانة ضيقة في مخفر شرطة بمدينة بوسعادة تبدأ الدكتورة عقيلة، طبيبة العيون وزوجة الدكتور مخلوف، في سرد حكايتها، غير أن ما ينكشف تدريجياً ليس مجرد سيرة شخصية، بل تاريخ من العنف المحفور على الأجساد: أجساد النساء والأطفال والثوار القدامى وحتى الموتى في مشارح المستشفيات.

 هنا لا يبدو الجسد تفصيلاً عابراً، بل يتحول إلى مرآة أكثر صدقاً وكشفاً لخراب المجتمع، وصفحة تكتب عليها السلطة والنفاق الأخلاقي آثارَهما القاسية.

في ظاهرها تبدو الرواية سيرة لعقيلة منذ طفولتها حتى اعتقالها، أو سيرة موازية لأبيها الثائر القديم الذي اكتوى بتهمة الخيانة على يد رفاق الأمس، لكن الجسد يتحول تدريجياً إلى أداة تشريح بنيوي تكشف اختلال السلطة والعلاقات الاجتماعية؛ مما يجعل أجساد الشخصيات وثائق حيّة لخراب أوسع.

مؤسسة الزواج

تبدأ هذه البنية من علاقة عقيلة بزوجها مخلوف، حيث يفكك الكاتب مؤسسة الزواج بوصفها فضاءً يفترض أن يوفر الحماية لكنه ينقلب إلى أداة للهيمنة والقمع، فمنذ الليلة الأولى لزواجها يُخضع الجسد لعنف جنسي مهين، ثم يتفاقم الأمر إلى عنف جسدي مباشر، ليغدو موضوعًا لسلطة تستند إلى شرعية اجتماعية زائفة، وتختصر عقيلة هذا الإحساس بقولها: «كان يعامل جسدي كأنه أرض فتحها بالقوة، لا امرأة تزوّجها».

 تبين هذه الاستعارة كيف يتحول الجسد الأنثوي إلى أرض محتلة داخل مؤسسة يُفترض أنها قائمة على المودة والأمان، والأخطر أن هذا العنف لا يُقابل بالرفض الاجتماعي بل بالتواطؤ الضمني، إذ تقول: «لم يكن أحد يرى في صراخي ما يستحق التدخل، كأن ما يحدث أمر طبيعي داخل بيت زوجية»، وهكذا يبين لنا النص تطبيع القهر داخل البنية الاجتماعية نفسها.

دار الأيتام

ويتسع الانتهاك ليشمل المؤسسة عبر دار الأيتام التي يشرف عليها مخلوف، حيث يتحول فضاء الرعاية إلى مجال للاستغلال الجنسي والجسدي.

هنا يوضح النص أن العنف لا يُمارس خارج المنظومة بل من داخلها، حين تُمنح السلطة لمن يسيء استخدامها، وقد أوحى الراوي بأن الأطفال الضحايا تعلموا عبث المقاومة : «كان الأطفال يلتزمون الصمت كما لو أنهم تعلموا مبكراً أن الشكوى لا تنقذ أحداً». فالصمت هنا ليس ضعفاً فردياً، بل نتيجة إدراك مرير بأن المؤسسة نفسها جزء من ماكينة الانتهاك.

ويتكثف هذا المنطق في اعتداء مخلوف المتكرر على ابنة ميلود، شقيق زوجته، حيث يبلغ الاستحواذ ذروته عبر تكرار الفعل حتى ينتهي الحمل بوصفه أثراً دائماً للجريمة. لذلك يبدو الحمل نقيضاً لفكرة الولادة بوصفها بداية للحياة: «لم يكن الحمل بشارة حياة بل العلامة التي لا يمكن إخفاؤها». وهنا يتحول الجسد إلى ذاكرة قسرية تحتفظ بالعنف حتى حين يصمت الجميع.

عنف المتطرفين!

وعلى مستوى آخر، تعرض الرواية عنف المتطرفين ضد مومسات بيت «بابا ياقوت» بوصفه تجلياً لازدواجية الخطاب الأخلاقي؛ إذ يُمارس التعذيب باسم «التطهير»، ليتحول الجسد الهامشي إلى ساحة لإثبات سلطة زائفة. وتختصر الرواية هذا المناخ بعبارة قاسية: «نحن في مدينة احتلها قوم يمارسون شبقهم في وشم نهود النساء بشفرات الحلاقة بعد أن يسكروا باستنشاق الغراء أو البنزين». فالوشم هنا لا يبدو تعذيباً جسدياً فحسب، بل محاولة لكتابة السلطة مباشرة على الجلد، وكأن الجسد صار الصفحة التي تترك عليها الأيديولوجيا آثارها الوحشية.

ولا يقتصر الانتهاك على النساء والأطفال، بل يمتد إلى الثوار القدامى عبر التنكيل بهم وتهميشهم، حيث يصبح الجسد أداة لإعادة كتابة التاريخ وتحديد معايير الوطنية والخيانة. ويتجلى ذلك في مشاهد التحقيق مع عزوز، والد عقيلة، وهو يروي تاريخه بوصفه متهماً لا مناضلاً. لذلك تأتي عبارته: «عاملوني كأنني خنت الثورة، لا كأنني صنعت جزءاًمنها» لتكشف كيف يتحول الجسد المنهك إلى بقايا ذاكرة سياسية جرى التنكر لها، وكأن السلطة لا تكتفي بإقصاء الإنسان بل تعيد تعريف تاريخه نفسه.

وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية في فكرة سرقة القرنيات من جثث الموتى داخل مشرحة المستشفى التي يشرف عليها مخلوف، حيث تتورط عقيلة معه في اقتلاع قرنيات الموتى واقتسام المال الناتج عن تلك السرقة. مما يُحول الجسد، حتى بعد الموت، إلى مورد اقتصادي قابل للنهب، والعين، بما ترمز إليه من رؤية وشهادة ووعي، تُقتلع في دلالة عميقة على تعطيل البصيرة نفسها. وتبلغ الرمزية ذروتها في العبارة المكثفة: «حتى الموتى لم يتركوا لهم أعينهم»، ثم في قول السارد: «كانت القرنيات تُنزع بصمت، كأن أحداً يقتلع آخر ما تبقى من الحقيقة». وهكذا تتحول العين إلى رمز للحقيقة المنزوعة من مجتمع فقد قدرته على الرؤية الأخلاقية، حتى يبدو المستشفى ذاته فضاءً للمفارقة السوداء: «في هذا المكان الذي من المفترض أن يعيد البصر، كان العمى يُصنع كل يوم».

طبيبة مثلية

وفي هذا السياق تأتي شخصية سلوى، الطبيبة المثلية وصديقة عقيلة، بوصفها رمزاً للاختيار الحر في مواجهة علاقات الإكراه والهيمنة، فالبعد المثلي في شخصيتها لا يُطرح كعنصر إثارة، بل كنقيض رمزي لعالم السيطرة الذكورية والعنف الجسدي، لذلك تبدو علاقتها بعقيلة مساحة نجاة مؤقتة من عالم القمع، كما في العبارة: «كانت سلوى تلمس يدها بحنان لم تعرفه مع رجل»، وفي موضع آخر: «مع سلوى بدا الجسد أخفّ، كأنه تحرر مؤقتاًمن الخوف». وهكذا تصبح سلوى شاهداًمضاداً يكشف السائد عبر نقيضه، ويقترح تصوراً مختلفاً للجسد بوصفه فضاءً للحرية لا ساحة للقمع.

بهذا التدرج، من الحميمي إلى المؤسسي ومن الاجتماعي إلى السياسي، تتشكل بنية متماسكة تؤكد أن الانتهاك ليس حادثة عابرة بل نظاماً يعيد إنتاج نفسه باستمرار، لذلك لا يكون الجسد في الرواية مجرد ضحية، بل مرآة لانهيار مجتمع كامل، حتى نلاحظ أن  الرواية تختصر عالمها القاسي بعبارة دالة: «كل شيء هنا قابل للبيع: الذاكرة، الحب، وحتى أجساد الموتى»، وفي المقابل يغدو استرداد الجسد، بوصفه كرامة وحقاً وحرية، فعل مقاومة ينسجم مع دلالة عنوان الرواية نفسه؛ فـ«أغالب مجرى النهر» ليست مجرد مواجهة فردية، بل مجابهة لتيار جارف يعيد إنتاج العنف بأشكال متعددة، حتى يصبح الدفاع عن الجسد دفاعاً عن إنسانية مهددة بالانطفاء.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى