ذاكرة المواصلات وباصات السكانيا ومترو دمشق الموعود!
منذ منتصف السبعينات كانت هناك خطط لإنشاء شبكة مترو في دمشق وتم وضع دراسات من قبل شركات أجنبية وبتكاليف عالية ثم تذهب هذه الدراسات بقدرة قادر إلى الأدراج

صبري عيسى – العربي القديم
لم تكن مشكلة المواصلات والنقل التي يعاني منها كل السوريين قبل سقوط النظام وبعده، ونتيجة الحصار او عدم توفر البنزين والمازوت التي تعاني منها البلاد فقط، بل هي نتيجة لغياب أي رؤية لمستقبل المواصلات في البلاد منذ عام 1963 والتطور المستقبلي لتوسع المدن وزيادة عدد السكان واحوال البلاد لخمسين سنة قادمة منذ تسلم البعث حكم البلاد.
شبكة الترامواي
في مطلع حكمه للبلاد قامت حكومة البعث بعد انقلاب البعث عام 1963 بإلغاء شبكة الترامواي التي كانت تربط أحياء دمشق ببعضها وبريفها، والتي أنشأتها شركة الجر الفرنسية البلجيكية في مطلع القرن أواخر الحكم العثماني، وهي وسيلة نقل لاتزال معظم عواصم العالم تستخدمها وتحدثها بشكل مستمر، وهي وسيلة نقل صديقة للبيئة تعتمد على الكهرباء خالية من أي تلوث!
كانت القطار يصل محطة الحجاز سواء كان قادما من الغرب اومن الشمال والجنوب، وانتهى به الحال الى التوقف عدا الخط الواصل بين دمشق والزبداني الذي توقف منذ سنوات، برغم كل التصريحات الحكومية بين وقت وآخر لاعتماده وسيلة نقل من ريف دمشق الى وسط العاصمة، حتى توقف قطار المصايف عند مفرق الربوة منذ سنوات!

الترام الكهربائي الأنيق الذي كان يربط شوارع دمشق، والذي ألغاه البعثيون بعد استيلائهم على السلطة عام 1963 (العربي القديم)
باصات السكانيا ومرسيدس المازوت!
منذ مطلع عام 1963 كنت اسافر لدمشق للدراسة في جامعتها عدة مرات في السنة وكنت أركب باصات السكانيا من ديرالزور إلى حلب ومن باب الفرج بحلب. كنت أركب نفس الباص إلى دمشق حيث كان موقع كراجات الباصات في السنجقدار وسط المرجة، وكانت الرحلة تستغرق معظم ساعات النهار وللمفارقة كانت أجرة الركوب خمس ليرات، وفي حال ركوبي لسيارات التكسي التي تتسع لخمسة ركاب أدفع عشر ليرات، علما أن سيارات النقل كانت من نوع مرسيدس 190 تعمل على المازوت !
قامت الحكومة بفتح طريق ضيق باتجاه واحد يربط دير الزور بدمشق دون توسيعه كما هوالحال على طريق دمشق حلب باتجاهين، ويكاد لايمر يوم دون حصول كوارث مرورية على طريق دمشق – دير الزور يذهب ضحيتها عشرات الأبرياء، وتحول الى طريق للموت، وانا ادين كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1963 حتى اليوم لعدم ربط مدينة دير الزور ودمشق بخط سكة قطار يمكن ان يوفر للدولة أرباحا ومكاسب كبيرة سياحيا في حال ربطه ببغداد عاصمة القطر العراقي الشقيق !
كانت باصات السكانيا تعمل على خطوط النقل الداخلي داخل دمشق، وأذكر انني عند قدومي لدمشق مطلع ستينات القرن الماضي سكنت بغرفة قريبة من ثانوية (جودة الهاشمي) لقربها من الجامعة، ثم انتقلت إلى غرفة مفروشة في جادة (شورى) بحي المهاجرين بخمسين ليرة سورية شهريا، وكانت أجرة الركوب فرنك واحد حتي الجسر الأبيض وفرنك ونص للوصول لآخر خط المهاجرين حيث كنا نذهب للتمتع بأحلى طلة بانورامية من قاسيون إلى دمشق الجميلة.

باصات السكانيا الشعبية التي شاخت في شوارع سوريا ولم تزل موضوعة في الخدمة (العربي القديم)
شركة النقل الداخلي
تم تأسيس شركة عامة للنقل الداخلي عام 1975 وجعلت تبعيتها لوزارة النقل، وتم استيراد مئات الباصات لها، لكنها كانت تتوقف بسبب (الأعطال) في أقل من خمس سنوات من وضعها في الخدمة، ليبدأ استيراد باصات نقل داخلي أسوأ من التي قبلها !
منذ منتصف السبعينات كانت هناك خطط ومخططات لإنشاء شبكة مترو في دمشق وتم وضع دراسات من قبل شركات أجنبية وبتكاليف عالية ثم تذهب هذه الدراسات بقدرة قادر إلى الأدراج، ويعود الحديث بعد سنوات عن المترو، ويتكرر الحماس وتذهب الدراسات إلى الأدراج مرة أخرى أيضا، وكل هذه الدراسات كانت تشير ان تكاليف انشاء شبكة المترو ستكون على نفقة الشركات التي ستقوم بالبناء واستيراد تجهيزات قطارات المترو وستتقاضى الشركات أجور التأسيس والتشغيل من ريع الركوب مع حصة للمحافظة تمول ميزانيتها!
اليوم عندما أرى باصات السكانيا في شوارع دمشق، وهي تعمل بكامل نشاطها لنقل تلاميذ المدارس الخاصة وعمرها الزمني تجاوز الثمانين عاما، أتحسر على الماضي وألعن رموز الفساد والحكومات الغبية التي توجعنا كل يوم عندما نعجز عن الوصول من مكان الى آخر داخل دمشق وبين دمشق وأريافها!
مواصلات لا تصلح لركوب البشر
اليوم تسير في دمشق آلاف الميكرويات داخل المدينة وخارجها منذ حولي أربعة عقود، ومع الزمن تحولت بفضل الإهمال إلى وسائل مواصلات لا تصلح لركوب البشر وهي أكبر ملوث للبيئة مع غياب أي رقابة وإشراف من أي جهة حكومية!
في كل دول العام تقوم حكوماته بتوفير افضل وسائل النقل واسرعها في عواصمها، والمصيبة أن الدور الحكومي اقتصر على التجاوب مع احتجاجات سواقي وأصحاب الميكرويات لرفع أسعار الركوب فقط، دون وضع شروط تلزم أصحاب الميكرويات إصلاح سياراتهم قبل الموافقة على رفع أجور النقل بشكل دوري، يترافق مع تحسين أوضاع الباصات وصيانتها بشكل دوري!

ميكرويات متهالكة مهملة تفتقر لوسائل الراحة وأحيانا: السلامة (العربي القديم)
اليوم مع التوسع وتحسين أوضاع الشوارع داخل دمشق وأريافها، نحتاج الى وسائل مواصلات حديثة وسريعة توفر الراحة للناس في دمشق وريفها، وامام غلاء المحروقات والازدحام المروري الذي ضاعف عدد السيارات في شوارع دمشق وفي حال توفر شبكة مواصلات حديثة وسريعة صديقة للبيئة تعمل على الطاقة الكهربائية سيقوم أصحاب السيارات الخاصة بإيقاف سياراتهم امام بيوتهم وركوب باصات النقل العام بعد ارتفاع أسعار المحروقات!

