عن اختراع الشعب اليهودي

غسان قواص كالِه – العربي القديم
ترتكز العقيدة الصهيونية على سردية تدّعي أنّ اليهود يشكّلون شعباً واحداً ذا أصل عرقي موحّد، عاش موحّداً في مملكة إسرائيل القديمة قبل أن يُطرد من فلسطين عقب تدمير الهيكل سنة ٧٠ م، ليعيش ألفَي عام في المنفى والشتات، ثم يعود ليستعيد “وطنه التاريخي” في فلسطين. هذه الاسطورة ترسخت بعصبية وبحنق في أدمغة الصهاينة في اسرائيل وخارجها. تتجلّى في عنف المستوطنين المسلحين ـ وأطفالهم أيضاً ـ ضد الفلسطينيين عندما يعبرون عن كراهيتهم العنصرية لهم ، وفي تبرير الإبادة الذي يمارسه الإعلام الغربي الخاضع لسيطرتهم . زعم أحد أعلام الإذاعة الفرنسية أن “الشعب اليهودي” له حق تقرير المصير. حتى أن احد القادة الفلسطينيين قال : ونحن أيضاً لنا حق مساوي.
والآن — مع مجازر غزة التي لا تتوقف، وعربدة الجيش الصهيوني في الضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران، وسياسة الإنجيلي ترامب الذي يمارس شعائر دينه عبر دعمه المطلق “للشعب اليهودي”، وعندما ينعت الإعلامُ الغربي المتواطئ دولةَ الإحتلال الصهيوني بالدولة “العبرية”، ثم يرددها ببلاهة الإعلامُ العربي — يتوجّب التذكير بكتاب صدر في إسرائيل عام ٢٠٠٨ وأثار عاصفة زعزعت الأسس التي قامت عليها السردية الصهيونية . مؤلفه شلومو ساند مؤرخ إسرائيلي وأستاذ في جامعة تل أبيب. عنوانه صادم : “كيف اختُرِع الشعب اليهودي”. يعيد كتاب ساند التاريخ إلى مساحته الإنسانية الرحبة، بعيداً عن الأسطورة والقداسة السياسية. ليست السردية الصهيونية سوى بناء حديث، لا يستند إلى أدلّة تاريخية متماسكة. فكرة “الشعب اليهودي” — بوصفه أمة واحدة ذات أصل عرقي مشترك، تم نفيها من أرض فلسطين قبل ألفَي عام ثم عادت بعد ألفَي عام لتستعيد أرض الميعاد — اختُرعت في القرن التاسع عشر على يد مؤرخين صهاينة ويهود أوروبيين، لخدمة مشروع قومي.
السياق الشخصي والفكري لشلومو ساند
كان ساند صديقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، ورفيقه في الحزب الشيوعي “راكاح”. بُعيد حرب ١٩٦٧، خدم كجندي في أريحا، حيث — على حد قوله — كان الفلسطينيون الذين يحاولون العودة إلى البلاد يُقتلون بالرصاص إذا جاؤوا ليلاً، بينما يُعتقلون إذا ضُبطوا وهم يفعلون ذلك نهاراً. وقد تركت مثل هذه التجارب — ولا سيما حادثة أفاد فيها بأن زملاءه الجنود ضربوا وعذّبوا رجلاً فلسطينياً مقيداً حتى الموت ـ لديه شعور بأنه فقد وطنه. يقول “لا أعتقد أن الارتباط الديني بالأرض يمنحك حقاً تاريخياً. لطالما بدا لي أن أي محاولة صادقة لتنظيم العالم كما كان قبل مئات أو آلاف السنين ستعني حقن النظام العام للعلاقات الدولية بحالة من الجنون العنيف والمُضلِّل. هل سيفكر أحد اليوم في تشجيع مطلب عربي بالاستيطان في الأندلس لإقامة دولة إسلامية هناك، لمجرد أن أسلافهم طُردوا من المنطقة إبان حروب الاسترداد؟ وهل سيؤيد أي شخص عاقل مطالب السكان الأصليين في أمريكا بالاستيلاء على مانهاتن وطرد سكانها من البيض والسود والآسيويين واللاتينيين؟” . كما أنه يعارض “حل الدولة الواحدة” نظراً لأن الإسرائيليين — الذين يشكلون “واحدة من أكثر المجتمعات عنصرية في العالم الغربي”— لن يقبلوه أبداً.
تفكيك مفهوم “الشعب اليهودي”
يرتكز ساند في أطروحته على تفكيك مفهوم “الشعب اليهودي” نفسه. فاليهود في العصور القديمة لم يكونوا “أمة” بالمعنى الحديث، بل جماعات دينية وقبلية وسكان مدن ضمن إمبراطوريات واسعة. الهوية كانت دينية أو محلية، لا قومية. إسقاط مفهوم “الشعب” الحديث على واقع قديم هو خطأ منهجي يفضي إلى بناء تاريخ متخيّل.
أسطورة المنفى الروماني
يفنّد ساند أسطورة المنفى الروماني التي تُعدّ حجر الأساس في السردية الصهيونية. فالرومان، كما يثبت بالعودة إلى المصادر، لم يمارسوا سياسة الطرد الجماعي. سكان يهودا بقوا في أرضهم بعد تدمير الهيكل، واستمرت الحياة اليهودية في فلسطين قروناً طويلة. ظهرت فكرة “المنفى” لاحقاً في الأدبيات المسيحية وانتقلت إلى التراث اليهودي، ثم تبنّتها الصهيونية لتبرير مشروع قومي يقوم على العودة بعد ألفَي عام. لم يكن هناك “شعب يهودي” مشتّت بسبب حدث واحد، بل جماعات دينية انتشرت عبر التجارة والهجرة والتحوّل الديني.
التحوّل الديني وانتشار اليهودية
يطرح ساند فرضية جريئة مفادها أنّ جزءً كبيراً من الفلسطينيين اليوم هم أحفاد اليهود القدماء الذين بقوا في الأرض واعتنقوا المسيحية ثم الإسلام. فالتحوّل الديني كان ظاهرة طبيعية في التاريخ. يرفض الإشاعة القائلة بأن اليهودية كانت ديانة منغلقة لا تبشّر ولا تقبل الآخرين. التاريخ يظهر العكس. في العصور القديمة والوسيطة كانت اليهودية ديانة تبشيرية مثلها مثل المسيحية والإسلام. يقدم هذه الأمثلة.
١ـ مملكة الخزر: كانت مملكة تركية قوية قامت بين البحر الأسود وبحر قزوين من القرن السابع إلى العاشر. في القرن الثامن اعتنق ملكها ونخبتها اليهودية لأسباب سياسية بحتة: ليكونوا محايدين بين جارتهم المسيحية البيزنطية وجارتهم المسلمة العباسية. عندما انهارت المملكة تشتت سكانها. يرى ساند أن جزءًا كبيرًا من يهود أوروبا الشرقية، الأشكناز، هم أحفاد هؤلاء الخزر. هذا يفسر برأيه الفجوة الثقافية والجينية بين الأشكناز وسكان الشرق الأوسط.
٢– شمال أفريقيا: يتحدث عن تهوّد قبائل بربرية واسعة، أشهرها مملكة الملكة دهيا “الكاهنة”. هذه القبائل التي اعتنقت اليهودية قبل الإسلام هي أصل يهود المغرب والجزائر وتونس.
٣– شبه الجزيرة العربية: اعتنقت مملكة حمير في اليمن الديانة اليهودية في القرن الرابع، ويهود اليمن هم امتداد لهذا التحول. وكان في الحجاز قبل اﻹﺳﻼم قبائل ﻋرﺑﯾﺔ يهودية ﻣﺛل ﺑﻧﻲ ﻗرﯾظﺔ وﺑﻧﻲ النضير.
الخلاصة التي يصل إليها هي أن اليهودية انتشرت عبر الإقناع والتحول والزواج والاندماج، لا عبر الدم. لذلك لا يوجد “عرق يهودي” واحد. يوجد مغاربة تهودوا، ويمنيون تهودوا، وأوروبيون شرقيون تهودوا، وكل مجموعة حملت معها لغتها وعاداتها وتقاليدها المحلية، وأضافت إليها طبقة دينية يهودية. ما جمعهم لم يكن الأصل البيولوجي، بل النص الديني والذاكرة الدينية المشتركة. يستنتج أن اليهودية ديانة عالمية متعددة الأصول، وأنّ فكرة “العرق اليهودي” لا أساس لها. فاليهود المغاربة واليمنيون والأشكناز ليسوا أبناء أصل واحد، بل جماعات مختلفة حملت معها لغاتها وثقافاتها وأضافت إليها طبقة دينية مشتركة.
نشوء القومية اليهودية الحديثة
السؤال الجوهري عند ساند هو: متى تحوّلت هذه الجماعات المتفرقة إلى “شعب” واحد؟ يجيب بأن ذلك حدث في أوروبا في القرن التاسع عشر، لحظة ولادة القوميات الحديثة. قبل القرن التاسع عشر لم يكن اليهود يرون أنفسهم “شعباً” ولا “عِرقاً”. كانوا “أمة الكتاب”، أو “جماعة المؤمنين”، أو “بني إسرائيل” بمعنى ديني. لم تكن لديهم لغة قومية مشتركة، فالييدية كانت لغة للأشكناز واللادينو للسفارديم (في إسبانيا والبرتغال) والعربية ليهود المشرق. ولم تكن لديهم تطلعات سياسية للعودة إلى فلسطين. أما عبارة “السنة القادمة في أورشليم” فهي صلاة دينية وليست برنامجًا سياسيًا. الصهيونية غيرت ذلك. عمدت إلى تحويل الدين إلى قومية، وإلى اختراع تاريخ قومي، ولغة قومية. تم إحياء العبرية كلغة محكية بعد أن ظلت قروناً طويلة لغة طقسية، وتمت إعادة كتابة التاريخ اليهودي لتضخيم فكرة المنفى والاضطهاد، وتهميش قرون طويلة من العيش المشترك في العالم الإسلامي، بهدف إثبات أنّ اليهود “شعب” يستحق دولة.
البنية القانونية والسياسية للدولة الإسرائيلية
يتطرق الكاتب أيضاً إلى البنية السياسية والقانونية المعاصرة للكيان الإسرائيلي، موضحاً كيف أدى اعتماد الأسطورة القومية – كقاعدة تأسيسية – إلى خلق نظام تشريعي وثقافي يقوم على التمييز البنيوي والإقصاء المنظم. فبدلاً من صياغة دولة مدنية لجميع مواطنيها تسود فيها قيم المساواة القانونية، ظلت الدولة تُعرّف نفسها حصرياً بوصفها ملكاً لـ “الشعب اليهودي” العالمي. هذا التعريف الأيديولوجي يخلق مفارقة أخلاقية وسياسية عميقة، حيث يُمنح الفرد اليهودي في أي بقعة من العالم حق الهجرة والامتيازات السياسية والمواطنة الفورية، في حين يُسلب السكان الأصليون حقوقهم التاريخية والمدنية الأساسية. إن إصرار النظام السياسي على تكريس الهوية القومية الدينية يمنع تشكل “هوية مدنية جامعة”، ويجعل القوانين والمؤسسات والتعليم أدوات موجهة لخدمة مشروع أيديولوجي مغلق. وبذلك تُستخدم الأسطورة التاريخية كوسيلة مستمرة لتسويغ الاستيطان، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة المكرس دولياً، وتحويل الجغرافيا إلى مجال حصري لمجموعة دينية جرى اختراع أصولها القومية في أوروبا.
البعد الأخلاقي والسياسي
أمام هذا التفكيك التاريخي الذي يعري التهافت الأيديولوجي للمشروع الصهيوني، يفرض الواجب الأخلاقي والأكاديمي التضامن التام وغير المشروط مع الشعب الفلسطيني والضحايا المظلومين الذين يواجهون آلة التهجير والاضطهاد والسيطرة الاستعمارية. إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من سلب للأرض، وتدمير للهوية، وتغريب قسري، هو النتيجة المباشرة لتحويل الأسطورة التاريخية إلى سلاح سياسي وقوة بطش مؤسسية.
إن الوقوف مع الضحايا الذين يرزحون تحت سياسات الفصل والاضطهاد ليس مجرد انحياز سياسي، بل هو انتصار للحقيقة العلمية وللعدالة الإنسانية الشاملة التي تأبى أن تُستبدل الحقوق التاريخية الملموسة بأوهام النقاء العرقي والاصطفاء القومي.
صرخة في وجه تزييف الذاكرة
يُشكل كتاب “كيف اختُرع الشعب اليهودي” صرخة نقدية في وجه تزييف الذاكرة وتحويل الدين إلى قومية والأرض إلى غنيمة سياسية. إن تفكيك هذه الأسطورة الاستعمارية يعيد الاعتبار للإنسان، ويضع حداً للتعدي على حقوق الشعوب وتاريخها الاصيل، مؤكداً أن الحقيقة التاريخية والعدالة الإنسانية هما الركيزتان الوحيدتان الكفيلتان بإنهاء القهر وإعادة الحقوق إلى أصحابها الحقيقيين. يختم ساند كتابه بالدعوة إلى بناء مواطنة متساوية لكل سكان البلاد. كما يدعو يهود الشتات إلى التحرر من الابتزاز القومي. يمكن للمرء أن يكون يهوديًا في دينه وثقافته دون أن يكون صهيونيًا أو أن يرى في إسرائيل “دولة كل اليهود”. فالدين لا يحتاج إلى جيش وعلم وحدود.

