نصوص أدبية || أحلام مؤجلة في بلاد اللجوء
في بلدها كانت تعرف تماماً من هي. أما هنا، فكان عليها أن تبدأ من جديد، وأن تثبت نفسها من البداية.

منى أسامة شلهوب – العربي القديم
لم تكن تظن أن تركها لعملها في الصحافة سيطول كل هذه السنوات .عندما غادرت سوريا في بداية الثورة، كانت تعتقد أنها ستغيب شهراً واحداً فقط، وربما أقل، ثم تعود إلى بيتها وعملها وحياتها.
لم يكن السفر خياراً بالنسبة لها. موقفها من الأحداث ومشاركتها في الحراك الثوري جعل بقاءها خطراً، خاصة مع الملاحقات التي كانت تطال كل من وقف ضد النظام.
خرجت وهي تأمل مثل كثير من السوريين وقتها، أن يسقط النظام قريباً وأن تعود سريعاً. لم تحمل معها خطة لحياة جديدة، لأنها ببساطة لم تكن تعتقد أنها بحاجة إليها .
كانت صحفية تحب عملها كثيراً . تحب البحث عن الخبر، والكتابة عما يجري، والحديث مع الناس والاستماع إلى قصصهم. لذلك، عندما غادرت، لم تشعر أنها تركت الصحافة نهائياً .
كانت تقول لنفسها: “فترة قصيرة وبرجع.”
لكن الشهر انتهى ولم تعد. مرت شهور، ثم سنوات، وبدأت تفهم أن العودة ليست قريبة كما كانت تتمنى.
لاحقاً وصلت إلى أوروبا، وهناك ظهر لديها أمل آخر. قالت لنفسها: إذا لم أستطع العودة إلى سوريا الآن، يمكنني أن أعود إلى الصحافة هنا.
كانت تعتقد أن شغفها وحبها للصحافة سيساعدانها على البدء من جديد.
لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. أول حاجز كان اللغة.
هي التي كانت تعمل بالكلمات، وتكتب وتعبّر، أصبحت في بلد جديد تحتاج أحياناً إلى مساعدة شخص آخر حتى تفهم رسالة وصلتها بالبريد أو تستطيع شرح ما تريده في موعد رسمي.
كان الأمر صعباً عليها، وأحياناً محبطاً.
ثم اكتشفت أن دارستها وحبها وشغفها بالصحافة لا تكفي. عليها أن تثبت أين درست، وأين عملت، وماذا كتبت، وأن تقدم أوراقاً وشهادات لم تكن تفكر بها عندما غادرت بلدها.
تركتها كلها في ذاك المكان الذي هربت منه ..
لكن الإنسان عندما يغادر بلده بسبب الملاحقة لا يفكر في ترتيب ملفه المهني وجمع كل أوراقه ومقالاته. هو يفكر فقط في الخروج والوصول إلى مكان آمن. ثم بدأت رحلة اللجوء بكل تفاصيلها: مقابلات، أوراق، مواعيد، انتظار، دورات لغة ورسائل رسمية لم تكن تفهم منها في البداية إلا القليل.
كانت تقول: “عندما أتعلم اللغة، سأعود إلى الصحافة.” تعلمت اللغة في البداية، لكن ظهرت أمور أخرى.
قالت: “عندما تنتهي أوراق اللجوء.” ثم جاءت المسؤوليات اليومية والعائلية، وأصبح عليها أن تتعلم كيف تعيش في بلد جديد، وتفهم قوانينه وعاداته، وتهتم بعائلتها وتبدأ حياتها من الصفر. وكلما اعتقدت أن مرحلة انتهت، كانت تبدأ مرحلة أخرى.
ومرت السنوات.
لم تعد إلى الصحافة. لكنها أيضاً لم تستطع الابتعاد عنها تماماً.
كانت تتابع الأخبار كل يوم، وأحياناً تتوقف عند خبر وتفكر في طريقة كتابته. تشاهد مقابلة وتتخيل الأسئلة التي كانت ستطرحها لو كانت مكان الصحفي. وتسمع قصة شخص ما فتشعر برغبة في أن تكتب عنه.
لم تزل الصحافة موجودة في داخلها، حية تنبض، حتى لو ابتعدت عنها سنوات.
كان يؤلمها أحياناً أن الأشخاص الذين تعرفت إليهم في بلاد الغربة لا يعرفون شيئاً عن حياتها السابقة. لا يعرفون أنها كانت تكتب وأن لديها أحلاماً وخططاً وحياة كاملة قبل أن تصبح كلمة “لاجئة” جزءًا من حياتها.
في بلدها كانت تعرف تماماً من هي. أما هنا، فكان عليها أن تبدأ من جديد، وأن تثبت نفسها من البداية.
ومع الوقت، بدأت ترى أن قصتها ليست الوحيدة. حولها شباب وفتيات جاؤوا من بلادهم وهم يحملون أحلاماً كثيرة. طبيب يحاول العودة إلى مهنته، مهندس يبحث عن فرصة، فتاة تريد أن تكمل دراستها، وشاب لا يريد أكثر من عمل ثابت يستطيع من خلاله أن يساعد عائلته.
لكل واحد منهم حياة عاشها قبل الغربة، وحلم لا يعرف عنه الآخرون شيئاً. بعضهم استطاع أن يكمل طريقه، وبعضهم ما زال يحاول، وبعضهم اضطر إلى تأجيل حلمه سنوات طويلة. وهي كانت واحدة منهم.
حتى اليوم لم يتحقق حلمها بالعودة إلى الصحافة.
أحيانًا تسأل نفسها إن كان الوقت قد تأخر، وإن كانت السنوات التي مرت قد أبعدتها كثيراً عن المهنة.
لكنها في كل مرة تقرأ خبراً، أو تسمع قصة تستحق أن تُروى، يعود إليها الشعور نفسه.
الرغبة في الكتابة. لهذا لم تستطع أن تقول يوماً إن حلمها انتهى.
منذ سنوات طويلة وهي تعتقد أنها ستعود بعد شهر. الشهر أصبح سنوات، وتغيرت خلالها أشياء كثيرة في حياتها. تعلمت لغة جديدة، عاشت تجربة اللجوء، تحملت مسؤوليات لم تكن في حساباتها، وحاولت أن تجد لنفسها مكانًا في بلد جديد. ولم تعد إلى الصحافة كما كانت تتمنى.
لكن الحلم بقي معها. لم يتحقق بعد ولم يمت .

