عقائد وأديان

أفراد النجاة: كيف يحوّل استبداد الإنهاك العلاقة إلى عبء؟

لا يتوقف الأمر عند العلاقة الخاصة. يمتد إلى الأشياء الصغيرة التي كانت تُنتج الحياة المشتركة من دون أن يخطط لها أحد

مرعي الرمضان – العربي القديم

ماذا يحدث للمجتمع حين يصبح كل فرد محاصرا بإيقاع نجاته الخاص؟

هذا السؤال لا يقود إلى وصف عام لتراجع الروابط، بل إلى تحول أعمق في منطق العلاقة نفسها. حين تستحوذ إدارة النجاة على معظم قدرة الإنسان، لا تختفي حاجته إلى الآخرين؛ الذي يتراجع تدريجيا هو الفائض الذي يجعل العلاقة ممكنة. قد تزداد الحاجة إلى الآخر في اللحظة نفسها التي تنخفض فيها القدرة على تحويل هذه الحاجة إلى رابطة حية. وهنا يبدأ التغير الحقيقي.

في ظل هذا المنطق يتشكل نمط من الأفراد يمكن تسميتهم «أفراد النجاة». ليسوا طبقة اجتماعية، ولا هوية ثابتة، ولا حكما أخلاقيا على الإنسان. إنهم أفراد تصبح إدارة البقاء لديهم أولوية متقدمة، فتُقرأ العلاقات بصورة متزايدة من خلال ما تتطلبه من قدرة ووقت وحضور، قبل أن تُرى بما تمنحه من معنى أو سند.

هذا لا يعني أن الإنسان أصبح أقل رغبة في الآخرين. الإنسان المنهك قد يحتاج إليهم أكثر، لكنه يصبح أقل قدرة على منحهم ما تحتاجه العلاقة. المشكلة ليست انخفاض قيمة الآخر، بل ارتفاع كلفة الوصول إليه.

حين يتحول البقاء إلى معركة يومية، تصبح العلاقة مطالبةً بفائض من القدرة قد لا يملكه الإنسان بسهولة. وما يبدو قرارا فرديا معقولا من موقع الإنهاك قد ينتج، حين يتكرر، نتيجة اجتماعية لم يقصدها أحد.

ولا يعني هذا التحول أن الروابط تختفي بالضرورة. ففي مجتمعات مثل سوريا، حيث ظلت الأسرة والقرابة والجيرة لوقت طويل جزءا من شبكة الأمان، قد يحدث شيء أكثر تعقيدا: تضيق دائرة ما يستطيع الإنسان حمله بدل أن تختفي حاجته إلى الجماعة. فتظل الروابط الأقرب، في كثير من الحالات، أكثر حضورا، بينما تصبح العلاقات الأوسع أكثر صعوبة في الحفاظ على انتظامها.. وقد يجد الإنسان نفسه أكثر اعتمادا على دائرة صغيرة من الناس، وفي الوقت نفسه أقل قدرة على منح العلاقات التي تقع خارجها ما تحتاجه من وقت وحضور.

الفائض الذي يجعل العلاقة ممكنة

الفائض هنا ليس المال، ولا الوقت المجرد. هو ما يتبقى للإنسان بعد أداء ضرورات يومه، ويستطيع أن يمنحه لعلاقة لا تطلب منه وظيفة أو مردودا مباشرا.

جلسة بلا غرض. زيارة بلا مناسبة. إصغاء من دون استعجال. مساعدة لا ينتظر مقابلها. وقت مع الأب أو الأم أو الطفل لا يُقاس بما أُنجز فيه.

هذه الأشياء تبدو عادية لأنها كانت جزءا طبيعيا من الحياة. لكن المجتمع لا يعيش بالضرورات وحدها. الضرورات تحفظ استمراره، أما ما يتجاوزها فيمنح الحياة المشتركة شكلها الإنساني.

لذلك يستطيع الإنسان، حتى وهو منهك، أن يؤدي كثيرا من واجباته: يرد على رسالة، يذهب إلى عمله، يحضر مناسبة، يدير شؤون بيته. لكن العلاقة تحتاج إلى شيء آخر. تحتاج إلى القدرة على أن يبقى الإنسان قليلا بعد انتهاء الواجب، وأن يكون مع الآخر من دون أن يحوله إلى مهمة إضافية في قائمة اليوم.

حين ينخفض هذا الفائض، ترتفع كلفة الرابطة. العلاقة لا تختفي، لكنها تصبح مطالبةً بموارد لم يعد الإنسان يملك منها الكثير.

حين يصبح التأجيل عادة

من هنا ينشأ التأجيل المزمن بوصفه آلية تفكك هادئة.

ليس اليوم. لاحقا. عندما أرتاح. عندما تنتهي هذه المرحلة. عندما يصبح لدي وقت.

كل تأجيل منفرد يمكن فهمه، وربما يكون ضروريا. لكن المشكلة لا تكمن في التأجيل الواحد، وإنما في تراكم التأجيلات المعقولة. كل مرة لها سبب مفهوم، لكن مجموع الأسباب يصنع غيابا مستمرا.

وهنا لا يبدو الابتعاد قرارا. لا توجد قطيعة معلنة، ولا لحظة واحدة يمكن القول إنها أنهت العلاقة. هناك فقط حضور يقل، ولقاءات تختصر، وحديث يؤجل مرة أخرى. ومع الوقت، يتعلم الطرفان العيش وفق المسافة الجديدة.

الحضور ليس مجرد وجود جسدي أو استمرار التواصل. هو أن يكون الإنسان مع الآخر دون أن يكون جزء كبير من قدرته مشدودا إلى ضرورات أخرى. وحين يصبح هذا الحضور نادرا، تبقى العلاقة قائمة، لكنها تفقد شيئا من قدرتها على المشاركة والاحتواء وإصلاح ما يتصدع فيها.

لا تحتاج العلاقة دائما إلى قطيعة كي تتآكل؛ أحيانا يكفي أن يقل الحضور فيها، وأن يصبح التأجيل الطريقة التي نستمر بها في الحفاظ عليها.

حين تضيق الحياة المشتركة

لا يتوقف الأمر عند العلاقة الخاصة. يمتد إلى الأشياء الصغيرة التي كانت تُنتج الحياة المشتركة من دون أن يخطط لها أحد: جلسة الجيران، زيارة الصديق من دون موعد، الوقوف طويلا أمام باب البيت، طفل يعرف أن في الحي أكثر من بيت يمكن أن يذهب إليه، أو شخص كبير في السن يجد من يسأل عنه قبل أن يطلب شيئا.

هذه المساحات ليست هامشية كما تبدو. منها تتكون المعرفة المتبادلة، وتتراكم الذكريات الصغيرة، وتنشأ الثقة التي لا تُبنى بقرار واحد.

حين تضيق القدرة على إنتاج الوقت غير الوظيفي، يتغير شكل الاجتماع نفسه. تقل اللقاءات التي لا تحتاج إلى مبرر، ويصبح الوقت المشترك أكثر ارتباطا بوظيفة أو ضرورة. يقل الوقت الذي يعيشه الناس معا خارج الضرورة، فتتراجع خبرة مشتركة لا يستطيع فرد واحد إنتاجها بمفرده.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد يتخذ كل فرد قرارا معقولا من موقعه. لديه ما يكفي من الأسباب ليؤجل زيارة، أو يختصر حديثًا، أو يعتذر عن لقاء. لكن تكرار هذه القرارات لا يبقى شأنا فرديا. شيئا فشيئا، ينكمش المجال الذي كان يجمع الناس من دون أن تكون هناك حاجة مباشرة إلى جمعهم.

لا تختفي الروابط دفعة واحدة. الذي يتغير هو كثافتها، وطريقة حضورها في الحياة اليومية، وما تستطيع أن تنتجه من خبرة مشتركة.

انحسار المعنى المشترك

المعنى المشترك هنا ليس فلسفة واسعة عن معنى الحياة، ولا بحثا عن غاية نهائية. هو الإحساس الملموس بأن هناك شيئا في الحياة لا يخص الفرد وحده: شيء يُبنى معا، ويُحتمل معا، ويُتذكر معا.

وهذا الإحساس يحتاج إلى علاقات تمتد بما يكفي لتحمله. يحتاج إلى حضور متكرر، وإلى ذاكرة تتكون بين الناس، وإلى وقت لا تكون له وظيفة فورية.

حين يتراجع الفائض، تتأجل العلاقات. وحين تتأجل العلاقات، تضيق الحياة المشتركة. ومع ضيقها يتراجع الإحساس بوجود «نحن» يمكن أن يستمر خارج ضرورات اليوم.

تبقى الحاجات، ويبقى الأفراد، وتستمر الحياة في مظهرها الاجتماعي. لكن شيئا من بنيتها الداخلية يصبح أكثر فردية. ما كان يُعاش بوصفه شأنا مشتركا يبدأ في الانكماش إلى مجموعة من الأفراد يدير كل منهم يومه وفق ما يستطيع.

وهنا لا يكون المعنى قد اختفى. لكنه يفقد البيئة التي كان يتشكل فيها.

خاتمة

استبداد الإنهاك لا يقطع العلاقات بقرار، ولا يلغي حاجة الإنسان إلى الآخرين. إنه يضغط على المساحة التي تجعل هذه الحاجة قابلة للتحول إلى علاقة حية.

كلما استحوذت إدارة النجاة على قدرة أكبر، صار الفائض أندر. ومع ندرته ترتفع كلفة الرابطة، ويصبح التأجيل أسهل، والحضور أصعب، وتتقلص المساحات التي تُصنع فيها الحياة المشتركة من دون تخطيط أو ضرورة.

فالإنسان لا يفقد حاجته إلى الآخرين حين يضيق عليه إيقاع النجاة؛ ما يفقده تدريجيا هو القدرة على أن يكون معهم خارج الضرورة. وحين يضيق هذا الهامش، تضيق معه المساحة التي يمكن أن تتشكل فيها حياة مشتركة.

المجتمع لا يتكون من الأفراد وحدهم، وإنما من المساحة التي يستطيعون أن يصنعوا فيها «النحن».

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى