حين تتكلم الجدران… الذاكرة السورية في جناح وزارة الداخلية
ربما تكون القيمة الأهم لمثل هذه المساحات أنها تجعلنا نتوقف قليلاً أمام سؤال أكبر من المكان نفسه: ماذا فعلت بنا كل تلك السنوات؟

كمال صوان * – العربي القديم
في مساحةٍ تجمع الناس حول الاقتصاد والثقافة والحياة، اختارت وزارة الداخلية في الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي أن تفتح نافذة مختلفة على الذاكرة السورية؛ نافذة لا تُعرَض فيها الأرقام أو التقارير، وإنما يُترك للمكان والأشياء أن تتحدث.
من خلال إعادة تجسيد غرفة من غرف المعتقل، وعرض بعض المقتنيات والكتابات والأشياء التي ارتبطت بتجربة المعتقلين، جاءت الفكرة لتضع الزائر أمام صورة محسوسة عن جانب من الألم الذي عاشه السوريون خلال سنوات طويلة. فبعض التجارب الإنسانية يصعب نقل حقيقتها بالكلمات وحدها.
يمكن أن نقرأ عن الخوف، وعن الاعتقال، وعن الانتظار، وعن الألم، لكن أن يقف الإنسان أمام مكان يشبه المكان الذي عاش فيه شخصٌ ما تجربة قاسية، فهذا يمنح الذاكرة شكلاً آخر؛ شكلاً يمكن رؤيته والشعور بتأثيره. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية النفسية.
عندما تتحول الذاكرة من كلمات إلى مكان
الإنسان لا يتذكر الأحداث من خلال المعلومات فقط. الذاكرة الإنسانية ترتبط أيضاً بالأماكن والصور والأصوات والروائح والأشياء والتفاصيل المحيطة بالتجربة.
ولهذا فإن رؤية مكان يشبه مكاناً ارتبط بتجربة مؤلمة يمكن أن تستدعي لدى بعض الأشخاص مشاعر وذكريات مرتبطة بتلك التجربة.
بالنسبة لشخص مرّ بتجربة الاعتقال، قد لا تكون الغرفة مجرد مساحة مادية. قد تصبح مفتاحاً لذاكرة كاملة.
أما بالنسبة لأحد أفراد الأسرة، فقد تستحضر المكان سنوات الانتظار والقلق والأسئلة التي لم تجد إجابات، وربما ذكريات شخص غاب عن البيت ولم يكن غيابه مجرد غياب جسدي، بل حضوراً دائماً في ذاكرة العائلة.
وهنا يمكن فهم القوة النفسية لفكرة عرض المكان نفسه: فالمكان أحياناً يستطيع أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
لماذا تعود الذكريات بهذه القوة؟
في علم النفس، ترتبط التجارب الصادمة أحياناً بذكريات شديدة الارتباط بالسياق والمثيرات المحيطة بالحدث.
ولهذا يمكن لمثير بصري أو سمعي أو مكاني أن يعيد تنشيط مشاعر مرتبطة بتجربة سابقة.
وفي سياق اضطراب ما بعد الصدمة، قد تؤدي المثيرات التي تذكّر بالحدث الصادم إلى استجابة نفسية أو جسدية قوية، وقد تظهر لدى بعض الأشخاص ذكريات اقتحامية أو ضيق نفسي عند مواجهة ما يرتبط بالتجربة السابقة.
لكن من المهم التأكيد أن استحضار الذكرى أو التأثر عند رؤية المكان لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
فالإنسان قد يتأثر بذكرى مؤلمة، وقد يشعر بالحزن أو التوتر أو الصمت دون أن يكون ذلك اضطراباً مرضياً.
وهذه استجابة إنسانية مفهومة أمام تاريخ مليء بالتجارب القاسية.
الألم الذي لا يخص المعتقل وحده
حين نتحدث عن المعتقل، قد يبدو للوهلة الأولى أننا نتحدث عن الشخص الذي عاش التجربة داخل المكان.
لكن نفسياً، آثار التجربة يمكن أن تمتد إلى دائرة أوسع بكثير.
هناك الأم التي انتظرت.
والأب الذي عاش القلق.
والزوجة التي بقيت أمام سؤال لا جواب له.
والطفل الذي كبر وهو يسمع اسم شخص غائب.
والصديق الذي بقي يحمل في ذاكرته صورة إنسان لم يعد كما كان.
لذلك فإن الذاكرة المرتبطة بهذه التجارب لا يمكن فهمها دائماً باعتبارها ذاكرة فردية. إنها في كثير من الأحيان ذاكرة عائلية واجتماعية، تتناقلها الأجيال والقصص والصور والصمت أيضاً.
ومن هنا، فإن وضع هذه الذاكرة أمام الجمهور لا يخاطب الناجين وحدهم، وإنما يفتح مساحة لفهم تجربة إنسانية عاشها مجتمع بأكمله بدرجات مختلفة.
عندما يتذكر الجسد قبل أن تتكلم الكلمات
من الجوانب المهمة في فهم آثار الصدمة أن الإنسان لا يتفاعل معها فكرياً فقط.
قد تظهر الاستجابة في صورة توتر، أو خوف، أو رغبة في الابتعاد، أو صمت مفاجئ، أو انفعال قوي، وهذا لأن التجارب شديدة الضغط يمكن أن ترتبط باستجابات نفسية وجسدية تستمر في الظهور عند مواجهة ما يذكّر بها.
ولهذا ربما يقف شخص أمام أحد المعروضات دون أن يقول شيئاً، قد يمر شخص آخر بالمكان بسرعة، وقد يتوقف ثالث طويلاً أمام تفصيل صغير لا يراه الآخرون بالقدر نفسه. كل واحد منهم قد يلتقي بذاكرته بطريقة مختلفة.
من التوثيق إلى الوعي
تكمن أهمية مثل هذه التجارب في أنها لا تكتفي بعرض الماضي، وإنما تمنح الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة فرصة لفهم جانب من حقيقتها الإنسانية.
فالأشياء التي نراها اليوم قد تبدو للبعض مجرد مقتنيات، لكنها بالنسبة لشخص آخر قد تحمل قصة حياة كاملة.
ومن منظور نفسي، فإن الاعتراف بالتجارب المؤلمة وتوثيقها وإعطاؤها مساحة في الذاكرة العامة يمكن أن يكون جزءاً مهماً من فهم ما مر به المجتمع.
فالنسيان ليس دائماً هو الطريق إلى التعافي.
أحياناً يحتاج الإنسان إلى أن يرى ما حدث، وأن يجد من يعترف بأن ما عاشه كان مؤلماً، وأن تجربته تستحق أن تُسمع وتُفهم.
الذاكرة ليست لإعادة الألم فقط
ربما تكون القيمة الأهم لمثل هذه المساحات أنها تجعلنا نتوقف قليلاً أمام سؤال أكبر من المكان نفسه: ماذا فعلت بنا كل تلك السنوات؟
فالألم لا ينتهي دائماً بانتهاء الحدث. قد يبقى في طريقة تفكير الإنسان، وفي علاقاته، وفي مخاوفه، وفي ذاكرته، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى المستقبل. لكن الذاكرة يمكن أن تتحول أيضاً إلى معرفة. والمعرفة يمكن أن تتحول إلى وعي. والوعي يمكن أن يصبح جزءاً من بناء مستقبل أكثر أمناً وإنسانية.
ولهذا فإن الوقوف أمام غرفة المعتقل ليس بالضرورة وقوفاً أمام الماضي وحده؛ بل يمكن أن يكون وقوفاً أمام أثر ذلك الماضي في حاضرنا، وأمام مسؤوليتنا في فهمه وعدم تكراره.
حين تتكلم الجدران
ربما كان اختيار وزارة الداخلية إعادة تجسيد غرفة المعتقل تحديداً يحمل رسالة تتجاوز الكلمات.
فالجدران، والأبواب، والأشياء الموجودة في المكان، قادرة على منح الزائر إحساساً بقرب التجربة، وعلى تحويل قصة بعيدة إلى مشهد يمكن رؤيته.
وبالنسبة لمن عاش التجربة، قد تكون هذه الأشياء مفاتيح لذاكرة شخصية عميقة.
وبالنسبة لمن لم يعشها، قد تكون فرصة لفهم جزء من الألم الذي حمله السوريون معهم لسنوات.
وهنا يصبح المكان أكثر من مجرد جناح في معرض. يصبح مساحة للذاكرة. ومساحة لفهم الإنسان. ومساحة للتوقف أمام تاريخٍ ترك أثراً نفسياً عميقاً في أفراد وعائلات ومجتمع كامل.
وفي النهاية، ربما لا تكون الرسالة الأهم التي تخرج بها من هذا المكان هي أن تتذكر الألم فقط، وإنما أن تفهم حجم الإنسان الذي حمل هذا الألم، وحجم القوة التي احتاجها ليستمر، وحجم المسؤولية التي تقع على عاتق الجميع حتى تتحول الذاكرة من جرحٍ مفتوح إلى وعيٍ يحمي المستقبل.
مراجع:
- American Psychiatric Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5-TR) — مرجع أساسي لفهم اضطراب ما بعد الصدمة والمثيرات المرتبطة بالحدث الصادم.
- American Psychological Association (APA). مواد علمية حول Trauma and PTSD.
- National Center for PTSD – U.S. Department of Veterans Affairs. مراجع متخصصة حول الصدمة النفسية وPTSD والمثيرات التي تستدعي ذكريات الصدمة.
- Brewin, C. R., Dalgleish, T., & Joseph, S. (1996). A dual representation theory of posttraumatic stress disorder. Psychological Review, 103(4), 670–686.
- Ehlers, A., & Clark, D. M. (2000). A cognitive model of posttraumatic stress disorder. Behaviour Research and Therapy, 38(4), 319–345.
- Iyadurai, L., et al. (2019). The role of intrusive memories in post-traumatic stress disorder. Psychological Medicine.
…………………………………………………………….
* مستشار صحة نفسية وباحث في مجال الصحة النفسية وإدارة الكوارث

