الشللية في مؤسسات الثقافة والإعلام والتعليم: هل نعيد إرث الماضي؟
بعض المفاصل في مؤسسات الدولة الجديدة تبدو وكأن الشللية القديمة ما زالت تتحكم في آليات عملها، وإن تغيرت الوجوه والشعارات. وهناك في بعض المواقع، إقصاء واضح أو متعمد لكفاءات وطنية لم تتلوث بدعم النظام البائد

ياسر الظاهر – العربي القديم
لم تقتصر ظاهرة الشللية والمحسوبيات على مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية بل تجاوزتها إلى بعض المؤسسات الثقافية والإعلامية، والتعليمية، وكانت واحدة من أثقل الموروثات التي خلّفتها الحكومات الديكتاتورية المتعاقبة على حكم سوريا، ولا سيما حقبة حزب البعث التي امتدت آثارها العميقة إلى مختلف مفاصل الدولة والمجتمع. فقد تحولت مؤسسات الدولة، عبر عقود طويلة، من مؤسسات يفترض أن تقوم على معايير الكفاءة والخبرة والوطنية، إلى ساحات تتقدم فيها اعتبارات الولاء والانتماء والقرابة والعلاقات الشخصية على معايير الاستحقاق الحقيقي من كفاءة، ونزاهة ووطنية.
ومنذ الاستقلال، لم تعرف سوريا، في رأيي، حكماً وطنياً تعددياً يقوم في جوهره على إفساح المجال للكفاءات الوطنية، ويبتعد نسبياً عن الإقصاء المنهجي، كما عرفته في المرحلة الممتدة من الاستقلال وحتى استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963. ولا يعني ذلك، بالطبع، أن الدولة السورية في تلك المرحلة كانت خالية تماماً من المحاصصة أو التوازنات السياسية والطائفية والاجتماعية، سواء في تشكيل الحكومات أو في عضوية مجلس الشعب، إلا أن الإقصاء لم يكن منظماً ومنهجياً كما أصبح لاحقاً، ولم يكن المشهد السوري يظهر للناظر بلون سياسي واحد.
كان هناك تنوع واضح في الحياة السياسية والعامة، وكانت معظم شرائح المجتمع السوري تجد، بدرجات متفاوتة، من يمثلها أو يعبر عن أفكارها. فظهر المشهد السياسي أشبه بأطياف متعددة الألوان، لا بصورة أحادية صبغت الدولة والمجتمع بلون واحد، ولهذا بقيت فكرة الوطن والدولة، رغم الاضطرابات والانقلابات التي شهدتها البلاد، أوسع من حزب واحد أو جماعة واحدة أو شخص واحد،
لكن الأمر تغيّر جذرياً بعد استيلاء حزب البعث على السلطة. فقد اعتمد النظام، بصورة متزايدة، على الولاءات غير القائمة بالضرورة على الكفاءة أو الخبرة، سواء في المؤسسات المدنية أو العسكرية. وأصبح الانتماء إلى منظومة السلطة، أو إلى شبكاتها السياسية والأمنية والاجتماعية، معياراً أساسياً للوصول إلى المواقع والمناصب.
ولم تكن نتيجة ذلك سوى اتساع دائرة المقصيين والمهمشين، وإبعاد عدد كبير من الكفاءات الوطنية التي لم تجد لنفسها مكاناً في دولة تقوم على الولاء قبل الاستحقاق، وهكذا، لم تعد مؤسسات الدولة ملكاً لجميع السوريين بالمعنى الحقيقي، بل تحولت، تدريجياً، إلى مؤسسات تهيمن عليها منظومة محددة، تحرس نفسها وتعيد إنتاجها.
وفي العقد الأخير من حكم المجرم بشار الأسد، أخذ مفهوم الشللية بعداً أكثر خطورة. فلم يعد الولاء مجرد ولاء لمنظومة سياسية أو حزب حاكم، بل أصبح ولاءً شخصياً للقائد والرئيس بشار الأسد، واصطفافاً كاملاً معه ضد الشعب السوري وثورته المباركة. وتحول الشعار الضمني، المتداول من أعلى هرم السلطة إلى أصغر عنصر في المؤسسة الأمنية، إلى قاعدة واضحة: من ليس معنا فهو ضدنا.
وقد أدى هذا المنطق إلى تقسيم المجتمع إلى موالٍ ومعادٍ، وإلى التعامل مع الاختلاف السياسي بوصفه عداءً، ومع الحياد بوصفه خيانة محتملة. وأصبح الولاء للشخص، في كثير من المواقع، أهم من الولاء للوطن والدولة، بينما تعرضت الكفاءات الوطنية للإقصاء، أو التهميش، أو الهجرة، أو السجون والمنافي.
واليوم، وبعد إسقاط النظام البائد، قد يعترض البعض على الحديث عن ضرورة إنهاء الشللية والمحسوبيات، بحجة أن بعض مفاصل الدولة الحساسة يجب أن يتولاها أشخاص يثق بهم الحكم الجديد، ويضمن ولاءهم للدولة الجديدة ومشروعها السياسي والوطني، وهذه محاججة تبدو واقعية إلى حد كبير، وخاصة في المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول الخارجة من الاستبداد والحروب.
فمن الطبيعي أن تكون هناك حاجة إلى أشخاص موثوقين في المواقع شديدة الحساسية، كالمؤسسات الأمنية والعسكرية وبعض المفاصل السيادية والاستراتيجية، ولا سيما عندما تكون الدولة في مرحلة إعادة بناء وحماية نفسها من بقايا النظام السابق أو من الأخطار الداخلية والخارجية، لكن هذه الضرورة يجب أن تكون محددة وواضحة ومؤقتة، وألا تتحول إلى ذريعة لإعادة إنتاج عقلية الإقصاء التي عانى منها السوريون لعقود طويلة.
فلا ضرر، من حيث المبدأ، في اختيار أشخاص يحظون بثقة السلطة الانتقالية للمواقع السيادية والحساسة، لكن الخطر يبدأ عندما تمتد هذه العقلية إلى مؤسسات لا تقتضي طبيعتها احتكاراً سياسياً أو أمنياً، ولا سيما المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا نعود إلى الشللية في مواقع يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع الكفاءات الوطنية؟
إن الثقافة والإعلام والتعليم ليست مؤسسات يجب أن تُدار بعقلية «من معنا ومن ليس معنا». إنها مجالات وطنية ينبغي أن تتسع لجميع الكفاءات، مهما اختلفت انتماءاتها الفكرية والسياسية، ما دامت مؤمنة بوحدة سوريا ومستقبلها، فالكاتب والمثقف والإعلامي والأكاديمي والمعلم لا ينبغي أن يُسألوا أولاً: إلى أي مجموعة ينتمون؟ ومن يعرفون؟ ومن يوصي بهم؟ بل ينبغي أن يكون السؤال الأساسي: ماذا يستطيعون أن يقدموا؟ وما مؤهلاتهم وخبراتهم؟
والمؤسف أن بعض المفاصل في مؤسسات الدولة الجديدة تبدو وكأن الشللية القديمة ما زالت تتحكم في آليات عملها، وإن تغيرت الوجوه والشعارات. هناك، في بعض المواقع، إقصاء واضح أو متعمد لكفاءات وطنية لم تتلوث بدعم النظام البائد، بل إن بعضها شارك، من موقعه وبإمكاناته، في الثورة وفي إسقاط النظام، ودفع ثمناً لموقفه الوطني.
ومن المؤلم أن تجد هذه الكفاءات نفسها اليوم خارج مؤسسات يُفترض أنها أصبحت أكثر انفتاحاً وعدالة، بينما تتقدم أسماء أخرى فقط بسبب العلاقات الشخصية أو القرب من أصحاب القرار.
إن إسقاط النظام لا يكتمل بإسقاط رأس السلطة أو تغيير الأشخاص، بل بإسقاط المنهج الذي حكم الدولة لعقود، فإذا استمرت الشللية والمحسوبيات والإقصاء، فإننا نكون قد غيّرنا الأشخاص وأبقينا على العقلية، وسوريا التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل الحرية والكرامة لا تستحق أن تنتقل من شللية إلى أخرى، أو من ولاء لشخص إلى ولاء لجماعة.
إن بناء الدولة الجديدة يبدأ عندما تصبح الكفاءة هي الطريق الطبيعي إلى المسؤولية، ويصبح القانون معياراً فوق العلاقات، ويشعر كل مواطن وطني قادر على العطاء أن باب الدولة مفتوح أمامه، لا أن عليه أولاً أن يبحث عن شلة ينتمي إليها أو شخصية نافذة تتبناه.
الدولة التي نريدها ليست دولة الثقة الضيقة، بل دولة الثقة الوطنية الواسعة. وليست دولة المنتصرين، بل دولة جميع السوريين، فهل نملك الشجاعة لنقطع فعلاً مع ماضي الشللية والإقصاء، أم أننا سنعيد إنتاجه بأسماء جديدة وشعارات جديدة؟

