لماذا تزدحم دور العبادة وتتآكل قيم الدين والأخلاق؟
الممارسات اليومية في شوارعنا ومؤسساتنا تكشف عن فجوة هائلة وانفصام حاد بين التدين الشكلي والالتزام الأخلاقي الحقيقي

نوار الماغوط – العربي القديم
مَن يتأمل واقع مجتمعاتنا العربية اليوم، الممتدة من سواحل الشرق الادنى إلى حواضر شرق المتوسط العريقة، وصولاً إلى مجتمعات الخليج العربي التي تعيش طفرة الحداثة المتسارعة، يدرك أننا نمر بأزمة وجودية خانقة، تتجاوز في عمقها ومآلاتها الصراعات السياسية والاقتصادية، لتستقر في عمق البنية الأخلاقية والقيمية التي تأسست عليها هذه الأوطان. إن المشهد الراهن يضعنا أمام مرآة كاشفة تعري الكثير من التناقضات السلوكية، حيث تحول الدين في حالات كثيرة من منبع للمثل العليا والفضائل الإنسانية إلى خطاب مفرغ من مضمونه، يُستخدم لتبرير العيوب وتمرير المثالب بدلاً من تهذيب النفوس وتقويم الاعوجاج. وهنا تحديداً يتجلى المعنى الأعمق للرسالة السماوية، فالدين في جوهره وأصله لم يأتِ ليكون أداة لتخدير العقول والضمائر وتسكين آلام الشعوب المقهورة كما ادعى الفيلسوف كارل ماركس حين وصفه بأنه “أفيون الشعوب”، بل جاءت الرسالات وفي مقدمتها الرسالة الإسلامية بوصفها ثورة أخلاقية شاملة ومتممة لمكارم الأخلاق، تهدف بالدرجة الأولى إلى محاربة النزعات الأنانية، وإصلاح مساوئ الطبيعة البشرية، وإعلاء قيم الحق والعدل والرحمة والإنصاف في التعامل اليومي بين البشر.
لكن الممارسات اليومية في شوارعنا ومؤسساتنا تكشف عن فجوة هائلة وانفصام حاد بين التدين الشكلي والالتزام الأخلاقي الحقيقي. ففي بلاد الشام، حيث تركت الحروب والأزمات الاقتصادية الطاحنة ندوباً غائرة في النسيج الاجتماعي، نلاحظ تآكلاً مخيفاً في قيم التكافل وحسن الجوار، واستبدالها بنزعات أنانية شرسة يتذرع أصحابها بضغوط العيش، بالتوازي مع طقوس دينية تملأ المساجد والكنائس، لكنها تعجز عن منع الغش في الأسواق، أو تفشي المحسوبية، أو استغلال حاجة الضعفاء والنازحين. وفي المقابل، نجد في مجتمعات الخليج العربي التي شهدت تحولات مادية واستهلاكية جارفة خلال العقود الأخيرة، أن القشرة الأخلاقية التقليدية تتعرض لاختبارات قاسية، حيث طغت قيم المظاهر والتفاخر والمادية على حساب الجوهر الإنساني، وأصبح الاستهلاك والتنافس على الرفاهية معياراً للقيمة الاجتماعية، مما أدى في بعض الأحيان إلى غياب فضائل التواضع والإيثار والصدق، ليعوَّض هذا الفراغ الأخلاقي بمزيد من التدين المظهري والخطاب الوعظي الذي ينفصل تماماً عن السلوك الفعلي لبعض أفراد المجتمع في تعاملاتهم المالية والمهنية والشخصية مع الآخرين، وخاصة مع الفئات المستضعفة من العمالة الوافدة.
إن هذا التناقض الصارخ يعيدنا إلى التفكير في وظيفة الدين الأخلاقية التي غُيبت في خضم الصراعات الأيديولوجية والسياسية،
فالدين حينما يُختزل في كونه مهدئاً نفسياً أو وسيلة للهروب من استحقاقات الواقع الصعب، يسقط في فخ “الأفيون” الذي يمنح صكوك الغفران للمخطئين دون أن يطالبهم بإصلاح سلوكهم.
إن المجتمعات العربية تعاني اليوم من أزمة نفاق اجتماعي وثقافي غير مسبوقة، حيث يرتفع منسوب الوعظ والخطابة الدينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات والخطب الدينية في أماكن العبادة، وفي الوقت ذاته يتراجع الصدق والأمانة والوفاء واحترام الآخرين، وحرية الاختلاف. لقد أصبح الدين يُستخدم في كثير من الأحيان كستار سميك لإخفاء العورات الأخلاقية والخطايا السلوكية، حيث يعتقد الفرد أن قيامه بالطقوس والعبادات الظاهرة يمنحه الحصانة والشرعية لممارسة الخداع والمواربة في حياته العملية، وبذلك يتحول الدين من قوة دافعة للتغيير الإيجابي والتطهير الداخلي إلى أداة تجميلية تستر القبح الأخلاقي دون أن تعالجه من جذوره.
إن مواجهة هذه الآفة الأخلاقية المستشرية تتطلب منا شجاعة نقدية ومراجعة فكرية عميقة تعيد الاعتبار للغايات والمقاصد الكبرى للتشريع الديني، فالأخلاق هي الأساس الروحي الذي تتوازن به حركة المجتمعات وصعود الحضارات. إن ما نحتاجه اليوم في مشرقنا ومغربنا، وفي خليجنا، ثورة معرفية تدرك أن جوهر التدين يكمن في صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكف الأذى، والرحمة. إن الدين عندما يفقد وظيفته في محاربة مساوئ الأخلاق وتقويمها، يتحول إلى أيديولوجيا جوفاء تُستخدم للسيطرة والتبرير، ولن نتمكن من إنقاذ مجتمعاتنا من التراجع الأخلاقي إلا إذا جعلنا من القيم الإنسانية النبيلة والفضائل الأخلاقية معيار التقييم الحقيقي للإنسان، متجاوزين الشكليات والمظاهر الخادعة نحو عمق السلوك وجوهر المعاملة التي تبني الأوطان وتحفظ كرامة الإنسان.