العلمانية التي لم تكن موجودة… ثم حمّلناها كل المصائب
وصف الأسد بالعلماني لأنه قمع الإسلاميين، يشبه وصف حرامي بأنه “نباتي” لأنه ما سرق لحمة، هو كان يقمع أي شي مستقل عنه: حزب، نقابة، صحافة، جامعة أو دين، وحتى دستوره لم يكن علمانياً بالمعنى الواضح.

براء الموسى – العربي القديم
في كلمات بسوريا ما بتفوت عالنقاش لحالها، بتفوت شايلة معها خمسين سنة تاريخ وكم مجزرة وشي فرع مخابرات وشي شيخ معصّب وشي مثقف مقتنع إن مشكلتنا الأساسية أننا ما قرينا جون لوك كفاية. “العلمانية” وحدة من هذه الكلمات… قل علمانية قدام سوري، وعلى الأغلب ما رح يخطر بباله حياد الدولة تجاه أديان مواطنيها، رح يطلعله حافظ الأسد والبعث وضابط الأمن. وفي الطرف التاني قل “دولة إسلامية”، وفوراً بتطلع داعش من تحت الطاولة، وبهيك بيصير الخيار مريح جداً: إما حافظ الأسد أو أبو بكر البغدادي، وإذا ما عجبك ولا واحد منهن فأنت شخص صعب الإرضاء!
هل لازم الدولة تكون علمانية حتى تكون دولة؟
لا. العلمانية مو شرط قانوني لوجود الدولة، ومو بطاقة عضوية بالأمم المتحدة. في دول عندها دين رسمي، ودول رأس الدولة فيها لازم ينتمي لدين معين، ودول للدين مكان واضح بدستورها، ومع هيك دول كاملة… السؤال الحقيقي مو إذا ممكن تكون دولة بلا علمانية، بل: شو بيصير بالمواطن اللي دينه مو دين الأكثرية، أو أصلًا ما عنده دين؟
والمشكلة إننا بنتعامل مع العلمانية كأنها مفتاح كهربا: يا شغالة يا مطفية، مع إن العلمانية الفرنسية غير البريطانية، والبريطانية غير التركية، وتركيا نفسها، رغم حكم حزب جذوره إسلامية، بعدها دستوريًا علمانية… يعني الحاكم ممكن يكون إسلامي والدولة علمانية، والعكس ممكن… لأن السؤال مو إذا الرئيس بيصلي أو مرته محجبة، السؤال: شو بيقدر يعمل فيني بسبب الشي اللي هو مؤمن فيه؟
إذا حقوقي بتتغير لما يتغير ديني ففي مشكلة، إذا بقدر أوصل لمنصب لما كون مسلم وما بقدر أوصلله لما كون مسيحي، فالدين دخل بتعريف المواطنة، وإذا الدولة كاتبة إن الكل متساوي بس جهاز الأمن بيسألك من وين وأي ضيعة وأي طائفة قبل ما يقرر يثق فيك، فهون عنا مشكلة السوريين بيعرفوها أكتر من كتب العلوم السياسية.
إسرائيل مثلًا ليست علمانية بالمعنى الفرنسي، وليست دولة دينية مثل إيران. فيها انتخابات ومؤسسات حديثة، وبنفس الوقت بتعرّف نفسها كدولة يهودية وللمؤسسة الدينية نفوذ واضح، وتركيا ما صارت “دولة إسلامية” لمجرد إن أردوغان محافظ … هون لازم نفهم جملة: الحكومة مو الدولة، الرئيس مو الدولة، الحزب مو الدولة، الأكثرية مو الدولة، الثورة مو الدولة، وحتى اللي انتصر بالحرب مو الدولة، الدولة هي القواعد اللي لازم تضل بعد ما يروحوا كل هدول.
هل سوريا كانت علمانية أصلًا؟
هون بتبلش النكتة الثقيلة… بدستور 1930 كانت سوريا جمهورية نيابية ودين رئيسها الإسلام، وبنفس الوقت السوريين متساوين أمام القانون وحرية الاعتقاد مصانة، يعني من البدايات كان عنا تناقض واضح: كل المواطنين متساوين، بس الرئيس لازم يكون مسلم، عم نقول للمسيحي: إنت متساوي معي تمامًا… إلا شوي، وهالـ”شوي” موجود بأعلى منصب بالدولة.
يعني سوريا ما كانت جنة علمانية وإجا حافظ الأسد خربها، من البداية كنا عم نحاول نركب تسوية بين مجتمع أغلبيته مسلمة ودولة مفروض تكون لكل المواطنين، البعث ما حل التناقض، غطّاه ومنعنا نحكي عنه، والبعث أصلًا ما فصل الدين عن الدولة، حط الدين بجيب الدولة… العلمانية الديمقراطية بتقول للشيخ: إنت حر، بس ما عندك سلطة على المواطن لمجرد إنك بتحكي باسم الله، نظام الأسد قلّه: احكي باسم الله قد ما بدك، بس خليني شوف شو ناوي تقول بإسمو بخطبة الجمعة، المساجد والخطباء والأوقاف تحت السيطرة، والدين مسموح طالما ما بيقرب عالسلطة، النظام ما كان بده السوري يصير أقل تدينًا، كان بده يصير أقل سياسة، صلّي وصوم وروح عالعمرة، بس لا تسأل: مين لازم يحكم؟
لهيك وصف الأسد بالعلماني لأنه قمع الإسلاميين، بيشبه وصف حرامي بأنه نباتي لأنه ما سرق لحمة، هو كان يقمع أي شي مستقل عنه: حزب، نقابة، صحافة، جامعة أو دين، وحتى دستوره لم يكن علمانياً بالمعنى الواضح؛ رئيس الجمهورية لازم يكون مسلم، والفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، والأحوال الشخصية مرتبطة بالدين والطائفة، العلمانية هون كانت ماركة سياسية أكتر من كونها قاعدة دولة، وفوق هاد كله، النظام كان يقول رسميًا إنو ما في طائفية، بينما السوريين بيعرفوا إن دوائر مهمة من الأمن والثقة والسلطة مبنية جزئيًا على روابط عائلية ومناطقية وطائفية، وطبعًا هاد ما بيعني إن كل علوي كان بالنظام أو مستفيد منه، ملايين العلويين كانوا ناس عاديين ومطحونين مثل غيرهم، بس الحديث عن البنية الطائفية نفسها كان شبه جريمة، كنا عايشين ببيت مليان فئران، بس ممنوع تقول كلمة فأر حفاظًا على الوحدة الوطنية. وبآخر السبعينات وأول الثمانينات، مع صراع النظام والإخوان المسلمين، اكتملت الثنائية السامة: النظام يقول للأقليات والعلمانيين “أنا بحميكم من الإسلاميين”، والإسلاميين يقولوا لجمهورهم “هاد نظام أقلوي عم يحارب الإسلام باسم العلمانية”، وكل طرف صار يقدم للتاني الأدلة اللي محتاجها، المشكلة عند النظام ما كانت إنك مسلم، المشكلة إنك مفكر الكرسي موضوع للنقاش.
ولما قامت الثورة بـ2011، طلعت نفس النغمة: إذا أنا رحت، الإسلاميين رح يذبحوكم، وبعدين طلعت النصرة وداعش وأخد النظام أجمل هدية دعائية بحياته، وبالطرف التاني داعش شوّهت فكرة “الدولة الإسلامية” لدرجة صار مجرد الحديث عن حضور الإسلام بالسياسة يستدعي صور السكاكين والرايات السودا، وهكذا بين الأسد وداعش انمسح قاموس كامل: الأسد شوّه العلمانية، داعش شوّه الدولة الإسلامية، والسوري العادي بقي بالنص يسأل: ما في شي طبيعي؟
من شوّه العلمانية؟
تقريبًا الكل، بس مو بنفس النسبة، النظام أولًا لأنه باع نفسه كنظام علماني من دون دولة مواطنة فعلية، بعده قسم من الإسلاميين لما حولوا العلمانية لمرادف للإلحاد ومحاربة الإسلام، وقبلهم قسم من العلمانيين نفسهم لما قدموا العلمانية كأسلوب حياة: العلماني هو اللي بيشرب وما بيصوم وحاسس حاله أذكى شوي من جيرانه، وصار عندك علماني بده يقول للمرأة ليش لازم ما تتحجب، وإسلامي بده يقوللها ليش لازم تتحجب، والاتنين عم يتخانقوا مين فيهم بيدافع عن حريتها أكتر، وهي أصلًا ما حدا سألها.
العلمانية مو إنك تكره الشيخ، ومو إنك تحب البيرة، سياسيًا الموضوع أبسط: إيمانك ما لازم يحدد قيمة حقوقك عند الدولة، وبعدين صار الشي اللي نظام الأسد ظل خمسين سنة يخوف الناس منه: وقع النظام ووصل لدمشق ناس جايين من خلفية إسلامية جهادية، وحسب السيناريو القديم كان المفروض تاني يوم نعلن الإمارة ونبلش نقيس طول اللحى، بس اللي صار أعقد من هيك… الإعلان الدستوري الجديد مو علماني: رئيس الجمهورية لازم يكون مسلم، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، وفي حماية للأحوال الشخصية للطوائف، بس بنفس الوقت في كلام عن الفصل بين السلطات والمساواة وحرية الاعتقاد والحقوق وسيادة القانون، يعني قدامنا خلطة سورية جديدة: مو علمانية كلاسيكية، ومو دولة دينية مغلقة، والسؤال مو شو مكتوب عالورق، لأن سوريا ممتازة بكتابة دساتير حلوة، السؤال شو رح يطلع بالتطبيق.
وبنفس الوقت ما في داعي نوزع شهادات ديمقراطية لأن السلطة صارت تحكي عن المؤسسات والانتخابات، الديمقراطية إلها امتحان بسيط وقاسي: هل السلطة بتقدر تخسر؟ مو هل بتقدر تعمل انتخابات، لأن نص ديكتاتوريات العالم عندها صناديق، السؤال إذا الحاكم خسر، بيلم غراضه وبيسلم المكتب؟ نحن ما رح نعرف إذا سوريا ديمقراطية يوم يفوز حاكم، رح نعرف يوم يخسر حاكم ويروح من دون دبابة.
وملفت إن مفردات الديمقراطية والانتخابات والمواطنة عم تدخل تدريجيًا، بينما كلمة “العلمانية” بعدها تقيلة، والسبب مفهوم، لو الشرع قال من أول أسبوع “مشروعنا دولة علمانية”، قسم كبير من الناس ما رح يسمع “دولة محايدة تجاه الأديان”، رح يسمع “رجع قاموس البعث”. الكلمات إلها ذاكرة، وذاكرة العلمانية بسوريا سيئة، ممكن يكون تجنب الكلمة ذكاء سياسي، وممكن السلطة أصلًا ما بدها علمانية، اللي بيحسم مو المقابلات، القانون.
لهيك ما تسأل الحكومة: هل أنتم علمانيون؟ اسأل: هل المسيحي بيقدر يصير رئيس؟ حاليًا لا. هل المرأة والرجل متساويين فعلًا بكل الحقوق؟ هل السوري اللي ما عنده دين بتضل حقوقه نفسها؟ هل ممكن يكون في قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية؟ هل الإسلامي بيقدر يعمل حزب ويفوز؟ لازم. هل العلماني بيقدر؟ لازم. هل الإسلامي إذا فاز بيقدر يلغي الانتخابات؟ لا. وهل العلماني إذا فاز بيقدر يمنع الإسلاميين لأنه شايف الشعب غبي؟ أيضًا لا. هون بتلتقي الديمقراطية والعلمانية، مو لأنهن نفس الشي، بل لأن كل وحدة بتحط قيد على نوع مختلف من الاستبداد.
وسؤال “هل ممكن نعمل دولة إسلامية ديمقراطية؟” محتاج نفككه، إذا المقصود إن أغلب الشعب مسلم وإن المجتمع متأثر بالإسلام وإن التشريع يستلهم من الفقه، فهاد موجود أصلًا، أما إذا المقصود إن المسلم إله حق سياسي ما عند غير المسلم، فهون بلشت المشكلة، المشكلة مو لما الدين يصير قناعة سياسية، المشكلة لما يصير امتياز قانوني.
والمفارقة إن السلطة الجديدة ممكن تعمل خطوات علمانية وهي مو طايقة الاسم، إذا بنت جيش ما إله طائفة، وإذا الوظيفة صارت حسب الكفاءة، وإذا المسيحي والعلوي والدرزي والسني والكردي صاروا قدام المحكمة مواطنين مو “مكونات”، فهاي كلها روح علمانية سياسية، وممكن نوصل لمفارقة طريفة: ناس ما بيحبوا كلمة العلمانية يبنوا جزء من شروطها، وناس كانوا يتغنوا فيها بنوا نظام طائفي واستبدادي، كأنو التاريخ عنده حس فكاهي.
بس لا نمدح بسرعة، توحيد السلاح مو كافي، الأسد كان موحد السلاح، دولة المؤسسات مو معناها في بندقية وحدة، معناها إن البندقية نفسها خاضعة للقانون، ولهيك الاختبار الحقيقي هو: شو بيصير لما المواطن يقول للحكومة: لا؟
“ضمان حقوق الأقليات”
وهون كمان هالعبارة بدها مراجعة، لما تقول للمسيحي “رح نضمنلك حقوقك”، مين “نحنا” وليش الحق ملكنا حتى نعطيه إياه؟ العلوي ما بده إذن من السني، والكردي ما بده كرم من العربي، والمسيحي ما بده حماية المسلم حتى يكون مواطن، المواطنة مو برنامج مساعدات إنسانية، الأكثرية بتحكم، بس ما بتملك البلد… لهيك ما بدنا رئيس يحمي المسيحي، بدن قانون يخلي المسيحي ما يحتاج حماية الرئيس، وما بدنا زعيم يقول للعلوي “أنا ضمانتك”، لأن الحامي بده خطر، وكل ما الناس تخاف أكتر بتحتاجه أكتر، الدولة الحقيقية بتعمل العكس: القانون بيحمي الجميع من الجميع، وبيحمي الجميع من الدولة نفسها.
وهون منوصل لقلب الموضوع: سوريا لمين؟ للسنة؟ طيب العلوي شو؟ للمسلمين؟ والمسيحي؟ للعرب؟ والكردي؟ للثوار؟ واللي ما كان ثائر؟ للمنتصر؟ والخاسر وين يروح؟ ما في دولة بتعيش طويلًا إلا بجواب واحد: الدولة لمواطنيها، الأكثرية بتحكم، بس ما بتملك الدولة.
وبصراحة، بعد كل اللي صار، ما بدنا سوريا عظيمة ولا رسالة خالدة ولا قلب العروبة النابض ولا حصن الإسلام ولا قلعة العلمانية، بدنا دولة مملة، بتروح ع المحكمة ما حدا بيسألك عن طائفتك، بتفتح حزب وبتعارض الرئيس، الإسلامي بيطلع ع التلفزيون يقول العلمانيين رح يخربوا البلد، والعلماني بيطلع بعده يقول الإسلاميين رح يخربوا البلد، وبعدين الاتنين بيروحوا عالبيت وما حدا بينخطف.
بعد أربع سنوات بيفوز واحد، وبعدها يمكن يفوز التاني، وما بتنزل دبابة ع الشارع، بعد خمسين سنة من الرسالات الخالدة، الملل السياسي إنجاز حضاري عظيم.
إذا هاد اسمه علمانية، سموه علمانية. إذا الكلمة بتزعج الناس، سموه دولة مواطنة. إذا هاي كمان طلعت مؤامرة غربية، سموها دولة مدنية. وإذا اختلفنا ع المدنية كمان، سموها فلافل. المهم ما حدا ياخد حقوق زيادة لأنه بيصلي بطريقة مختلفة.
سوريا ما كانت دولة علمانية كاملة وبعدين إجو الإسلاميين خربوها، وما كانت دولة إسلامية مثالية وبعدين إجا البعث سرق منها الإسلام، من أيام دستور 1930 ونحن عم نحاول نركب معادلة بين مجتمع أغلبيته مسلمة ودولة مفروض تكون لكل المواطنين، البعث ما حلها، غطاها. الأسد ما حلها، استعملها. إجت الثورة وانفجر كل شي كان مخبى، وإجت داعش وشوّهت الجهة التانية من المعادلة.
هل السوري مواطن؟
واليوم يمكن لأول مرة عندنا فرصة نسأل سؤال أبسط من كل هالتسميات: هل السوري مواطن قبل ما يكون مسلم أو مسيحي أو علوي أو درزي أو إسماعيلي أو كردي أو عربي؟ إذا الجواب نعم، وإذا القانون بيعاملهم بنفس الطريقة، وإذا الحكومة ما بتقدر تفرض دينها عليهم ولا تفرض عليهم عداءها للدين، منكون قطعنا شوط كبير باتجاه العلمانية حتى لو ما حدا قال الكلمة، وإذا صار المواطن قادر يغير حكامه، والحاكم قادر يخسر ويروح، منكون دخلنا بالديمقراطية.
أما إذا بقيت الدولة ملك للي انتصر، أو للأكثرية لأنها أكثرية، أو لطائفة، أو لرئيس مقتنع إنه أفهم من الشعب، فمشكلتنا وقتها مو إننا ما عرفنا نبني دولة علمانية ولا دولة إسلامية. مشكلتنا أبسط وأفدح: إننا، للمرة الميّة، خلال مية سنة، ما عرفنا نبني دولة.

