معارضو الأسد العلويين بين الماضي والحاضر

يوسف إسماعيل – العربي القديم
لمراقبة المشهد السوري، لا تكفي مراقبة مسار السلطة، في الماضي والحاضر، بل تقتضي الضرورة معاينة جميع القوى الفاعلة، أو التي تحاول أن تكون فاعلة، وفي مقدمتها القوى والشخصيات المعارضة. أنا هنا لا أريد أن أقدّم جردة تاريخية، ولا أن أصدر أحكاماً أو أتقمص دور المنظّر. فأنا لست مؤرخاً ولا سياسياً، بل مواطن عادي أستطيع القول إنني اهتممت بالشأن العام منذ أكثر من نصف قرن، كمواطن مستقل، بقي خارج جميع الأطر الحزبية والتنظيمية الموجودة على الساحة السورية. وسيكون حديثي موجهاً إلى المعارضة اليسارية عموماً، وإلى المعارضين العلويين منهم خصوصاً. وللأسف، هذا هو الواقع الذي أمامنا، وعلينا أن نتعامل معه كما هو، لا كما نريده أن يكون.
رفاق الأمس أعداء اليوم
بعد سقوط نظام البعث، ممثلاً بآل الأسد وأتباعهم، كانت هناك نتيجتان إيجابيتان بارزتان: الأولى التخلص من هذه الطغمة التي حكمت البلاد لعقود، والثانية، وربما الأهم، أننا بدأنا نكتشف المجتمع السوري على حقيقته، أفراداً وجماعات، بعيداً عن الصورة التي حاول النظام فرضها طوال عقود. ولعل أهم ما يميز المرحلة الحالية هو طفو الشروخ الكامنة في بنية المجتمع إلى السطح، وفي مختلف الفئات الشعبية والنخب الثقافية والسياسية. هذه الشروخ ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى رواسب وصراعات موروثة ومتراكمة. وبدلاً من العمل على تفكيكها ومعالجة أسبابها، جرى تكريسها أو إبقاؤها مغلقة تحت سطح المجتمع طوال حكم البعث.
لكن المفاجأة أن هذه الشروخ وصلت أيضاً إلى صفوف القوى التي كانت تسمي نفسها علمانية، يسارية، تقدمية، ديمقراطية… إلخ. فأصبح بعض رفاق الأمس أعداء اليوم، وأصبحنا نرى العلمانيين أنفسهم منقسمين، في كثير من الأحيان، إلى علمانيين سنة وعلويين، وكأن الانتماء الطائفي تغلب على كل ما جمعهم من أفكار ومبادئ ونضالات مشتركة.
كيف نلاحظ ذلك في المشهد السوري؟
المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي يستطيع أن يرى الصورة بوضوح. فالمعارض السني الذي عارض النظام لعقود قد يجد نفسه اليوم في مواجهة اتهامات من بعض المعارضين العلويين للعهد الجديد، لمجرد أن السلطة الجديدة جاءت من بيئة سنية، في حين يعيب المعارض العلوي على رفيقه السني فرحه بسقوط النظام، ويعزو هذا الفرح إلى انتمائه الطائفي. ومن هنا أود أن أسرد بعض المشاهدات، لا بهدف إصدار الأحكام، وإنما لمحاولة فهم ما يجري.
يحق للسني أن يفرح بسقوط النظام، بغض النظر عن كل النتائج الأخرى. لا يمكن أن نتصور أن يصبح الاسم وبالاً على صاحبه، وأن يتحول مكان الولادة إلى لعنة تلاحقه عند وصوله إلى حواجز النظام.
لدي الكثير من المشاهدات عما كان يعانيه السوريون السنة أثناء تنقلهم على الحواجز، وسأذكر واحدة منها فقط: كان اسم ابني البكر «خلدون» لعنة عليه في بعض تلك المواقف؛ فعندما يصل عنصر الحاجز إلى خانة مكان الميلاد في هويته، كان أبسط تعليق يسمعه: «ما لاقا أبوك غير الاسم؟»
هذه الواقعة الصغيرة تختصر جانباً من واقع عاشه كثير من السوريين، ولا يجوز أن نطلب منهم اليوم أن ينسوا مشاعرهم أو يتخلوا عن حقهم في الفرح بسقوط نظام أذاقهم الكثير من الخوف والإذلال. وهنا أصل إلى سؤال أكثر أهمية: هل كانت الأدوات القديمة التي استخدمتها المعارضة السورية مفيدة؟ وهل ما زالت صالحة لهذه المرحلة؟ إنها أسئلة مهمة، والإجابة عنها ليست عسيرة؛ فالحصيلة عبر الزمن واضحة أمامنا، وهي في النهاية حصيلة صفرية.
هكذا تصل الرسالة إلى المشاهد
وهنا أسأل: ماذا يريد المناضلون العلويون الذين أفنوا الكثير من أعمارهم بين الاعتقال والملاحقة والفصل من العمل والهروب خارج البلاد، والذين لا أشك إطلاقاً في صدق نواياهم؟ لكن السياسة لا تقوم على النوايا وحدها، بل على الأفعال والنتائج.
أسوأ ما أراه في خطاب الكثيرين منهم أنهم يظهرون وكأنهم حزانى على سقوط الأسد، ذلك النظام الذي دفعوا الغالي والرخيص للنضال من أجل إسقاطه. فهل بهذا الخطاب يوجهون، بصورة غير مباشرة، اعتذاراً إلى بيئتهم عن خروجهم على نظام الأسد؟
بالتأكيد لا أعتقد ذلك، لكن هكذا تصل الرسالة إلى المشاهد؛ والمشاهد يحكم على ما يرى ويسمع، لا على النوايا التي لا يستطيع الوصول إليها. لذلك أقول: لا بد من وقفة مع الذات ومراجعة عاقلة وهادئة.
وتقع على عاتق المعارضين العلويين مسؤولية كبيرة في المساهمة بتأهيل بيئتهم الاجتماعية للانخراط في المجتمع السوري الجديد، كمواطنين وشركاء في بناء سوريا، لا كأدوات قمع في يد السلطة. وهذا يتطلب، في رأيي، مجموعة من المبادرات، تبدأ بالدعوة إلى مؤتمر يجمع المعارضين العلويين لنظام الأسد وجميع الشرفاء الذين لم تتلوث أيديهم أو سلوكياتهم بممارسات الطغمة الساقطة، لمناقشة السبل الناجعة للمساهمة في تخليص البلاد من هذا الجرح النازف. ومن المهم أن يخرج هذا المؤتمر بلجنة تنسيق تتواصل مع مؤسسات الدولة السورية والجهات المعنية لوضع خطط عملية لتحقيق الأهداف المرجوة.
إعتذار وتعاون
وأرى أن هناك نقطتين لا بد من البدء منهما:
أولاً: تقديم اعتذار صريح باسم العلويين إلى الشعب السوري، يتضمن إدانة واضحة لجميع ممارسات النظام السابق، والاعتذار عن تقاعس الغالبية العظمى من أبناء هذه الطائفة عن المشاركة الفعلية في نضال السوريين، وعن الصمت تجاه ما ارتكبه النظام بحق السوريين، ولا سيما الاعتقال والتهجير والقتل. وهذا الاعتذار لا يعني تحميل جماعة بأكملها مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو أجهزة أو سلطة مستبدة، بل هو موقف أخلاقي وسياسي يهدف إلى فتح باب المصالحة وإعادة بناء الثقة بين السوريين.
ثانياً: التعاون مع المؤسسات والجهات المعنية في إطلاق مسار العدالة الانتقالية، والعمل معها على ملاحقة مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض على القتلة الذين لم يتمكنوا من الهرب، وتسليمهم للقضاء، بعيداً عن الانتقام والثأر الجماعي.
هذان مطلبان لا بد منهما، لأن سوريا اليوم تحتاج إلى إطفائيتين يبردون أجواءها اللاهبة، لا إلى من يضيف مزيداً من الحطب إلى النار.
وأعرف أن هذا الكلام سيزعج كثيرين، وربما سينهال عليّ بسببه الكثير من النقد. لكن ثقوا تماماً أنني لا أشكك في نواياكم، بل أشكك في صلاحية أدواتكم، وأرى أن نتائجها خلال العقود الماضية لا يمكن تجاهلها.
المعارضة ليست غاية بحد ذاتها، وليست فعلاً نمارسه كهواية أو عادة. المعارضة وسيلة لتحقيق غاية، فإذا أصبحت الوسيلة عاجزة عن الوصول إلى الغاية، فعلينا أن نمتلك شجاعة مراجعتها وتغييرها.
ولا أريدكم نسخة عن صاحب دكان «سبونزا»، كما لا أرغب في أن أسمع خطابكم يشبه، في مضمونه أو في وقعه، بعض الأصوات الدعية التي تتصدر المشهد اليوم باسم العلويين، والمعروفة ارتباطاتها. ما أريده ببساطة هو أن تستعيد المعارضة معناها الحقيقي: أن تكون صوتاً للمواطنة والحرية والعدالة، لا صوتاً لطائفة في مواجهة طائفة أخرى.
فإذا كنا قد ناضلنا نصف قرن من أجل إسقاط الاستبداد، فلا يجوز أن تكون النتيجة أن ننتقل من استبداد السلطة إلى استبداد الطائفة، أو من خوف الأمس إلى خوف جديد.

