العربي الآن

من سوريا الأسد إلى سوريا الجديدة: إرث من الفساد لا ينتهي

بدو أن التخلي عن المنصب لا يزال أمراً صعباً على بعض من يتولونه. فبدلاً من التعامل مع النقد باعتباره فرصة لمراجعة الأخطاء وتصحيحها، يُنظر أحياناً إلى المطالبة بالمحاسبة على أنها مؤامرة تستهدف المسؤول شخصياً

جميل الشبيب – العربي القديم

يعلم السوريون جيدًا أن أحد أسباب الثورة على نظام الأسد كان الفساد الذي ينخر الدولة طولًا وعرضًا. لم يقتصر هذا الفساد على مؤسسات الدولة، بل امتد إلى المجتمع نفسه، وترك آثارًا واضحة في بنيته الثقافية والاجتماعية. ولم يكن نظام الأسد بعيدًا عن هذا التحول، بل أسهم في أن تصبح بعض المؤسسات أشبه بممتلكات عائلية، من خلال التعيينات التي كانت تقوم على المحسوبيات والفساد والرشاوى، حتى طفت على السطح أسماء عائلات كاملة كانت إلى جانب بيت الأسد، وتحتكر مؤسسات بأكملها أو قطاعات من قطاعات الدولة، مثل عائلات مخلوف وشاليش والحسن.

واليوم، بعدما هرب النظام وسقطت رموزه، لم تختفِ كل الممارسات التي تركها خلفه، ولم يكن التخلص منها بمجرد سقوطه أمرًا سهلًا. فالتحدي لا يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل يشمل أيضًا التخلص من أنماط الفساد والمحسوبية التي ترسخت خلال عقود، والتي لا يمكن بناء دولة جديدة في ظل استمرارها.

ولعل التعيينات الوظيفية من أبرز الملفات التي تثير تساؤلات السوريين اليوم. فاختيار المسؤولين والموظفين على أساس الولاء أو العلاقات، بدلًا من الكفاءة والاستحقاق، لا يقتصر أثره على حرمان أصحاب الكفاءة من فرصهم، بل ينعكس أيضًا على أداء المؤسسات وقدرتها على القيام بواجباتها. ومع تزايد الأخطاء التي تمس حياة المواطنين ومعيشتهم، ترتفع الأصوات المطالبة بإقالة المسؤولين عنها أو استقالتهم، لكن يبدو أن التخلي عن المنصب لا يزال أمرًا صعبًا على بعض من يتولونه. فبدلًا من التعامل مع النقد باعتباره فرصة لمراجعة الأخطاء وتصحيحها، يُنظر أحيانًا إلى المطالبة بالمحاسبة على أنها مؤامرة تستهدف المسؤول شخصيًا، وإلى الاستقالة باعتبارها استسلامًا، والإقالة باعتبارها إهانة.

ولا أريد هنا الحديث عن قطاع الطاقة تحديدًا، أو عن المؤسسة السورية للبترول، أو أزمة البنزين مثلًا، أو ملفات الفساد التي ضج بها الشارع السوري مؤخرًا، رغم أن هذا القطاع قد يكون من أكثر القطاعات تأثيرًا في حياة السوريين، وهو ما يجعل أي خطأ أو ملف فساد يظهر فيه محط اهتمام واسع. لكن ما يحدث في المؤسسات الأخرى لا يمكن تجاهله، خصوصًا أن الحديث عن التعيينات والمحسوبيات يتكرر في أحاديث السوريين اليومية، وإن كان إثبات مدى انتشار هذه الممارسات يحتاج إلى النظر في الوقائع والحالات المحددة، لا الاكتفاء بما يتداوله الناس. إن محاربة الفساد لا تعني فقط ملاحقة من سرق المال العام، بل تشمل أيضًا مواجهة المحسوبية، ووضع معايير واضحة للتعيين، ومحاسبة المسؤولين عن أخطائهم. وإذا كان من واجب السوريين الوقوف في وجه كل من يريد بسوريا شرًا، فمن واجبهم أيضًا ألا يتغاضوا عن الممارسات التي قد تعرقل بناء الدولة وتدفع بها نحو الفشل. فالدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن كل من يتولى منصبًا فيها، كما أن سقوط النظام لا يكفي وحده لبناء دولة مختلفة؛ إذ لا بد أن تتغير طريقة إدارة المؤسسات، وأن يصبح المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وأن تكون الكفاءة والمحاسبة أساسًا في العمل العام

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى