نصوص أدبية || شاي ثقيل
سبع دقائق كافية لاختمار الشّاي، وأنت، يا فهيم عصرك، استغرقت ثلاثة عقود لتختمر.

قصّة قصيرة كتبها: خير الدين عبيد
_ اعملي إبريق شاي، سنحكي.
قالها ببرود، ثمّ فتح باب المطبخ متّجهاً إلى غرفة الجلوس.
سيحكي، كان هذا قراراً.
عادةً، يحتاج القرار إلى وقت، تفكير، تمحيص، إحاطة…
وقراره اليوم، نضج.. طبخه على نار هادئة، واستغرق زمناً طويلاً، طويلاً جدّاً، تجاوز ثلاثة عقود.
صبّت زوجته الماء في الإبريق، سمع صوت الماء، وقدّر أنّه يكفي لستة كؤوس عراقيّة مذهّبة الحواف.
ثلاثة عقود مضت، وهو.. لتجربته الطّويلة في الحياة، ولفرط حساسيّته، يعرف الآتي.
كلّ عبارة كان سيقولها، يتوقّع بالضّبط.. ردّها.
لذا، لدرء الفتنة، كان يصمت لكنّه الآن.. سيحكي.
سيحكي بهدوء، بعمق، بإفاضة، سيبوح بكلّ شيء، سيعرض الأحداث والوقائع والمواقف، وبالتّواريخ، سيصف الفعل ورد الفعل، ليصل إلى النتيجة: الانعتاق.
صوت الملعقة التي تحرّك السكّر في الإبريق، يسمعها، سكّر وسط.
ليكن ما يكون، فآخر الدّواء.. الكَي.
ماذا سيخسر، هل بقي شيء لم يخسره؟
ثمّ.. أيّة نتيجة يخشاها؟ الفراق، الانفصال، الموت؟
حرّك رأسه قليلاً.. ونفخ من منخريه.
صوت غطاء الإبريق، إذاً “لقّمت” زوجته الشّاي، إنّها تجيد صنعه.
رفع رأسه إلى السّقف، سأل نفسه: هل ستعيش وحيداً؟
أطرق مفكّراً، أجاب: هي الحياة المشتهاة.
منذ يومين، مصادفة، شاهد لقاءً متلفزاً، قالت الفتاة مجيبة عن سبب انفصالها عن خطيبها: ما في بيني وبينه كيميا.
لم يحب الكيمياء يوماً، رغم اختياره للفرع العلمي، منذ كان طالباً في المرحلة الثانويّة، لكنّه فهم، من خلال عبارتها، قصّة الكيمياء، فتفاعل.
عمرٌ واحد يعيشه الإنسان، فليكن عمراً، أو.. بقيّة عمر.
دخلت، حاملة الصينيّة، وكانت.. من المطبخ، قد أوجست خيفة.
وضعتها أمامه، أمسكت الإبريق، ركزته على حاملة من خزف، تحتها شمعة مشتعلة. ثمّ جلست.
الشّاي لا يُصب إلاّ بعد سبع دقائق، لابدّ أن يختمر.
ضحك.. سبع دقائق كافية لاختمار الشّاي، وأنت، يا فهيم عصرك، استغرقت ثلاثة عقود لتختمر.
_ أضحِكنا معك.
نظر إليها، تفحّص وجهها، كأنّه يراها أوّل مرّة.
_ في بتمّك حكي.
فكّر، حرّك لسانه داخل حلقه، كأنّه يتأكّد.
_ هاتِ اتحفنا.
هذا التحدّي لا يفارقها.
هي تعرف تماماً أنّه سيلوذ بالصّمت، تعرف أنّها فرصتها لتبدأ بالكلام.
ستسكت لدقيقة، ربّما لتقول: إنّك لم تحكِ، سأحكي أنا.
وتحكي بألم، بحسرة، بانفعال، ببكاء، بشهشهة، ثمّ.. تنتظر أن يلملم شظاياها.
الدقيقة مضت.
كلاهما متمترس بصمته، كلاهما يتمعّن بالآخر، يقيسه من رأسه حتّى أخمص قدميه.
إنّهما غريبان، متعبان، منهكان، مشتعلان، باردان، جميلان، قبيحان، ودودان، عدوّان.
سبع دقائق مضت.
الجرس الداخلي لصب الشّاي.. يرن.
عشر دقائق مضت، والكأسان فارغان.
ساعة بالتّمام والكمال، وهما جالسان، مكانهما، مسمّران، صامتان.
لا هو ابتدأ الحديث المرجو، الفصل، الخلاص ولاهي، كعادتها، استفاضت.
الشّمعة تحت الإبريق، ذابت.. وانطفأت.
والشّاي المخمّر داخله، قد أصبح بارداً، دون أدنى شك.

