الرأي العام

سورية من تبدّل حكم العائلات إلى تغيّر بنية الحكم؟

ربما لم تكن مشكلة سورية يوماً في أن عائلة واحدة حكمت البلاد، بقدر ما كانت في أن الدولة نفسها تحولت إلى شبكة من الولاءات والقرابات والمصالح

خليل البطران – العربي القديم

منذ قيام الجمهورية السورية، ثم استقلالها وجلاء آخر جندي فرنسي عام 1946، لم تعرف سورية استقراراً سياسياً طويلاً. تعاقبت الانقلابات العسكرية، حتى جاء انقلاب حزب البعث عام 1963، وكان حافظ الأسد أحد أبرز المشاركين فيه، قبل أن ينقلب هو نفسه على رفاقه عام 1970 فيما عُرف بـ«الحركة التصحيحية». ومنذ ذلك التاريخ بدأت السلطة تتركز بصورة متزايدة حول الحاكم ودائرته الضيقة، وتداخلت السياسة مع الأمن والولاء والقرابة والمصالح. ولم يعد السؤال فقط: من يحكم سورية؟ بل: من يملك مفاتيح السلطة، وكيف يصل إليها؟

حافظ الأسد… بداية الحكم العائلي

بعد عام 1970، بدأ حافظ الأسد بناء نظام شديد المركزية. أقصى خصومه وأضعف مراكز القوة المنافسة له، وفي الوقت نفسه بنى شبكة واسعة من التحالفات داخل الجيش والدولة والمجتمع.

استعان بشخصيات من مناطق وطوائف مختلفة، مثل مصطفى طلاس وعبد الحليم خدام، لكنه أبقى مركز القرار الحقيقي في دائرة ضيقة تدور حوله. ومع السنوات، لم تعد العائلة مجرد عائلة الحاكم، بل أصبحت مركزاً لشبكة أوسع من الأقارب والمقربين والضباط ورجال الأعمال وأصحاب النفوذ. ومن هنا بدأ الحكم يأخذ طابعاً عائلياً؛ ليس لأن أفراد العائلة وحدهم كانوا يحكمون ويحوزون على الاستثمارات ويمسكون بمفاتيح الفرص الاقتصادية والرشاوى وحسب، وإنما لأن القرب من مركز السلطة أو أحد أفراد العائلة الأسدية أصبح أحد مفاتيح النفوذ.

بشار الأسد… اتساع الشبكة

عندما توفي حافظ الأسد عام 2000، اعتقد كثير من السوريين أن بشار الأسد قد يفتح صفحة مختلفة. كان شاباً قيل إنه درس الطب، وتخصص في بريطانيا، ومن المفترض أن يحمل صورة مختلفة عن والده العسكري الذي تربى في صفوف حزب البعث والمؤامرات الانقلابية بين أجنحته.

لكن تلك الآمال لم تستمر طويلاً. وبدلاً من تفكيك شبكات النفوذ الضيقة، اتسعت. برز نفوذ عائلة مخلوف، إلى جانب شاليش وحمشو والقاطرجي وغيرهم، ونمت حول السلطة شبكة واسعة من رجال الأعمال والمصالح الاقتصادية والإعلامية. وأصبح تعبير «سورية الأسد» أكثر من مجرد شعار؛ فقد بدا وكأن الدولة نفسها تختزل تدريجياً في اسم العائلة.

الحرب تفكك الشبكة

لكن هذه المنظومة لم تبقَ متماسكة حتى النهاية؛ فبعد اندلاع الثورة عام 2011 وتحول البلاد إلى حرب، تراجعت قدرة الدولة على السيطرة على كامل الأراضي السورية، وظهرت تشكيلات مسلحة ومراكز نفوذ وشبكات اقتصادية وأمنية متعددة.

كما تداخل النفوذ الروسي والإيراني مع مراكز القوة داخل النظام، وأصبح القرار موزعاً بين أطراف وشخصيات وشبكات متعددة.

وهكذا انتهى النظام الذي سعى لعقود إلى تركيز السلطة في مركز واحد إلى دولة تتعدد فيها مراكز القوة وتضعف فيها المؤسسات أمام نفوذ الشبكات.

سقط الأسد… فهل سقطت القاعدة؟

في كانون الأول/ديسمبر 2024 سقط بشار الأسد، ودخلت سورية مرحلة انتقالية بقيادة أحمد الشرع. سقطت عائلة حكمت البلاد لعقود، وكان من الطبيعي أن يتطلع السوريون إلى بناء دولة مختلفة. لكن مع مرور الوقت بدأت أسماء ودوائر جديدة تظهر في مواقع حساسة.

ظهر ماهر الشرع، شقيق أحمد الشرع، في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، قبل أن يُستبدل لاحقاً. وظهر حازم الشرع في الملف الاقتصادي، قبل لن يغيب عن المشهد. كما برزت أسماء أخرى مرتبطة بالقرابة أو الدوائر الاجتماعية والسياسية نفسها.

وفي وزارة الدفاع، ظهر مرهف أبو قصرة وزيراً للدفاع، ثم ظهر شقيقه أيمن أبو قصرة في إدارة معبر جرابلس. وفي قطاع النفط، يتولى حسن أبو قصرة إدارة حقول المنطقة الوسطى في الشركة السورية للبترول.

وفي المجال الثقافي والسياسي، برز حسن الدغيم وأنس الدغيم، ومحمد الدغيم، كما أصبح محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف، قائماً بأعمال السفارة السورية في برلين.

كل اسم من هذه الأسماء يمكن أن تكون له أسبابه المهنية والإدارية، وليس من المنطقي اعتبار كل تعيين لقريب محسوبية لمجرد صلة القرابة، لكن المشكلة ليست في اسم واحد، المشكلة في تراكم الأسماء.

فعندما نجد شقيقاً هنا، وقريباً هناك، وأسماء من دوائر اجتماعية وسياسية ومناطقية محددة تتكرر في مؤسسات الدولة، يصبح السؤال مشروعاً: هل تتشكل شبكة نفوذ جديدة؟

ماذا عن الشبكات القديمة؟

وفي الجهة الأخرى، لم تختفِ كل الشبكات الاقتصادية التي تشكلت في عهد الأسد.

وتبرز هنا قضية محمد حمشو، الذي ارتبط اسمه طويلاً بدائرة رجال الأعمال المقربين من النظام السابق. وقد قال أحمد الشرع إن السلطات صادرت نحو 80% من أمواله، مع الإبقاء على جزء منها لعدم ثبوت عدم مشروعية اكتسابها، مع بقاء المسؤولية الجنائية قائمة إذا ظهرت مخالفات أخرى.

وهذا يفتح سؤالاً آخر: هل جرى تفكيك الشبكات القديمة فعلاً، أم أن بعضها يعاد ترتيب وضعه ضمن قواعد جديدة؟

من حكم العائلة إلى حكم الشبكات؟

ربما لم تكن مشكلة سورية يوماً في أن عائلة واحدة حكمت البلاد، بقدر ما كانت في أن الدولة نفسها تحولت إلى شبكة من الولاءات والقرابات والمصالح، وأصبح القرب من مركز القرار طريقاً إلى السلطة والثروة والنفوذ. ولهذا فإن سقوط الأسد وحده لا يكفي للقول إن تلك المنظومة انتهت.

فالتغيير لا يقاس فقط بمن جلس في القصر، ولا بعدد الوجوه الجديدة التي ظهرت في مؤسسات الدولة، وإنما بالقاعدة التي تحكم الوصول إلى المنصب. إذا كان الطريق هو الكفاءة والقانون وتكافؤ الفرص، فقد تغير شيء جوهري.

أما إذا بقي الطريق يمر عبر القريب والمصاهر والتزكية والولاء والانتماء إلى دائرة النفوذ، فربما لم تتغير القاعدة، وإنما تغيرت أسماء الذين يمسكون بمفاتيحها.

وهنا يبقى السؤال: من آل الأسد إلى الشرع… هل تبدّلت العائلات، أم تغيّرت بنية الحكم؟

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى