الملف الشائك | العلوية الأسدية: ماذا فعل نصف قرن من حكم الأسد بهوية العلويين؟
من أكثر الحجج تداولًا لنفي طائفية النظام القول إن القرى العلوية بقيت فقيرة، وإن الأسد سجن معارضين علويين، والحقيقتان صحيحتان، لكن النتيجة التي تُبنى عليهما ليست صحيحة بالضرورة... فمن قال إن النظام الطائفي يجب أن يغني جميع أبناء الطائفة التي يعتمد على شبكات منها؟ ومن قال إن المعارض الذي ينتمي إلى طائفة الحاكم يجب أن يتمتع بحصانة من سجونه؟

ملف كتبه لـ [العربي القديم]: براء موسى
منذ بداية الثورة السورية شاع تعبير “الطائفة الأسدية”، وهو تعبير سياسي أكثر مما هو ديني، لأن الأسدي ممكن يكون علويًا أو سنيًا أو مسيحيًا أو درزيًا، ضابطًا أو تاجرًا أو موظفًا صغيرًا، وربما واحدًا ما استفاد من النظام بشيء، غير اقتناعه بأن الأسد هو الدولة، وأن الدولة إذا راح الأسد بتروح معه… لكن هذا التعبير حجب سؤالًا آخر، برأيي أهم وأعقد: ماذا لو أن نصف قرن من حكم الأسدين أنتج، داخل المجتمع العلوي نفسه، شي ممكن أن نسميه “العلوية الأسدية”؟
المفارقة أن حافظ الأسد لم يكتفِ بالاعتماد على شبكات من العلويين لتثبيت حكمه، بل ساهم حكمه في إعادة تشكيل الطريقة التي فهمت فيها قطاعات منهم تاريخها ومكانتها وخوفها من الآخرين، الرجل الذي احتاج في بداية حكمه إلى اعتراف ديني بإسلاميته، صار لاحقًا، عند بعض مؤيديه، أشبه بمؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ جماعتهم، والرئيس الذي استمد شرعيته من الدولة والجيش والحزب، صار مصدرًا للنفوذ عند بعض المرجعيات الدينية، العلوية والسنية، على اختلاف علاقاتها به… وكأن السلطة لم تكتفِ بأن تحكم المجتمع، بل أخذت تعيد ترتيب ذاكرته أيضًا.
طبعًا ما عم نحكي عن مذهب جديد أسسه حافظ الأسد، ولا عن عقيدة سرية اسمها الأسدية، ولا عن أن العلويين أسديون بطبيعتهم، وإنما عن أثر سلطة حكمت سوريا أكثر من نصف قرن، وأعادت ترتيب مصادر القوة والمرجعية والمكانة داخل المجتمع العلوي، وربطت أمن قطاعات منه ببقاء الأسرة الحاكمة، حتى صار تاريخ الأسد، عند بعض الناس، جزءًا من الطريقة التي يفهمون فيها تاريخ جماعتهم.
والعلوية، مثل غيرها من الهويات الدينية والاجتماعية، ما كانت يومًا حقيقة جامدة خارج التاريخ، فالجماعة التي عُرفت تاريخيًا باسم “النصيرية”، وغلبت عليها لاحقًا تسمية “العلويين”، شهدت تحولات طويلة في علاقتها بالدولة وبالإسلام السني وبالتشيع الإمامي الاثني عشري، وفي تعريفها لنفسها أيضًا، لكن المجتمع العلوي قبل حافظ الأسد ما كان جماعة سياسية موحدة تنتظر زعيمًا يقرر مصيرها، بل مجتمعًا فيه انقسامات دينية وعشائرية ومناطقية، ومشايخ ومرجعيات مختلفة، وفقراء وأغنياء، وناس عندهم مصالح ومواقف متعارضة.
ولهذا ربما حان الوقت لقلب السؤال السوري المستهلك: بدل ما نضل نسأل إذا كان نظام الأسد علويًا، لماذا لا نسأل ماذا فعل نظام الأسد بالعلويين أنفسهم؟ وكيف استطاع حاكم واحد أن يجعل تاريخ جماعة أقدم منه بكثير يبدو، عند بعض أبنائها، وكأنه بدأ معه؟
من الشيخ إلى الضابط… ومن الضابط إلى الشيخ
لم يخترع حافظ الأسد صعود العلويين إلى الجيش والدولة، فهذا المسار بدأ قبله، مع التحولات الاجتماعية منذ أواخر العهد العثماني والانتداب الفرنسي، ثم توسع التعليم والمؤسسة العسكرية والوظيفة العامة، لكنه استطاع تحويل مسارات طويلة ومتعددة إلى رواية واحدة، بطلها حافظ الأسد، الرجل الذي نقل العلويين، بحسب هالرواية، من التهميش إلى القوة.
وكان أحد أهم التحولات انتقال جزء من النفوذ الاجتماعي من الشيخ إلى الضابط، فالشيخ يملك مكانته الدينية وعلاقاته التقليدية، لكن الضابط صار يملك القدرة على تأمين وظيفة، ونقل مجند، وحل مشكلة أمنية، وفتح باب مغلق… وفي دولة تحولت فيها الأجهزة الأمنية إلى سلطة فوق السلطات، صار الاتصال بضابط نافذ أحيانًا أهم من الاتصال بشيخ معروف. لكن القصة ما توقفت عند انتقال النفوذ من الشيخ إلى الضابط، بل وصلت إلى مسار معاكس، من الضابط إلى الشيخ نفسه.
في دراسة “شيوخ الدين العلويين: مقدمة موجزة” (Alawite Religious Sheikhs: A Brief Introduction)، يشير ليون غولدسميث (Leon T. Goldsmith) وناصر دميرية (Naser Dumairieh) إلى تدخل حافظ الأسد في المرجعية الدينية العلوية، وإلى سياسة اتبعها بعد سنة 1982 لإدخال عسكريين وعاملين سابقين في الأجهزة الأمنية، بعد تقاعدهم، إلى مواقع المشيخة، وهو ما أثار اعتراضات لدى بعض المشايخ التقليديين.
وهون لا يكفي أن نقول إن النظام عيّن عسكريين مشايخ ونمشي… لأن السؤال الحقيقي: مشايخ من أي علويين بالضبط؟ فالمجتمع العلوي عرف تقسيمات دينية داخلية، من أبرزها الحيدرية والكلازية، إلى جانب تصنيفات أخرى، وعرف اتحادات عشائرية تاريخية مثل الكلبية والمتاورة والحدادين والخياطين، وهذه مستويات مختلفة من الانتماء، فلا العشيرة هي المذهب بالضرورة، ولا المنطقة تكفي وحدها لتحديد الانتماء الديني، ومن هون تصبح الأسئلة أدق: من أي عائلات وقرى وفروع دينية جاء المشايخ الذين دعمتهم السلطة؟ هل عكست التعيينات توازنات المجتمع العلوي أم توازنات الأجهزة الأمنية؟ وهل حاول الأسد توحيد المرجعيات المختلفة أم اختار الأقرب إلى شبكات ولائه؟
تناولت دراسة ميدانية للباحث سامر عباس، نشرتها مبادرة الإصلاح العربي سنة 2025، التفاوتات داخل البيئات العلوية، ومنها اختلافات بين المناطق الكلازية والحيدرية، وتصورات لدى بعض أبنائها عن تفاوت الوصول إلى مواقع النفوذ، لكن هالشهادات لا تكفي للقول إن غالبية مشايخ السلطة كانوا كلازيين مثلًا، أو إن النظام اعتمد حصة مذهبية معينة في تعييناتهم، لأننا لا نملك سجلًا موثقًا يحدد الانتماء الفرعي والعشائري لكل واحد منهم.
والتفريق ضروري، لأن التدخل في المرجعية الدينية شيء، والادعاء بأن السلطة أعادت تشكيل المذهب نفسه شيء آخر، ما نستطيع قوله هو أن النظام تدخل في توزيع النفوذ الديني، وأضعف استقلال بعض المرجعيات التقليدية، وفتح الطريق أمام شخصيات ارتبطت بالمؤسسة العسكرية والأمنية، أما توزيع هذه الشخصيات داخل الجماعة فيحتاج إلى توثيق، لا إلى تخمينات من أسماء العائلات ولهجات أصحابها.
ولدينا حالتان تكشفان التداخل بين الدين والعسكر، وإن لم تكونا دليلين مباشرين على سياسة تعيين المتقاعدين بعد 1982، الأولى علي خزام، الذي تناول الباحث أوغور أوميت أونغور (Uğur Ümit Üngör) سيرته بوصفه شيخًا علويًا وعقيدًا في الحرس الجمهوري، والثانية محمد بركات، الذي جمع بين إدارة مستشفى حمص العسكري ورتبة اللواء والمكانة الدينية بوصفه شيخًا، وتحدث أونغور عن دوره في جهود تعبئة شبان علويين بالتنسيق مع مسؤولين أمنيين سنة 2011.
ما عم نقول إن كل المشايخ صاروا ضباطًا، ولا إن كل ضابط صار شيخًا، ولا إن المشيخة العلوية تحولت كلها إلى فرع أمني… لكن هذه الحالات، إلى جانب ما أورده غولدسميث ودميرية، تطرح سؤالًا عن مصدر الشرعية الدينية نفسه: هل يستمد الشيخ مكانته من علمه واعتراف مجتمعه به، أم من قربه من السلطة وقدرته على الوصول إلى مؤسساتها؟
وربما كانت إحدى نتائج الأسدية أنها لم تُلغِ الانقسامات التقليدية داخل المجتمع العلوي، بل وضعت فوقها معيارًا جديدًا للنفوذ: القرب من الأسرة الحاكمة، وهكذا لم يعد الضابط ينافس الشيخ فقط، بل أصبحت السلطة قادرة، في بعض الحالات، على التأثير في تحديد من يستحق أن يكون شيخًا أصلًا.
الإسلام الذي اختارته الأسدية
من السهل الاستشهاد بكثرة المساجد والمدارس الشرعية والجمعيات الدينية في عهد الأسد للقول إنه لم يكن معاديًا للإسلام، لكن بناء مسجد لا يعني منح خطيبه الاستقلال، مثلما أن السماح بالتعليم الديني لا يعني السماح للعالم الديني بمعارضة الرئيس.
السؤال ليس إذا كان الأسد سمح للإسلام بالوجود، فهذا سؤال لا معنى له في بلد غالبيته مسلمة، وإنما أي مؤسسات دينية سمح لها بالتوسع، وبأي شروط، ولماذا؟
درس توماس بيير (Thomas Pierret)، في كتابه “الدين والدولة في سوريا: العلماء السنة من الانقلاب إلى الثورة” (Religion and State in Syria: The Sunni Ulama from Coup to Revolution)، العلاقة المعقدة بين النظام والعلماء السنة، ولم يكن هؤلاء مجرد موظفين عند المخابرات، بل أصحاب شبكات تعليمية واجتماعية ومصالح ومشاريع خاصة، تفاوض بعضهم مع السلطة واستفاد من هامش العمل الذي أتاحته، بينما دخل آخرون في صراع معها.
في حلب مثلًا، كانت مدرسة الشيخ محمد النبهان، المتوفى سنة 1975، وشبكاتها الدينية والاجتماعية أقدم من الأسد، لكن بعض المنتسبين إليها صاروا لاحقًا من أبرز رجال المؤسسة الدينية الموالية، وفي مقال كتبته سنة 2011 بعنوان “التيار التصوفي في حلب حيال الانتفاضة السورية”، تناولتُ مواقف تيار من تلامذة المدرسة النبهانية، وذكرتُ أحمد بدر الدين حسون وصهيب الشامي ومحمود الحوت، وربطتُ موقفهم بشعار “إصلاح الحاكم خير من تغييره”، الذي شاع في هذا السياق بعد صراع الثمانينيات، ولا يعني ذلك أن الشيخ النبهان نفسه قال العبارة بهذه الصيغة، أو أن جميع تلامذته اتخذوا موقفًا سياسيًا واحدًا، لكنه مثال على انتقال شبكة دينية أقدم من الأسد إلى علاقات ولاء وتفاوض مع دولته.
وفي دمشق كان أحمد كفتارو نموذجًا مختلفًا، بشبكته النقشبندية ومؤسساته التعليمية والدعوية وعلاقته الطويلة بالسلطة، استفاد النظام من حضوره الديني، واستفادت مؤسساته من المساحة التي أتيحت لها، ولا تختصر هذه العلاقة بعبارة “شيخ السلطة”، رغم أن الموالاة السياسية كانت جزءًا أساسيًا منها.
أما محمد سعيد رمضان البوطي، فحكايته أكثر دلالة، لأنه عالم سني تقليدي واسع الحضور، انتقد السلفية في كتابه “السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي”، وأقام علاقة وثيقة بحافظ الأسد، ثم وقف مع النظام في مواجهة الثورة.
وفي الرابع عشر من حزيران سنة 2000، خلال تأبين حافظ الأسد، خاطب البوطي بشار بكلام يجعل من والده مصدرًا للتربية الإيمانية، قائلًا إنهما تعلما منه قدرًا كبيرًا من الإيمان، لا نحتاج إلى الادعاء بأن البوطي ألّه حافظ الأسد كي نفهم المفارقة… الرئيس الذي احتاج في بداية حكمه إلى إثبات إسلاميته أمام المجتمع السني، صار في نهاية حياته رجلًا يتحدث عالم سني بارز عن الإيمان الذي تعلمه منه.
وتظهر في السياق نفسه القبيسيات، بوصفهن شبكة تعليم ديني نسائي تعود جذورها إلى منيرة القبيسي، وتوسعت في مراحل مختلفة من عهد الأسدين، لا يصح القول إن النظام اخترع هذه الحركة، ولا تجاهل أثر السلطة في تحديد حدود عملها، كما لا يصح جمع النبهان وتلاميذه من بعده وكفتارو والبوطي والقبيسيات في سلة واحدة، فلكل حالة تاريخها ومصالحها وعلاقتها الخاصة بالدولة.
لكن ما يجمع هذه الحالات هو سؤال النفوذ: ماذا يحدث عندما تستطيع السلطة منح بعض المؤسسات الدينية فرصًا للتوسع ومحاصرة أخرى؟ وكيف يتغير وزن التيارات عندما يصبح الولاء السياسي، إلى جانب المكانة الدينية، معيارًا مؤثرًا في الوصول إلى المنبر والمدرسة والجمعية؟
وجد النظام في بعض المؤسسات التقليدية ذات الامتدادات الصوفية شركاء يمكن التعامل معهم، بينما رأى في تيارات إسلامية أخرى خطرًا سياسيًا أو أمنيًا، لكن لا يجوز اختصار التصوف كله بالموالاة، ولا السلفية كلها بالمعارضة، فداخل كل اتجاه اختلافات واسعة، وبعض العلماء التقليديين عارضوا النظام، كما أن بعض السلفيين ابتعدوا عن السياسة.
ربما استفادت السلطة من خصومات دينية سبقتها، وربما رأت في بعض المؤسسات السنية التقليدية استعدادًا أكبر للاعتراف بشرعية رئيس علوي، أو على الأقل عدم جعل مذهبه سببًا لمنازعته الحكم، لكن هالشي لا يثبت وجود خطة سرية لتغيير عقيدة السنة، حتى لو حضرت رواية “المؤامرة” في بعض الخطابات الشعبية والدينية.
وهون تظهر مفارقة أخرى، فالسلطة التي أعادت ترتيب مصادر النفوذ داخل المجتمع العلوي، كانت تعيد ترتيب علاقتها بالمرجعيات السنية أيضًا، لا لتجعل الجميع على مذهب واحد، وإنما لتجعل هامش نفوذ مؤسسات كثيرة مرتبطًا، بدرجات متفاوتة، بعلاقتها بالدولة… وهنا تفيد المقارنة المصرية، فقد حكم الفاطميون الإسماعيليون مصر من سنة 969 حتى 1171، ثم انتهى حكمهم وعادت المؤسسات الدينية الرسمية إلى المذهب السني في العهد الأيوبي، لكن تغير القضاء والتعليم والخطبة لم يمحُ كل ممارسات التدين الشعبي، فقد استمرت زيارة مقامات آل البيت والتبرك والاحتفال بأشكال مختلفة، وأُعيد تفسير بعضها داخل تقاليد سنية، ولا سيما صوفية، وهذا لا يعني احتفاظ المصريين بالعقيدة الفاطمية، وإنما أن التغيير السياسي والمؤسسي لا يمحو بالضرورة ما ترسخ بين الناس من عادات ورموز… فالتغيير السياسي شيء، والتغيير العقائدي شيء آخر.
وفي سوريا أيضًا، لم يخترع الأسد التداخل بين الجماعات الدينية، فمقامات الخضر مثلًا عرفت في بعض المناطق زيارات من سنة وعلويين وغيرهم، وإن اختلفت طقوس الزوار وتفسيراتهم للقداسة، وقد تناولت دراسات ميدانية هذه الممارسات، مثلما درست ستيفاني مولدر (Stephennie Mulder) تاريخ مقامات آل البيت في سوريا الوسيطة، والتداخل بين السنة والشيعة في عمارتها ورعايتها.
لكن اشتراك الناس في زيارة مقام لا يعني اتفاقهم في العقيدة، ولا يثبت أن المجتمع كان خاليًا من التوتر، المهم أن النظام وجد مجالًا دينيًا غنيًا بالتداخلات والخلافات، واستثمر بعضها وضيّق على بعضها الآخر.
إذن، هل أرادت الأسدية تغيير الإسلام السني من الداخل؟ ما نستطيع إثباته هو تدخل سياسي وأمني واسع في المؤسسات الدينية، وتفضيل بعض المرجعيات ومحاصرة أخرى، واستخدام الاعتراف الديني لخدمة شرعية الحكم، أما وجود مشروع مذهبي موحد لهدم الإسلام السني أو تبديل عقيدته، فلا تكفي الأدلة المتاحة لإثباته.
وربما يكون السؤال الأدق: هل أراد الأسد إضعاف الإسلام الذي لا يستطيع السيطرة عليه، بدلًا من إضعاف الإسلام بوصفه دينًا؟ فالسلطة قد تسمح بتدين محافظ جدًا ما دام صاحبه لا ينازعها الحكم، وقد تعتبر خطابًا دينيًا معتدلًا خطرًا إذا منح أصحابه استقلالًا سياسيًا واجتماعيًا.

بورتريه دعائي لحافظ الأسد في بداية سبعينات القرن العشرين عندما كان يوصف بـ:”الفريق الجوي”
عندما احتاج الرئيس إلى شهادة بأنه مسلم
في سنة 1973، ومع أزمة الدستور والاحتجاجات المرتبطة بموقع الإسلام في الدولة واشتراط إسلام رئيس الجمهورية، وجد حافظ الأسد نفسه أمام مشكلة تتجاوز السياسة، فهو رئيس دولة غالبيتها من المسلمين السنة، وينتمي إلى جماعة طالما شككت بعض المرجعيات الدينية السنية في إسلاميتها، وبالتالي صار الاعتراف بإسلامية العلويين متصلًا بشرعية الرئيس نفسه.
وهون اكتسبت بيانات الاعتراف بالعلويين بوصفهم مسلمين جعفريين أهمية سياسية كبيرة، وقد شاع إسناد فتوى بهذا المعنى إلى الإمام موسى الصدر، لكن الباحث يارون فريدمان (Yaron Friedman) ناقش هذه النسبة، ورأى أن الوثائق المتاحة لا تثبت صدور الفتوى المنسوبة إليه شخصيًا، مع وجود اعترافات صادرة عن مرجعيات شيعية لبنانية. الأهم من اسم صاحب الفتوى هو التحول نفسه: تعريف الموقع الديني للعلويين صار جزءًا من هندسة شرعية الدولة، والرئيس الذي يفترض أنه يحكم باسم دستور ومؤسسات صار بحاجة إلى اعتراف ديني يحمي موقعه من الطعن.
لكن حافظ الأسد لم يفرض العقيدة العلوية على سوريا، ولم يجعل المدارس تعلمها، ولم يحول المشيخة العلوية إلى المؤسسة الدينية الرسمية للبلاد، بالعكس، احتاج إلى تقديم نفسه بوصفه مسلمًا مقبولًا داخل الإطار الديني العام، وفي الوقت نفسه تدخل في المؤسسات الدينية السنية، وحدد أي المشايخ يستطيعون العمل والتوسع، وأيهم يشكلون خطرًا على حكمه.
عندما صار الرئيس إلهاً في لغة الجلاد
لكن التعامل مع الإسلام من خلال المشايخ والمؤسسات شيء، وما جرى داخل المعتقلات شيء آخر… فقد وثقت منظمات حقوقية، ومنها هيومن رايتس ووتش، شهادات عن إجبار معتقلين على تقبيل أحذية جلاديهم أو إعلان أن بشار الأسد إلههم، وهذه ليست مجرد شتائم عابرة، بل محاولة لإذلال الإنسان من خلال معتقده، وإجباره تحت التعذيب على الاعتراف بأن الحاكم أعلى من المرجعية التي يؤمن بها، وليس ضروريًا أن يكون الجلاد مؤمنًا فعلًا بألوهية الأسد كي يطلب من المعتقل قول ذلك، فقد يكون هدفه تحطيمه وإفهامه أن السلطة قادرة على انتهاك كل ما يعتبره مقدسًا.
وفي فيديو مؤلم انتشر سنة 2012، ووُصفت الواقعة في مواد منشورة منذ السنوات الأولى للحرب، يظهر رجل من حلب يتعرض للضرب والسحل على أيدي عناصر من الجيش السوري، ويطلب السماح له بتوديع أولاده، فيساومه أحد العناصر على قبول الاعتداء الجنسي على زوجته، فيرد الرجل، وهو تحت رحمة جلاديه، بأنها روحه وابنة عمه وتاج رأسه… “مرتي تاج راسي”.
هالمشهد لا يثبت أن الجلاد كان يحمل عداءً للإسلام السني، ولا نملك ما يثبت الانتماء المذهبي للعناصر الظاهرين فيه، لكنه يكشف عن ثقافة إذلال تستهدف الإنسان في أعز علاقاته، وتحاول تحطيمه من خلال زوجته وأطفاله وكرامته، وليس جسده وحده.
عندما نضعه إلى جانب شهادات إجبار المعتقلين على تأليه الأسد وإهانة المعتقدات الدينية، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان ازدراء القيم الإسلامية السنية لدى بعض عناصر الجيش والأمن امتدادًا لثقافة الاستبداد العسكري، أم أن بعض المرتكبين حملوا عداءً مذهبيًا وجد في سلطة الأسد فرصة للتعبير عن نفسه؟
الاحتمالان ليسا متناقضين، فقد تنتج المؤسسة الأمنية ثقافة احتقار خاصة بها، ثم تستقبل تصورات مذهبية مسبقة وتستخدمها في التعذيب، لكن إثبات الدافع المذهبي يحتاج إلى معرفة هوية المرتكب وسياق كلامه ونمط ممارسته، ولا يكفي استنتاجه من فظاعة الجريمة أو لهجة صاحبها، ويمكن للبحث في لغة الإهانات ولهجات مرتكبيها، إذا اقترن بشهادات موثقة ومعرفة السياق، أن يساعد في اختبار أثر تصورات مذهبية لدى بعضهم، لكنه لا يثبت وحده الانتماء المذهبي أو الدافع الطائفي.
وفي المقابل، لا يجوز إلغاء البعد الديني لهذه الإهانات بحجة أن النظام سياسي لا ديني، فالمعتقل الذي يُجبر على إعلان ألوهية الأسد يتعرض لاعتداء على معتقده، حتى لو كان هدف الجلاد سياسيًا، وقد يخرج من التجربة وهو يرى في النظام عدوًا لدينه، لا مجرد سلطة اعتقلته.
وهون تبدأ واحدة من أخطر نتائج الأسدية… الضحية تعرف الكلمات التي أهان بها الجلاد دينها وعائلتها، لكنها قد لا تعرف معتقده الحقيقي، وإذا جرى تعميم جريمته على جماعته الدينية، تتحول ممارسات الأجهزة إلى اتهام يطول ناسًا لم يشاركوا فيها.
فهم الإذلال الديني ضروري حتى نفهم طبيعة السلطة التي مارسته، وحتى لا نحول جرائمها إلى أحكام جماعية على العلويين، من دون أن يلغي ذلك مشروعية البحث في جذور لغة الاحتقار داخل الأجهزة، وفي التصورات المذهبية التي ربما حملها بعض أفرادها… فقط علينا أن نفرق بين ما تثبته الشهادات وما نستنتجه منها.
الفقراء الذين يُستشهد بفقرهم دفاعاً عن الأسد
من أكثر الحجج تداولًا لنفي طائفية النظام القول إن القرى العلوية بقيت فقيرة، وإن الأسد سجن معارضين علويين، والحقيقتان صحيحتان، لكن النتيجة التي تُبنى عليهما ليست صحيحة بالضرورة… فمن قال إن النظام الطائفي يجب أن يغني جميع أبناء الطائفة التي يعتمد على شبكات منها؟ ومن قال إن المعارض الذي ينتمي إلى الجماعة نفسها التي ينتمي إليها الحاكم يجب أن يتمتع بحصانة من سجونه؟ وقد يكشف الاعتراض أحيانًا عن طائفية مضمرة، لكن فقط عندما يكون صاحبه مقتنعًا بأنه يستحق امتيازًا بسبب انتمائه، لا عندما يرد على اتهام طائفي بلغة من وجّه إليه الاتهام.
يمكن للنظام أن يكون طائفيًا في توزيع الثقة داخل مؤسساته الحساسة، وطبقيًا في توزيع الثروة، واستبداديًا في قمع المعارضين، من دون تناقض بين هذه السياسات، فالطائفية السياسية ليست جمعية خيرية لأبناء الطائفة، ولا تعني أن كل علوي يجب أن يصبح ضابطًا أو تاجرًا.
لكن هناك تفصيلًا آخر… عندما يقول شخص علوي إن النظام لم يمنحه امتيازًا بسبب مذهبه، قد يكون ببساطة يستخدم منطق خصمه لتفنيد اتهامه، ولا يجوز أن ننسب إليه اعتقادًا بالاستحقاق الطائفي لمجرد أنه جارى فرضية محاوره.
المفارقة تظهر عندما يستخدم الشخص معيارين مختلفين: إذا سألته عما قدمه الأسد له شخصيًا، تحدث عن فقره وحرمانه، وإذا سألته عن دور حافظ الأسد في تاريخ العلويين، تحدث عن انتقالهم من التهميش إلى القوة، ومن الخوف إلى النفوذ. قد يكون الشخص فقيرًا فعلًا، لكنه يشعر أن جماعته أصبحت أقوى، وهنا تساعدنا نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory)، المرتبطة بهنري تاجفيل (Henri Tajfel) وجون تيرنر (John Turner)، على فهم كيف يمكن لمكانة الجماعة المتصورة أن تؤثر في تقدير الفرد لذاته، حتى إن لم تتحول إلى منفعة مادية مباشرة. وربما لم يكن حافظ الأسد مضطرًا إلى جعل العلوي غنيًا كي يقنعه بأن وصوله إلى الحكم كان مكسبًا للعلويين، يكفي أحيانًا أن يشعر الفرد بأن جماعته انتقلت إلى موقع القوة، حتى لو بقي راتبه بالكاد يكفي آخر الشهر.
فقر الجبلين… من يملك ذاكرة الحرمان؟
ثم إن عبارة “القرى العلوية فقيرة” تفتح سؤالًا آخر: فقيرة مقارنة بماذا؟
لقد عرفت جبل الزاوية وقرى من الجبال الساحلية المقابلة له عبر سهل الغاب، ولاحظت أن أحوال بعض القرى العلوية التي زرتها بدت أفضل من أحوال قرى كثيرة في جبل الزاوية، وهذه ملاحظة شخصية، وليست إحصاءً ولا حكمًا على جميع القرى، لكنها تطرح سؤالًا عن معنى الفقر عندما نستخدمه حجة سياسية.
فقد يكون ابن القرية العلوية فقيرًا إذا قارن نفسه بأثرياء اللاذقية أو دمشق، بينما يراه ابن قرية في جبل الزاوية أفضل حالًا من ناحية البيت والطريق والوظيفة والدخل المنتظم، وقد يكون الاثنان صادقين، لأن كل واحد يقارن نفسه بمجموعة مختلفة. وهون يفيد مفهوم “الحرمان النسبي” (Relative Deprivation)، الذي تناوله والتر رانسيمان (W. G. Runciman)، لأن الإحساس بالحرمان لا يتحدد بما نملكه وحده، وإنما بمن نقارن أنفسنا بهم، وبما نعتقد أننا نستحقه.
وقد لا يكون الفارق في الثروة أصلًا، بل في عدد العائلات التي تملك رواتب ثابتة من الجيش والأمن والقطاع العام، أو فرص الوصول إلى الخدمات والوساطات، فالعائلة التي تعيش على راتب حكومي متواضع قد تبقى فقيرة، لكنها تتمتع باستقرار لا تملكه عائلة تعتمد على محصول زراعي معرض للخسارة.
وهذه المقارنة تحتاج إلى بيانات تاريخية عن الدخل والخدمات والتعليم والوظائف، ولا تكفي فيها الملاحظات الشخصية، لكن غياب الإحصاءات لا يجعل فقر جماعة دليلًا على غياب الامتيازات النسبية لدى بعض أبنائها.
وهناك فقر آخر يعيش في الذاكرة أكثر مما يعيش في البيوت، فقد تتحسن أحوال جماعة وتتغير مساكنها وطرقها وفرص العمل أمام أبنائها، بينما تبقى صورتها عن نفسها مشدودة إلى زمن كان فيه الحرمان أشد، فالذاكرة لا تتغير بالسرعة نفسها التي تتغير فيها البيوت والرواتب.
وقد استعاد عبد اللطيف عبد الحميد في “ليالي ابن آوى” و”رسائل شفهية” عالم القرية الساحلية بتفاصيله وقسوته وعلاقاته، وقدم أسامة محمد في “نجوم النهار” معالجة مختلفة للعنف والعلاقات الاجتماعية في البيئة نفسها، ثم جاءت “ضيعة ضايعة” لتعيد القرية الساحلية المنسية إلى الشاشة، حيث يعيش أهلها على هامش الدولة ويحولون الإهمال والفقر إلى مادة للضحك.
ولا يعني ذلك أن هذه الأعمال اخترعت الفقر أو زيفته، ولا أن صناعها كانوا ينفذون مشروعًا سياسيًا، الفن ليس تقريرًا من المكتب المركزي للإحصاء، ولا أحد طالب المخرج بوضع متوسط دخل الأسرة إلى جانب أسماء الممثلين… لكن الصورة الفنية قد تعيش في الوجدان أطول من الواقع الذي استمدت منه مادتها.
وليس لدينا ما يثبت أن فقر الساحل نال تمثيلًا فنيًا أكبر من فقر بقية الأرياف السورية، فهذا يحتاج إلى مقارنة فعلية، لكن السؤال يبقى: من امتلك فرصة رواية فقره، ومن بقي فقره خارج الصورة؟ وماذا عن القرى الكردية الفقيرة، وغيرها من البيئات الريفية التي ربما لم تجد الحضور نفسه على الشاشة؟ هنا لا تكفي الانطباعات لإثبات تفاوت التمثيل، فالحق في رواية الفقر متساوٍ بين الجميع، لكن الفرصة في تحويل هذا الفقر إلى صورة وحكاية وجزء من الذاكرة العامة ليست متساوية بالضرورة.
والأهم أن فقر العلويين يُستخدم أحيانًا في حجتين متعاكستين، فمن يريد نفي طائفية النظام يقول إن الأسد لم يقدم لهم شيئًا لأنهم بقوا فقراء، ومن يريد تمجيد حافظ يقول إنه نقلهم من فقر تاريخي إلى موقع القوة.
الفقر في الحالتين هو المرجع، لكن زمنه يتغير بحسب الحاجة إلى الحجة… مرة دليل على استمرار الحرمان في عهد الأسد، ومرة دليل على عظمة التحول الذي صنعه.
وما يغيب هو المقارنة الفعلية مع بقية الأرياف السورية، ومعرفة ما تغير بسبب سياسات الدولة، وما تغير بسبب التعليم والهجرة والتحولات الاقتصادية العامة.
وربما لا يكمن الوهم في الفقر نفسه، فقد كان حقيقيًا وقاسيًا، وربما بقي كذلك لدى عائلات كثيرة، يبدأ الوهم عندما تتحول ذاكرة الفقر إلى وصف دائم لجماعة كاملة، أو تُستخدم لإلغاء الفروق التي نشأت بينها وبين غيرها… فالذاكرة تحفظ الألم، لكنها لا تحفظ بالضرورة نسبته إلى آلام الآخرين.

سوريون من الساحل السوري يرفعون صورة ضخمة لحافظ الأسد في ثمانينات القرن العشرين (العربي القديم)
المعتقل العلوي: هل السجن شهادة براءة للنظام؟
أما الاستشهاد بالمعتقلين السياسيين العلويين، فالمسألة أكثر حساسية، فقد سجن الأسد معارضين علويين وعذبهم، ودفع بعضهم سنوات طويلة من أعمارهم ثمنًا لمواقفهم، وهذه حقيقة تهدم الادعاء بأن العلويين كانوا كتلة سياسية واحدة.
لكن اعتقال المعارض العلوي يثبت أن الانتماء الطائفي لم يكن حصانة مطلقة من القمع، ولا يثبت أن الانتماء نفسه لم يلعب دورًا في تشكيل شبكات الثقة داخل الجيش والأمن.
المفارقة أن المعارض العلوي يجد نفسه أحيانًا مطالبًا بجعل سجنه دليلًا على أن النظام لم يكن علويًا، يعني عليه أن يثبت معارضته للأسد، ثم يثبت أن معارضته تنفي الولاء المفترض لطائفته، وكأنه مسؤول عن تقديم شهادة براءة جماعية لأنه ينتمي إلى الجماعة نفسها التي ينتمي إليها الرئيس.
وهكذا يعيد خطاب الاتهام الجماعي إنتاج الربط الذي يدعي أنه يريد تفكيكه، فوجود معارضين علويين لا ينفي طائفية بعض آليات السلطة، كما أن وجود ضباط علويين ارتكبوا جرائم لا يجعل بقية العلويين مسؤولين عنها.
هذه ليست محاولة للتوفيق بين روايتين متعارضتين، وإنما ضرورة لفهم نظام استخدم الانتماءات الطائفية في بناء شبكات القوة، وقمع في الوقت نفسه كل من عارضه، مهما كان انتماؤه.
الخوف الذي صار جزءاً من الهوية
لم يكن صعود الضابط وحده كافيًا لصناعة علاقة الولاء بين النظام وقطاعات من العلويين، احتاج الأمر إلى الخوف، والخوف في الحالة السورية لم يكن اختراعًا إعلاميًا من الصفر… فبين 1979 و1982 شهدت سوريا صراعًا دمويًا بين النظام والإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة، تخللته اعتداءات ذات طابع طائفي استهدفت علويين بسبب هويتهم، ومن أبرزها مجزرة مدرسة المدفعية في حلب سنة 1979، ثم جاءت مجزرة حماة سنة 1982، حين سحقت قوات النظام المدينة وقتلت الآلاف من سكانها.
وهون يظهر سؤال الذاكرة: هل رأى بعض العلويين في حماة جريمة ارتكبها حافظ الأسد، أم رأوا فيها أيضًا هزيمة لخصوم كانوا يخشون انتصارهم؟
قد يجتمع التفسيران لدى الشخص نفسه، وفي هذه المسافة تستطيع السلطة ترسيخ واحدة من أخطر المعادلات: النظام الذي يظلمك هو نفسه الذي يقنعك بأن سقوطه سيعرضك لخطر أكبر.
وقد تناول غولدسميث في أبحاثه العلاقة بين الشعور بانعدام الأمان الطائفي والاعتماد السياسي على نظام الأسد، وهي علاقة لا تشمل العلويين جميعًا، لكنها تساعد في تفسير كيف يمكن لسلطة أن تفشل في تحسين حياة بعض مؤيديها، وتنجح في إقناعهم بأنها ضمانة بقائهم.
وهون تلتقي ذاكرة الفقر بذاكرة الخوف، فالماضي الذي يُستحضر بوصفه زمن حرمان قد يُستحضر أيضًا بوصفه زمن ضعف وانعدام حماية، ويصبح حافظ الأسد الرجل الذي يُنسب إليه الخروج من الماضيين معًا، وليس ضروريًا أن تكون هذه الرواية دقيقة في تفسير الصعود الاجتماعي أو توزيع مكاسبه، لأن وظيفة الأسطورة السياسية لا تتوقف على دقتها التاريخية.
وهكذا صار حافظ، في نظر بعض مؤيديه، أكثر من رئيس، أصبح مؤسس مرحلة، والرجل الذي يُنسب إليه انتقال الجماعة إلى موقع القوة، رغم أن حضور العلويين في الجيش والدولة بدأ قبله، ورغم أن كثيرين منهم ظلوا فقراء أو معارضين أو ضحايا لأجهزته.
ولم تكن عبادة شخصية حافظ شأنًا علويًا خاصًا، فصوره وتماثيله وشعاراته كانت مفروضة على السوريين جميعًا، وتعليق صورة الرئيس في مؤسسة حكومية كان أشبه بتعليق طفاية حريق… مو مطلوب منك تحب أيًا منهما، المطلوب أن يكون موجودًا عندما يحضر المفتش. لكن صورته على جدار دائرة حكومية شيء، وصورته في رواية جماعة عن تاريخها شيء آخر.
ومع انتقال السلطة إلى بشار سنة 2000، اكتملت مفارقة الجمهورية الوراثية، فقد عُدل الدستور لتخفيض الحد الأدنى لسن الرئيس من أربعين إلى أربع وثلاثين سنة، وهو عمر بشار يومها، وهكذا اكتشف السوريون أن العمر المناسب لحكم الجمهورية معلومة يمكن استخراجها من شهادة ميلاد ابن الرئيس.
لم تعد الأسرة الحاكمة مجرد عائلة تستفيد من السلطة، بل صارت، في الخطاب الرسمي، امتدادًا لتاريخ الدولة نفسها، بينما أصبح نقد حافظ الأسد عند بعض مؤيديه مساسًا بالقصة التي تفسر لهم كيف انتقلت جماعتهم من الضعف إلى القوة.

تمثال لحافظ الأسد مع صورة للعائلة الأسدية المتسلطة في إحدى ساحات حلب 1994 (التاريخ السوري المعاصر)
الحرب… عندما صار قتيلك قاتلي
أعادت الثورة سنة 2011 فتح المخاوف القديمة في ظروف أشد تعقيدًا، فقد حذر النظام من صعود جماعات إسلامية متطرفة، ثم ظهرت بالفعل تنظيمات ارتكبت جرائم طائفية ضد العلويين، وصدرت خطابات تحريضية جعلت الخطر يتجاوز حدود الدعاية الرسمية.
وليس من السهل أن تقنع إنسانًا بأن خوفه مجرد صناعة إعلامية، بعدما يرى من يهدده بالقتل بسبب هويته، لكن النظام استثمر هذا الخوف، وخلط بين حماية المدنيين وحماية الأسرة الحاكمة، وبين الدفاع عن الدولة والدفاع عن الأجهزة التي ارتكبت الجرائم بحق سوريين آخرين.
ثم دخلت الحرب إلى البيوت عبر القتلى، ففي عائلات علوية كثيرة لم تعد العلاقة بالنظام مجرد وظيفة أو واسطة أو خوف من المخابرات، بل أصبحت مرتبطة بابن أو أخ أو قريب قُتل في الجيش أو الأمن أو التشكيلات المسلحة.
وهون تبدأ المعضلة الأصعب: قد يكون من تسميه عائلة “شهيدًا” مسؤولًا، في نظر عائلة أخرى، عن قتل ابنها، وقد يكون مجرمك ابني، وقاتلك شهيدي.
القرابة لا تمنح أحدًا حصانة أخلاقية، لكنها تجعل الاعتراف بالمسؤولية عن الجريمة أكثر إيلامًا، لأن السؤال عن النظام يتحول إلى سؤال عن معنى موت أحد أفراد الأسرة.
وهذه ليست خصوصية علوية، بل مأساة تعرفها مجتمعات كثيرة خرجت من حروب أهلية، لكن الحالة السورية أشد تعقيدًا بسبب التداخل بين المؤسسة العسكرية والأسرة الحاكمة والطائفة، وبسبب خطاب قدم التضحية في صفوف النظام باعتبارها دفاعًا عن الوطن والجماعة معًا.
وقد يصبح التخلي عن الرواية التي بررت الحرب، لدى بعض الأسر، أشبه بالتخلي عن الموتى أنفسهم، ولهذا ربما يكون نقد النظام بعد سقوطه أصعب مما كان قبله، فالسؤال لم يعد فقط: هل كان الأسد يستحق الولاء؟ بل صار: لماذا مات أبناؤنا، ومن المسؤول عن موتهم، وما الذي بقي من التضحيات التي طُلبت منهم؟
سقط بشار… لكن ماذا عن حافظ؟
في الثامن من كانون الأول 2024 انهار نظام بشار الأسد، وفر الرئيس الذي أمضى سنوات يطالب السوريين بالصمود والتضحية، تاركًا خلفه بلدًا مدمرًا ومجتمعًا منهكًا وذاكرة ثقيلة من الجرائم والخسائر.
لو كانت الأسدية مجرد منفعة مادية أو خوف من المخابرات، لكان سقوط النظام كافيًا لإنهائها، لكن نصف قرن من الحكم يترك تصورات عن التاريخ والأمن والمكانة الاجتماعية، وهذه لا تختفي بالضرورة مع اختفاء الأجهزة التي صنعتها.
وعبارة مثل “بشار خاننا” ممكن تحمل معنيين مختلفين، قد تعني أنه دفع أبناء الناس إلى الموت دفاعًا عن سلطته ثم هرب، وفي ذلك بداية مراجعة جذرية للعلاقة بالنظام، وقد تعني أنه خان تضحيات من اعتقدوا أنهم يقاتلون دفاعًا عن جماعتهم وبلدهم، من دون مراجعة للرواية التي منحت هذه التضحيات معناها.
وفي الحالتين يسقط بشار، لكن سقوطه لا يجيب عن السؤال المتعلق بحافظ.
فالأب مات قبل انهيار النظام الذي بناه، ويمكن أن يحتفظ في ذاكرة بعض مؤيديه بصورة الرجل القوي الذي رفع مكانة العلويين، بينما يتحمل الابن مسؤولية الهزيمة والهرب، وهكذا قد يكون التخلص من بشار أسهل من التخلص من حافظ، لأن الأول ارتبط بالنهاية الكارثية، أما الثاني فما زال قابلًا للاستدعاء بوصفه مؤسسًا لعصر القوة، شريطة تجاهل الثمن الذي دفعه السوريون جميعًا مقابل هذه القوة.
ولا تحتاج حماية صورة المؤسس إلى إنكار الجرائم دائمًا، يكفي أحيانًا فصلها عن مسؤوليته، أو نسبتها إلى المحيطين به، أو تقديمها بوصفها ضرورات فرضتها الأخطار.
وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع شخص أن يرفض بشار الأسد، ويحتفظ بحافظ الأسد مرجعًا إيجابيًا لتاريخ جماعته؟ إذا كانت الإجابة نعم لدى بعض الناس، فهذا يعني أن أثر الأسدية في الهوية قد أصبح مستقلًا جزئيًا عن بقاء الأسرة الحاكمة نفسها.

العلوية الأسدية أجبرت بعض السوريين على السجود لصورة بشار الأسد بعد اندلاع الثورة (العربي القديم)
مجازر الساحل… عندما يعود الخوف بعد سقوط من صنعه!
لم يمضِ وقت طويل على سقوط النظام حتى شهد الساحل السوري، في آذار 2025، عمليات قتل وانتهاكات جسيمة طالت مدنيين علويين، إلى جانب انتهاكات ارتكبتها مجموعات موالية للنظام السابق، وقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا هذه الوقائع، وأشارت إلى أن بعض الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب.
وهون يجب الانتباه إلى خطأ خطير: العلوي الذي يخاف على حياته بعد هذه المجازر ليس أسديًا بالضرورة، قد يكون معارضًا للنظام السابق، أو واحدًا من ضحاياه، أو شخصًا لم تكن له علاقة بالسياسة أصلًا، ولا يحتاج إلى أن يكون قد صدق دعاية حافظ الأسد حتى يشعر بالخطر عندما يصبح الانتماء الطائفي سببًا محتملًا لاستهدافه.
لكن هذه الجرائم تمنح سردية النظام القديمة فرصة جديدة للحياة، فمن قال إن سقوط الأسد سيؤدي إلى استهداف العلويين يستطيع الآن الاستشهاد بجرائم وقعت فعلًا، حتى لو كان النظام نفسه قد ساهم في إنتاج الانقسامات والخوف الذي تستثمره هذه السردية.
وهكذا قد يُعامل العلوي باعتباره أسديًا، فيشعر أنه مستهدف بسبب هويته، فيزداد تمسكه بالتضامن مع جماعته، ثم يُقرأ هذا التضامن بوصفه دليلًا إضافيًا على أسديته… دائرة تعيد إنتاج الاتهام والخوف معًا.
ولهذا لا يجوز أن نبحث عن استمرار الأسدية في مجرد الخوف أو التضامن أو المطالبة بالحماية، فهذه حقوق ومشاعر قد يحملها أشخاص رفضوا الأسد طوال حياتهم، السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الرواية التي ربطت أمن الجماعة بحافظ الأسد، وبررت جرائمه باعتبارها شروطًا لبقائها، ما زالت حاضرة بعد سقوط حكمه، وهذا يحتاج إلى شهادات ودراسات ميدانية، لا إلى افتراضات عن مواقف الناس.
كما أن محاسبة مرتكبي جرائم النظام السابق لا يمكن أن تقوم على تحميل جماعة دينية مسؤولية أفعال أفراد منها، مثلما لا يمكن تبرير الجرائم التي ارتكبت بعد سقوطه بذريعة الانتقام منه، فإذا كانت الأسدية قد نجحت في ربط مصير السلطة بمصير الجماعة، فإن تفكيك هذا الربط لا يبدأ بمعاقبة الجماعة، بل بإعادة المسؤولية إلى الأشخاص والمؤسسات والأفعال المحددة.
علوية ما بعد الأسد… من يملك حق تعريف الجماعة؟
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس إذا بقي هناك علويون يحبون حافظ الأسد أو يرفضون بشار، بل من يملك حق تعريف العلوية بعد سقوط الأسرة الحاكمة، هل هم المشايخ الذين ورثوا تقاليدها الدينية؟ أم الضباط الذين ارتبط نفوذهم بالدولة السابقة؟ أم المعارضون والناشطون الذين حاولوا فصل الجماعة عن السلطة؟ أم الأجيال الجديدة التي لم تعرف من تاريخها إلا الحرب والخوف والانهيار؟
وليس ضروريًا أن تكون الإجابة اسم شخص أو مؤسسة، فقد يكون الخروج من الأسدية مرتبطًا أصلًا بالتخلي عن فكرة وجود جهة واحدة تملك حق الحديث باسم العلويين جميعًا. فالعلوي لا يحتاج إلى إنكار فقر أجداده كي يرفض تحويل حافظ الأسد إلى مؤسس لتاريخ جماعته، ولا إلى إنكار ما تحقق لبعض أبنائها من تعليم ووظائف وتحسن في المعيشة كي يرفض تحويل هذه المكاسب إلى دين سياسي للأسرة الحاكمة، ولا يحتاج إلى التخلي عن ذاكرة قتلاه كي يعترف بأن الحرب التي خاضها النظام لم تكن حربًا لحماية العلويين وحدهم، مثلما لا يحتاج إلى التخلي عن هويته الدينية كي يرفض الأسدية… فالهوية العلوية أقدم من حافظ الأسد، وحق الجماعة في الوجود والأمان والمعتقد لا ينبغي أن يكون مشروطًا بموقفها من حاكم سابق.
وربما تكون إحدى المآسي أن النظام لم يستخدم قطاعات من المجتمع العلوي في الدفاع عن سلطته وحسب، بل ترك أثرًا في الطريقة التي فهمت بها بعض هذه القطاعات تاريخها وموقعها بين السوريين، ولهذا فإن سقوط بشار لا يعني بالضرورة سقوط الرواية التي جعلت من حافظ الأسد نقطة تحول في تاريخ الجماعة، ولا يعني أن الخوف الذي استثمره النظام قد انتهى، خصوصًا بعدما صار بعضه واقعًا مؤلمًا في جرائم ارتُكبت بعد سقوطه.
“العلوية الأسدية”، بهذا المعنى، ليست مذهبًا دينيًا، ولا اسمًا آخر للطائفة العلوية، ولا لائحة اتهام جماعية، إنها فرضية عن أثر تاريخي طويل أعاد ترتيب عناصر هوية أقدم من الأسد بكثير، وقد يختفي الاسم مع الزمن، بينما يبقى شيء من أثره تحت أسماء أخرى.
وربما لهذا استهلك السؤال “هل كان نظام الأسد علويًا؟” من وقتنا أكثر مما يستحق، لأن هناك سؤالًا آخر يقلب المرآة كلها: ماذا فعل نصف قرن من حكم الأسد بهوية العلويين نفسها؟
وإذا كان تغيير جزء من الهوية يعيد ترتيب بقية أجزائها، فربما لن يكون السؤال بعد مئة عام عما إذا بقي مصطلح “العلوية الأسدية” مستخدمًا أو اختفى، بل سيكون أبسط وأصعب في الوقت نفسه: عندما ينظر مؤرخ ذلك الزمن إلى العلويين قبل حافظ الأسد وبعده، هل سيرى الجماعة نفسها وقد مر فوقها نظام سياسي، أم سيرى أن نصف القرن الأسدي أصبح هو الآخر واحدًا من الفصول التي أعادت تعريف الجماعة لنفسها؟
ربما انتهى حكم الأسد إلى غير رجعة، وربما تتلاشى الأسدية السياسية مع الزمن، لكن الهوية التي دخلت نصف قرن من حكمه لا يُفترض أنها خرجت منه كما دخلت… والسؤال الذي يستحق أن يشغلنا الآن ليس ما إذا كان العلويون قد تخلصوا من الأسد، بل كيف يستطيعون، مع بقية السوريين، التخلص من التاريخ الذي صنعه بينهم.

