العربي الآن

قبل أن يختفي الركام: كيف تحمي سوريا أدلّة المفقودين والانتهاكات أثناء إعادة الإعمار؟

هل توجد تعليمات واضحة لدى فرق الإزالة؟ وهل تلقّى العاملون تدريباً على الإبلاغ عن المكتشفات المشتبه بها؟ ومن يملك صلاحية تقييم الموقع وتحديد الخطوة التالية؟ وكيف تُحفظ سجلات المواد المنقولة؟

منى أسامة شلهوب – العربي القديم

بين الحاجة إلى ترميم المنازل وضرورة حفظ الأدلّة المحتملة، تبرز أهمية تنظيم إزالة الأنقاض بما يحمي الأرواح ويصون حقّ العائلات في معرفة الحقيقة.

تفتح إزالة أنقاض المنازل المدمّرة باباً أمام عودة السكان واستعادة الخدمات. لكنّ بعض المواقع قد تحمل، إلى جانب آثار الدمار، معلومات تساعد في كشف مصير مفقودين أو توثيق انتهاكات. وهنا يبرز سؤال يتصل بمستقبل إعادة الإعمار: كيف يمكن رفع الركام من دون إتلاف ما قد تكون له قيمة إنسانية أو تحقيقية؟

أعاد تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تسليط الضوء على هذه المسألة، مقترحاً إرشادات حقوقية وقانونية لإدارة إزالة الأنقاض خلال المرحلة الانتقالية. ويكتسب التمييز بين طبيعة التقرير ونتائجه أهمية أساسية؛ فهو دراسة نظرية وتحليلية، ولا يقدّم توثيقاً ميدانياً لحوادث محدّدة أُتلفت فيها أدلّة أثناء الإزالة.

ما الذي قد يضيع مع الركام؟

يشير التقرير إلى أنّ الأنقاض قد تخفي رفاتاً بشرية أو بقايا ذخائر، وأنّ بعض المواقع قد تحتفظ بآثار تساعد على فهم طبيعة الهجمات، مثل شظايا المقذوفات ومواضع الارتطام وأنماط الانهيار. وقد تحتوي مواقع احتجاز أو مواقع أمنية سابقة على معلومات مرتبطة بانتهاكات جسيمة. لكنّ هذه الاحتمالات لا تعني وجود أدلّة تحت كل مبنى مدمّر، بل تستدعي تقييماً يتناسب مع طبيعة كل موقع.

ومن هذا المنطلق، يصبح توثيق حالة الموقع قبل تغيير معالمه خطوة تستحقّ الاهتمام. فالسؤال لا يقتصر على الأشياء التي قد يُعثر عليها، وإنما يشمل أيضاً المعلومات التي يمكن أن تضيع إذا نُقلت المواد من دون تسجيل مصدرها أو ظروف العثور عليها.

العائلات بين انتظار العودة وانتظار الإجابات

لا يمكن مناقشة حماية الأدلّة بمعزل عن حاجة السكان إلى مساكن آمنة وطرق مفتوحة وخدمات أساسية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال قضية المفقودين في ملفّ تقني منفصل عن حياة العائلات.

في بيان صدر في آب/أغسطس 2025، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنّها سجّلت أكثر من 37 ألف شخص في عداد المفقودين في سوريا خلال السنوات الأربع عشرة السابقة. وأوضحت أنّ هذا الرقم يخصّ الحالات المسجّلة لديها، ولا يمثّل العدد الإجمالي للمفقودين في البلاد. كما شدّدت على ضرورة استمرار دعم العائلات وتعاون الجهات المعنية للوصول إلى إجابات.

ويضع ذلك الجهات المسؤولة أمام حاجتين ينبغي التعامل معهما معاً: تسهيل استعادة الحياة اليومية، وحفظ المعلومات التي قد تساعد العائلات في معرفة مصير أحبّتها. ويتطلّب هذا تواصلاً واضحاً يشرح أسباب الإجراءات المتّخذة ومدّتها والجهات المسؤولة عنها، حتى لا يشعر الأهالي بأنّ حقوقهم مؤجّلة من دون تفسير.

حفظ المعلومات واحترام كرامة الضحايا

حذّرت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كينتانا، في بيان صدر في كانون الثاني/يناير 2025، من أنّ تدخّلات حسنة النيّة قد تلحق الضرر بالسجلات والمعلومات والمواقع المهمة للبحث، ومنها أماكن الدفن. وأكّدت ضرورة حمايتها، وتعزيز التنسيق والمنهجيات المتخصّصة في جمع المعلومات وحفظها وتحليلها.

وتوضح المؤسسة أنّ البحث يشمل جميع المفقودين، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو ظروف اختفائهم، وأنّه يبدأ بافتراض أنّهم أحياء. لذلك، فإنّ البحث عن الرفات وتحديد هويتها جزء من هذا المسار، ولا يختصر قضية المفقودين بأكملها.

وتبرز هنا مسؤولية التغطية الإعلامية أيضاً: فالاشتباه بوجود رفات لا يثبت هويتها، والعثور على متعلّقات شخصية لا يحسم مصير صاحبها. والدقّة في نقل هذه المعلومات ضرورية لحماية العائلات من استنتاجات متسرّعة قد تزيد معاناتها.

من التوصيات إلى إجراءات العمل

يوصي تقرير الشبكة بتصنيف المواقع بحسب مخاطرها، وتوثيقها بصورة مناسبة، وإخضاع المواقع المشتبه باحتوائها على رفات أو ذخائر لإشراف متخصّص. كما يؤكّد أنّ حماية الأرواح تتقدّم عندما يشكّل التأخير خطراً حقيقياً، وأنّ حفظ الأدلّة لا يقتضي حظراً شاملاً على إزالة الأنقاض.

لكنّ التوصيات تفتح أسئلة تحتاج إلى متابعة ميدانية: هل توجد تعليمات واضحة لدى فرق الإزالة؟ وهل تلقّى العاملون تدريباً على الإبلاغ عن المكتشفات المشتبه بها؟ ومن يملك صلاحية تقييم الموقع وتحديد الخطوة التالية؟ وكيف تُحفظ سجلات المواد المنقولة؟

لا يمكن الجزم بمستوى التدريب أو مدى تطبيق الإجراءات من دون مقابلات ووثائق ومعاينة للعمل. وهذه الفجوة بين التوصيات والممارسة هي ما ينبغي أن يبحث فيه التحقيق الصحفي.

إعمار يصون الحياة والحقيقة

تحتاج إدارة الأنقاض إلى مسؤوليات واضحة وموارد وخبرات متاحة، حتى لا يُترك العامل أو صاحب المنزل أمام قرارات تتجاوز قدرته واختصاصه. كما تحتاج إلى إشراك العائلات واحترام خصوصيتها وكرامة الضحايا.

فالعودة إلى منزل آمن ومعرفة مصير قريب مفقود حقّان ينبغي أن يجدا مكانهما في خطط التعافي. وكلّما بدأ التنسيق والتوثيق مبكراً، ازدادت فرص إزالة آثار الدمار مع الحفاظ على ما قد يساعد في فهمه ومساءلة المسؤولين عنه. بذلك، تصبح إعادة الإعمار مساراً لاستعادة الحياة، وحفظ حقّ الناس في الحقيقة

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى