الارتجال في الأداء الحكومي السوري من الضرورة إلى النهج
المسؤولية لا تعني معاقبة كل من يتعثر، لأن بعض المشروعات قد تواجه ظروفاً خارجة عن السيطرة، وإنما تعني التمييز بين التعثر المبرر، وسوء التقدير والإهمال.

د. زياد الغزالي – العربي القديم
في المراحل الانتقالية، قد يصبح الارتجال ضرورة تفرضها سرعة التحولات وضغط الأزمات وضيق الوقت. لكن الضرورة المؤقتة تتحول إلى مشكلة إدارية عندما تصبح بديلاً عن التخطيط، ويتحول القرار العاجل إلى نمط دائم في إدارة الدولة. وهذه إحدى المسائل التي تستحق النقاش في التجربة الحكومية السورية، حيث تتداخل متطلبات استعادة الخدمات مع تحديات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وإصلاح المؤسسات.
تواجه سوريا عدداً كبيراً من الملفات التي تحتاج إلى قرارات، وتواجه تحدياً أكبر يتمثل في ترتيب هذه الملفات، وتحديد الأولويات، وتنسيق السياسات، وضمان تنفيذ القرارات ضمن جداول زمنية واضحة. فإصدار القرار لا يعني حل المشكلة، والإعلان عن المبادرة لا يساوي تحقيق النتائج، كما أن كثافة النشاط الحكومي لا تعكس بالضرورة كفاءة الأداء.
تفرض الأزمات أحياناً اتخاذ قرارات عاجلة، سواء لمعالجة نقص الخدمات أو احتواء اضطراب اقتصادي أو الاستجابة لاحتياجات السكان العائدين إلى مناطقهم. غير أن القرار العاجل يظل جزءاً من إدارة رشيدة عندما يستند إلى تقدير للنتائج، ويخضع للمراجعة، ويندرج ضمن سياسة أوسع. أما عندما يُتخذ بمعزل عن بقية السياسات، أو يُعدَّل قبل تقييم أثره، فإنه قد ينقل المشكلة من قطاع إلى آخر بدلاً من حلها. ويظهر ذلك بوضوح في السياسات الاقتصادية. فدعم الإنتاج المحلي لا يتحقق بمجرد إعلان تسهيلات للمصانع، إذا ظلت مشكلات الكهرباء والتمويل والنقل والجمارك تعيق تشغيلها. وتشجيع الاستثمار لا يتحقق بالدعوات وحدها، بل يحتاج إلى قواعد قانونية مستقرة، وإجراءات إدارية قابلة للتوقع، ونظام مصرفي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي. كذلك، فإن أي تغيير في الدعم أو الأسعار أو الرسوم يحتاج إلى دراسة أثره في تكاليف الإنتاج ودخول الأسر والقدرة الشرائية. فالقرار الذي يحقق إيراداً إضافياً للخزينة قد يفرض، إذا لم تُدرس انعكاساته، تكاليف أكبر على قطاعات الإنتاج أو الفئات محدودة الدخل. ولا تعني هذه المخاطر الامتناع عن الإصلاح، بل تعني تنفيذه وفق تسلسل مدروس، مع توفير بدائل اجتماعية للفئات الأكثر تأثراً.
من مظاهر الارتجال أن تتعامل المؤسسات مع المشكلات كما لو كانت ملفات مستقلة. وعندما تغيب آليات التنسيق، قد تتخذ كل وزارة قرارات تبدو منطقية ضمن اختصاصها، لكنها لا تنتج بالضرورة نتيجة متكاملة على المستوى الوطني. لذلك، تحتاج الحكومة إلى مركز تنفيذي يتابع الأولويات المشتركة، ويحسم التعارض بين السياسات، ويربط الموازنات بالنتائج المستهدفة. ولا يكفي أن تجتمع الوزارات لتبادل المعلومات أو عرض العقبات. المطلوب أن ينتهي الاجتماع إلى قرارات محددة، ومسؤوليات واضحة، ومواعيد للتنفيذ، وآلية لمراجعة ما تحقق. ويمكن أن تكون المتابعة الأسبوعية للملفات ذات الأولوية أداة فعالة، شرط أن تستند إلى بيانات دقيقة، وألا تتحول إلى سلسلة اجتماعات إضافية تستهلك الوقت من دون معالجة أسباب التعثر.
إن الانتقال من الارتجال إلى الأداء المؤسساتي يحتاج إلى تغيير آلية العمل الحكومي. وتبدأ الخطوة الأولى ببرنامج تنفيذي يحدد أولويات محدودة وواضحة، ويحولها إلى أهداف قابلة للقياس، ويربط كل هدف بجهة مسؤولة وموازنة وجدول زمني. ثم تأتي المتابعة والتقييم. فبدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن مشروعات الكهرباء أو المياه أو إعادة تشغيل المصانع، ينبغي نشر مؤشرات دورية توضح ما أُنجز، وما تعثر، وأسباب التأخر، والإجراءات التصحيحية المتخذة. وتتيح هذه الآلية التمييز بين العقبات التي تتطلب قراراً سياسياً أو مالياً، وتلك التي تعود إلى ضعف الإدارة أو سوء التنسيق. كما يتطلب الأداء المؤسسي تطوير الإدارة العامة، واختيار المسؤولين وفق الكفاءة، وتوضيح الصلاحيات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقابة على الإنفاق والعقود العامة. وفي هذا السياق، يشكل مشروع البنك الدولي لتعزيز الإدارة المالية العامة في سوريا، الذي أُعلن عنه في آذار 2026، مثالاً على أهمية تحسين إعداد الموازنة وتنفيذها، وتطوير المشتريات العامة، وتعزيز الشفافية والرقابة على استخدام الأموال.
ولا تكتمل هذه المنظومة من دون مساءلة واضحة. فالمسؤولية لا تعني معاقبة كل من يتعثر، لأن بعض المشروعات قد تواجه ظروفاً خارجة عن السيطرة، وإنما تعني التمييز بين التعثر المبرر، وسوء التقدير، والإهمال، وسوء استخدام الموارد. فالمحاسبة العادلة لا تحمي المال العام فحسب، بل تمنح الموظف الكفء حافزاً للعمل، وتمنع تحول المسؤولية العامة إلى موقع بلا التزامات قابلة للتقييم.
تحتاج سوريا إلى حكومة تستطيع التحرك بسرعة، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مؤسسات تمنع تكرار الأخطاء، وتتعلم من نتائج قراراتها، وتبني سياساتها على المعلومات لا على الانطباعات. فمحدودية الموارد لا تبرر غياب التخطيط، بل تجعل ترتيب الأولويات أكثر إلحاحاً. وضغط الوقت لا يلغي الحاجة إلى التنسيق، بل يزيد كلفة القرارات المتعارضة.
في النهاية، إن بناء الدولة لا يبدأ عندما تتوقف الحكومة عن مواجهة الأزمات، فهذا أمر غير واقعي في مرحلة انتقالية معقدة، بل عندما تصبح لديها القدرة على التعامل مع الأزمات من دون أن تتحول إدارتها إلى أزمة دائمة. وهذا يقتضي الانتقال من منطق المبادرات المنفردة إلى البرامج المتكاملة، ومن متابعة التصريحات إلى متابعة النتائج، ومن الاعتماد على اجتهاد الأفراد إلى بناء مؤسسات تستمر في العمل بصرف النظر عن تغير الأشخاص. فالارتجال قد يكون استجابة مفهومة في لحظة استثنائية، لكنه لا يصلح أساساً لإدارة دولة تتطلع إلى التعافي والاستقرار. والاختبار الحقيقي للأداء الحكومي ليس عدد القرارات التي تصدر، بل قدرة المؤسسات على تحويلها إلى خدمات أفضل، وفرص عمل أوسع، وموارد تُدار بكفاءة، وثقة عامة تُبنى بالإنجاز لا بالوعود.

