ملاعق ذهبية على موائد الشعر العربي الفقير: قراءة في ترجمة الشعر العربي المعاصر
أصبح المترجم الغربي، بتوجيه من المؤسسات الأكاديمية، يركض خلف هذا الغموض المعولم لأنه يجد فيه مادة طيعة للتفكيك الألسني والنقد البنيوي البارد، تاركًا النص الواضح الفاضح للرواد منسياً تحت غبار الإهمال.

نوار الماغوط – العربي القديم
أروي عن عمي محمد الماغوط حكاية مفعمة بالمرارة الساخرة حين سألته ذات يوم عن سبب غياب قصائده عن الترجمات العالمية، فأجاب بنبرته الحادة والمتهكمة بأن الوجع لا يحتاج إلى مترجم، بل إلى من يتألم. هذه العبارة العفوية هي تملص ذكي من وطأة التهميش العالمي!
تُطرح اليوم قضية ترجمة النتاج الأدبي العربي في الأوساط الأكاديمية والثقافية بوصفها جسرًا للعالمية، من المفهوم والمنطقي جدًا أن نترجم القصة القصيرة أو الرواية، لكونها تعتمد في بنيتها الأساسية على السرد الروائي أو القصصي وتخلو في أغلبها من التكثيف الشعري، مما يجعل نقل حكايتها وحبكتها وأفكارها إلى لغة أخرى أمرًا ممكنًا دون خسائر في جوهر النص الأصلي، ولكن الأمر يختلف تمامًا عندما نريد ترجمة الشعر؛ فهنا نصبح أمام مأزق حقيقي، وتفكيك هذه البنية يكشف عن مهزلة حقيقية تشوب حركة النشر والترجمة.
إن المقولة النقدية الراسخة بأن “الشعر الجيد يحتاج إلى قارئ جيد” تضعنا أمام مأزق إبستمولوجي، فإذا كان النص الشعري يراوغ أبناء جلدته الذين يتنفسون ذات المعاناة ويشتركون في المرجعية الثقافية نفسها، فكيف يمكن له أن يعبر المحيطات اللغوية دون أن يفقد معناه؟ وكيف استقامت معادلة الترجمة اليوم لتجعل من الغموض النخبوي جواز مرور عالمي، بينما تترك الوضوح الإنساني العظيم على رصيف المغادرين؟
كيف استقامت معادلة الترجمة اليوم لتجعل من الغموض النخبوي جواز مرور عالمي، بينما تترك الوضوح الإنساني العظيم على رصيف المغادرين؟
تكمن الصدمة الأولى في المشهد الثقافي المقارن عند معاينة الإرث الشعري لجيل العمالقة والرواد، سواء أولئك الذين أسسوا لـ “قصيدة النثر” وثورتها الإيقاعية والدلالية مثل محمد الماغوط، أدونيس، أنسي الحاج، ويوسف الخال. أو قامات شعر التفعيلة التي صاغت وجدان الأمة، مثل محمود درويش، بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة. المفارقة الصادمة هنا هي أن هؤلاء الكبار لم تُترجم أعمالهم بالقدر الذي يستحقونه عالميًا، وظل الجزء الأكبر من متنهم الإبداعي حبيس اللغة العربية. واللافت نقديًا، أن قصائد هؤلاء الرواد في بنيتها العظمى ليست غامضة، ولا مغرقة في الطلاسم والميثولوجيا، وبالتالي فإن ترجمتها ونقلها إلى لغة أخرى لم تكن معضلة مستعصية على الفهم. حين كتب الماغوط عن الجوع والخوف والكرامة، وحين رثا درويش أحمد الزعتر أو كتب السياب أنشودة المطر، كانت المعاني الإنسانية والوجودية والسياسية تتدفق بوضوح آسر ومباشرة لا تفتقر إلى العمق الفني. ومع ذلك، حُرم القارئ الغربي من ملامسة هذا الصدق العاري، وربما كان ذلك لأن لغة هؤلاء الكبار كانت تنبثق من زوايا الشارع الضيق وحرارة اللحم الحي، وهو ما تعجز برودة المؤسسات الثقافية الغربية عن استيعابه أو تسويقه ضمن قوالبها الجاهزة.
على الطرف النقيض تمامًا، تتبدى المفارقة السريالية في المشهد المعاصر عند تأمل واقع شعراء اليوم في فضاء التفعيلة وقصيدة النثر الحرة، ونخص بالذكر قامات بارزة، مثل فرج بيرقدار ونوري الجراح، حيث نجد أننا انتقلنا إلى طور لغوي وشعري مغاير، لقد تحولت القصيدة الحداثية الراهنة إلى مساحات من التجريد المكثف، والرموز الصوفية أو الأسطورية المعقدة، والملاحم الوجدانية المغرقة في الخصوصية الرمزية والبنى اللغوية المركبة. لقد غادرت قصيدة اليوم رصيف الشارع البسيط وتحولت إلى نص نخبوي بامتياز، إلى حد أن المتلقي العربي نفسه، في كثير من الأحيان، بات يحتاج إلى أن يكون شاعرًا بحد ذاته، أو مثقفًا رفيع المستوى، ليتمكن من فك شفرات هذه النصوص والوصول إلى النواة الدلالية الكامنة خلفها. وهنا تبرز السخرية، فهؤلاء الشعراء المعاصرون بنصوصهم المغلقة والمستعصية على القارئ العادي، فُتحت لهم شرفات الترجمة على مصراعيها، وتُرجمت أعمالهم واحتفت بها بعض دور النشر والمهرجانات العالمية لتُنقل إلى كل لغات الأرض تقريبًا. لقد أصبح المترجم الغربي، بتوجيه من المؤسسات الأكاديمية الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، يركض خلف هذا الغموض المعولم لأنه يجد فيه مادة طيعة للتفكيك الألسني والنقد البنيوي البارد، تاركًا النص الواضح الفاضح للرواد منسياً تحت غبار الإهمال.
هذا الانفصام بين وضوح الكبار المتروك وغموض المحدثين المترجم يتجلى بوضوح في اللغات المشهورة كالإنكليزية والفرنسية والألمانية، حيث يتعامل المترجم الغربي مع قصائد شعراء اليوم بوصفها أحجية فكرية لائقة بالصالونات الأدبية، فيغيب وجع الاعتقال والزنزانة عند فرج بيرقدار، أو شتات المنفى السوري والملاحم المتوسطية عند نوري الجراح، ليتحول النص في نسخته الإنكليزية أو الفرنسية إلى مفهوم فلسفي سوسيولوجي منمّق يثير إعجاب النخبة الغربية في مقاهي باريس أو لندن، حيث يُحلل المجاز بنيويًا دون أن يمسهم لهيب الألم الوجودي المكتوب به أصلًا. أما حين يُنقل هذا النص النخبوي المعاصر إلى لغات غير مشهورة ونائية، فإن المهزلة تبلغ ذروتها السريالية، فإذا كان القارئ العربي النخبوي يجهد لإدراك المعنى خلف التراكيب الملحمية المستحدثة، فكيف لمتلقٍّ في جغرافيا مغايرة تمامًا أن يتواصل مع قصيدة تفعيلية مركبة؟
يغيب وجع الاعتقال والزنزانة عند فرج بيرقدار، أو شتات المنفى السوري والملاحم المتوسطية عند نوري الجراح، ليتحول النص في نسخته الإنكليزية أو الفرنسية إلى مفهوم فلسفي سوسيولوجي منمّق
إن غياب السياق التاريخي والنفسي والرمزي المشترك يحول المأساة الإنسانية المكتوبة بعبارات معقدة إلى سوء تفاهم. وإن القراءة الحقيقية للشعر هي فعل شراكة وجودية وليست استهلاك معرفي، والقارئ الجيد هو من يملك في وجدانه ندبة عميقة تطابق تلك الندبة التي تركها الشاعر على الورق. والترجمة بطبيعتها الإجرائية تخلق مسافة أمان باردة بين القارئ الأجنبي والنص، وعندما تُترجم النصوص النخبوية المعاصرة، فإن القارئ الغربي يقرأها من خلف زجاج مضاد للصدمات، يتأمل هندسة التركيب ويتحرى مواطن الغموض لكنه لا يعاني ولا يتألم، وحين يفقد النص قدرته على إحداث الألم الروحي لدى المتلقي، يموت الشعر بوصفه حالة إنسانية ويتحول إلى ترف فكري بارد ومحنّط. كيف للمترجم، مهما بلغت عبقريته، أن ينقل الدلالة الوجودية الكامنة في تنهيدة مثل آخ العربية؟
اللغات الأوروبية الحداثية تميل إلى العقلانية وهندسة العبارة، بينما الشعر العربي، حتى في أوج نخبويته وتجريده اليوم، يظل محملًا بشحنات عاطفية وبكائيات تاريخية جارفة، وحين نُسكن هذه الفوضى الخلاقة داخل قوالب القواعد الغربية الصارمة نرتكب جريمة تطهير ثقافي بحق النص لكي يبدو لائقًا بذائقة المجتمعات المخملية.
أمام هذا التقييم، هل نعلن موت الترجمة ونكفّ عن العبور نحو الآخر؟ بالتأكيد لا، لكن الحل يستلزم إعادة صياغة مفهوم الترجمة الشعرية، فالشعر في جوهره لا يُترجم، بل يُعاد اختراعه في اللغة المستضيفة. إننا في ترجمة قصيدة النثر أو التفعيلة، سواء لرواد الأمس أو لشعراء اليوم، لا نحتاج إلى مترجم أكاديمي بيده قاموس وشهادة في اللسانيات، بل نحتاج إلى شاعر مجنون ومخرّب في اللغة الأخرى، مترجم يملك الجرأة الإبداعية على خيانة الأمانة اللفظية والحرفية للنص في سبيل إنقاذ أمانته الروحية والموسيقية، وعليه أن يستبدل الخوف العربي بخوف غربي مكافئ، وأن يبحث في لغته عن الهوامش والعشوائيات والأعماق الفلسفية التي توازي حرارة النص الأصلي، وإن لم يفعل ذلك، ستصل القصيدة كجثة منمقة في تابوت فخم ملامحها واضحة لكن نبضها متوقف.
إنها مهزلة ثقافية بامتياز تؤكد مأزق المثاقفة المعاصرة، أن تظل نصوص الكبار كالماغوط ودرويش والسياب بوضوحها الآسر وعمقها الكوني محجوبة عن وعي شعوب الأرض، في حين تُشرّع الآفاق لكل لغات الأرض للاحتفاء بنصوص نخبوية معاصرة تحتاج في بيئتها الأم إلى شاعر مترجم يشرحها للمترجم لكي يفهمها. بيد أن هذه المفارقة، على مرارتها، تظل الدليل الدامغ على رفعة الشعر العصي على الترويض، فكونه يمتنع على الترجمة العادلة والمنصفة هو الصك الوحيد على أنه يمتلك روحًا حرة لا تخضع لقوانين العرض والطلب في سوق اللغات العالمية، روحًا ولدت لتبقى ولا تسافر إلى المنافي بجواز مرور مزور.