فنون وآداب

زكي كورديللو ومصيره المجهول: حامل لواء مسرح الظل الرافض للظلم والاستبداد

من أكثر القصص المؤلمة في الوسط الفني، والتي مازال الغموض يكتنفها وتقابل بجحود غير مبرر

عادل العوفي – العربي القديم

مع بزوغ فجر التحرير على سوريا وغلق أكثر الصفحات سوداوية ووحشية في تاريخ البلد؛ مازالت هناك العديد من الملفات الشائكة والاسر المكلومة التي تنتظر الفرج الذي طال للعثور على مفقوديها، وتبحث عن خيط أمل يخرجها من سنوات اليأس وجحيم الشك والخوف، الذي لم توفر عصابات نظام الأسد البائد جهدا لتأجيجه ونفخه في وجوه السوريين

ولعل من أكثر القصص المؤلمة في الوسط الفني، والتي مازال الغموض يكتنفها وتقابل بجحود غير مبرر لشخصية بذلت الكثير من أجل زرع قيم الحب والإخاء والأخلاق الحميدة في نفوس الأجيال الجديدة، من خلال عملها في مسرح الطفل وعالم الدوبلاج؛ وضحت بوقتها وجهدها لحماية تراث سوري عريق وأصيل من الاندثار، حاملا وصية أستاذ ذلك الفن ليصبح علامة مميزة في تاريخ فن مسرح الظل؛ إنها قصة الفنان زكي كورديللو  المعتقل منذ تاريخ 11/08/2012 برفقة نجله مهيار وشقيق زوجته عادل صادق برازي وصديقه اسماعيل حمودة التي مازالت محاطة بالعديد من الأسئلة رغم مرور هذه السنوات، ورغم مرور عامين على التحرير وفتح سجون ومعتقلات نظام الأسد.

زكي كورديللو الزوج والاب  

سألنا السيدة عبير برازي زوجة الفنان زكي كورديللو عن حياة الاسرة قبل ذلك اليوم وعن زكي الزوج والاب لترد ” كانت حياتنا هادئة جدا ومستقرة رغم الصعوبات المادية اسوة بكل السوريين ؛لكننا شيدناها بتروي وشيئا فشيئا ؛وكان حبنا لبعض يذلل كل العراقيل ويذوبها ؛ اذا اردت وصف زكي زوجي وحبيبي لن تسعني الالاف الصفحات والساعات للحديث عنه ولن تستطيع كل كلمات الكون ان توافيه حقه ؛لان اخلاقه وجماله وسيرته الحميدة، وليست من باب المبالغة اذا قلت لك انه لم يرفع صوته بوجهي بحياتي كلها ورغم مشاكل الحياة واختلافنا في الآراء احيانا حول عدة امور في حياتنا اليومية أو فيما يخص الأبناء، لكن صدره الرحب وقلبه الكبير دائما كانوا يحتوون كل المنغصات؛ ولا اخفيك انه علمني الكثير من الاشياء مثل الهدوء والصبر وصفات متعددة وكل من عرفه عن قرب يشهد بأنه انسان رائع وحنون جدا وطيب وحنانه وحبه يسع العالم بأسره.  

كان إنسانا صامتا سواء في حالات الحزن او حتى الغضب والصبر والأمل، وحتى الالم احيانا أخرى. ظل يتألم لأحوال البلد وللمحتاجين والفقراء وبمجرد رؤية اي مشهد بسيط يفتقر للإنسانية كان يحطمه في الداخل ويشعره بالقهر والعجز، ولا يتوانى في تقديم المستطاع. هناك أشياء وحالات لم أكن أعرفها بها إلا بعد اعتقاله حين أخبرني اناس آخرون من الحارة عن وقوفه بجانبهم في أوقات الشدة، وتقديم يد العون والمساعدة لهم على غرار سيدتين تسكنان بالقرب منا الأولى أرملة وسيدة كبيرة في السن كان يقدم لهن الحاجيات الأساسية ومبالغ بسيطة تساعدهن على قساوة الحياة ؛ وكنا في العائلة نتندر عليه بأنه لو كان يقدر على جمع كل المحتاجين في الحارة لما تأخر في احضارهم على مائدة الاكل لأنه لا يقوى على العيش وحيدا او تجنب الاحساس بمعاناة الآخرين”.

اما ابنته تياما فتستعيد علاقتها بوالدها بتأثر:

 “علاقتنا كانت اقرب للصداقة رغم صغر سني، وكان حريصاً على تربيتي على حُسن الأخلاق، ودائما يصحبني معه منذ طفولتي لحضور مسرحيات مثل “روميو وجولييت” واخرى فيها رقص باليه. ومن هنا دخلت عالم الباليه واحببته بالإضافة طبعا الى مسرح الطفل الذي نشأت على حبه؛ وحين كبرت قليلا حاول زرع حب اب الفنون لدي وكان ينزعج حين لا يراني احمل كتابا في يدي وظل مصرا على اخذي لمعرض الكتاب واقتناء الكتب التي تناسب سني، وكان يحثني على الاعتدال في ارائي وفكري والابتعاد عن التطرف فيها، وكنت استمتع بالمشاوير معه في السيارة سواء للمسرح او لدروس الباليه والموسيقى و حتى لتناول الشاورما في الخارج وكنت انتظره على احر من الجمر حين يعود من عمله سواء كممثل او حين كان مديرا لمسرح الحمراء كي يأخذني لشرب “الكوكتيل ” عند “أبو شاكر ” الذائع الصيت في كل سوريا”.

مسرحيات سياسية ومضايقات لا تتوقف

لاب الفنون مساحة شاسعة في حياة الفنان زكي كورديللو وكرس حياته للخشبة رغم العراقيل المحيطة به من كل جانب لاسيما في ظل سطوة الرقابة واحكام النظام لقبضته على الحركة الفنية بشتى اصنافها ؛ وعن هذه المعاناة ونوعية المضايقات التي تعرض لها قبل الثورة روت لنا السيدة عبير ” الحقيقة لا ادري اذا كان يصح ادراجها تحت مسمى المضايقات قبل الثورة ؛ لكن مثلا كانت اعماله المسرحية تتعرض للرفض بينما يرى اشخاص اقل كفاءة يسمح لهم بالعمل وعانت كثيرا من هذه النقطة رغم انه نجح بعد جهد جهيد في اخراج بعض النصوص التي اشتغل عليها لاحقا ؛ ما جعله يتجه نحو مسرح الطفل الذي وجد فيه الملاذ ويعتبره عالما صادقا قريبا من قلبه وشخصيته بعيدا عن قساوة الكبار وعالم الفن الممتلئ بالكذب والدجل.

وللأمانة برع في مجال مسرح الاطفال وقدم أعمالاَ مميزة رغم بعض العراقيل، وبالأخص فيما يخص التراخيص وغيرها من الحواجز الادارية أمامه. أما في مجال التلفزيون فكان من النادر أن يتصل به أحد من اجل الادوار المتاحة وبأجور زهيدة جدا وباعتباره صاحب عزة نفس وكرامة فكان من المستحيل ان يطلب من احد حتى لو كان سيموت من الجوع؛ ومن هذا المنطلق كانت ادواره التلفزيونية قليلة نوعا ما وأنا فخورة جدا به لكنني أشعر بالقهر حين يسألونني أين أدوار زوجك الممثل لأننا لا نعرفها واضع نفسي مكانه واتخيل شعوره الشخصي بدلا منه، ولذلك كان في بعض الاحيان يقبل ببعض الادوار الصغيرة بسبب وضعنا المادي فقط؛ لكنه من سابع المستحيلات ان يطلب هو العمل من الاخرين مهما ضاقت بنا السبل.

وبالمناسبة حين كان مديرا لمسرح الدمى طلب منه عدم السماح للموظفين بالحديث عن امور الثورة؛ ولصعوبة تقديم الاستقالة بحكم أساليب النظام وممارساته الشنيعة اضطر لكتابة لوحة لإخبارهم بالتوجيهات. أتذكر انه يومها عاد للمنزل مقهورا بعد اجتماعه بالموظفين واعتبر الموقف الذي فرض عليه، مسيئا له ولقناعاته.

بخصوص الرسائل السياسية أظن أن الرقابة لم تفهم مغزى تلك الرسائل وأحيانا كان هناك توجه عام للسماح لهذه النوعية من الاعمال مؤقتا، والدليل أن زكي قدم عملا مسرحيا بعنوان “ابو العلاء المعري” وظل عاكفا على تحضيرها سنتين ونصف وكان يحب المعري كثيرا وبحكم علاقتي الوطيدة باللغة العربية الفصحى كنت اقوم بتصحيح بعض الجمل والعبارات؛ وكانت المسرحية عبارة عن ثلاثة أقسام: الأول لممثلين عاديين، والثاني لمسرح الظل، والثالث مخصص للوحات فنانين تشكيليين، وكان يجوب المناطق بحثا عن هؤلاء الفنانين ليشرح لهم حيثيات العرض وتفاصيله المطلوبة وأتذكر أن الفنان علي فرزات كان ضمنهم وشارك بإحدى لوحاته أيضا؛ بالموازاة مع ذلك هناك فنانين رواة بينهم الفنانة نسيمة ضاهر والفنان اللبناني محمود سعيد رحمه الله. والأخير أشاد بالعمل وأخبر زكي بأنه لم يسبق له الاطلاع على تجربة مماثلة وبهذا التكامل الفني الرائع.

والمسرحية كانت للمسرح القومي وبذل فيها زكي جهدا خرافيا ونالت الموافقة الرسمية وقاموا بعرض عام وقبل بدء العروض الاخرى الرسمية بيوم واحد يأتي القرار الصادم بوقف العرض وكان حينها مدير المسرح القومي الفنان الراحل نضال سيجري؛ وظل زكي يبحث ويسأل عن السبب الحقيقي وراء المنع دون الوصول لنتيجة ولحدود اللحظة مازال الامر مجهولا رغم نيلها لكل الموافقات الامنية المطلوبة حينها؛ البعض فسر الخطوة بغيرة شخصية من احدهم بسبب ردود الفعل الايجابية جدا للعرض الاول وانبهار الجميع به ومن مختلف الشرائح وحتى الصحف وكبار النقاد مثل بسام سفر واخر عراقي اشادوا بالعمل”.

مسرح الظل ووصية الأستاذ

لا يمكن استحضار مسرح الظل في سوريا وحتى الوطن العربي دون ذكر تجربة زكي كورديللو؛ لكن القلة القليلة من تعرف القصة الحقيقية والسر الكامن وراء هذا العشق والاصرار الكبير من طرفه على حماية هذا التراث من الاندثار؛ وهنا تحكي لنا زوجته عن التفاصيل الاصلية لهذه العلاقة والسر الذي غير علاقته بهذا الفن العريق ” قصته مع مسرح خيال الظل طويلة جداً، لكنها بدأت اثناء احدى رحلاته المسرحية لدولة الكويت مع المسرح القومي سنة 1992 كممثل، وبمحض الصدفة كان يتواجد ايضا بنفس المكان الاستاذ عبد الرزاق الذهبي وهو بالمناسبة كان أستاذه بالمعهد ويكن له محبة كبيرة والاخير كان معروفا بتخصصه بعالم مسرح الظل ويعتبر أحد أركان هذا النوع بالبلد؛ وكان لديه عرض مسرحي هو الاخر بنفس البلد وزكي كان يحب حضور هذه العروض، لكن بعد يومين تعرض الاستاذ الذهبي لوعكة صحية قوية مفاجئة لذلك وبين كل طلابه السابقين اختار زكي ليتولى مهمة اتمام العرض الاخر ؛ فكان يتنقل بين عرضه المسرحي والمهمة الجديدة من استاذه التي استقبلها بفرح منقطع النظير وحماس كبير ترك اثرا عميقا عند عبد الرزاق الذهبي الذي اتخذ قرارا حاسما ومصيريا بمجرد العودة لسوريا حين قام زكي بزيارته للاطمئنان على صحته حيث حمله مسؤولية كبيرة على عاتقه تتمثل في مواصلة اداء رسالة مسرح الظل وانها لا يجب ان تتوقف بعد رحيله لأنه ادرك صعوبة وضعه الصحي.

وأتذكر حينها الفرحة العارمة التي اجتاحت زكي بعد طلب أستاذه الذي أمر أولاده بتسليم الخيمة والدمى الأصلية الأربع المصنوعة من الجلد الطبيعي. ومنذ وصية الأستاذ الذهبي كرّس زكي حياته ووقته لهذا الفن واصبح يصمم دمى جديدة ويجهز نصوصا ويقدم عروضا خاصة ناجحة  مثل “مملكة النحل “، ولصعوبة الاستمرار باستخدام الجلد الطبيعي من جلد البقر عوضه باستخدام الورق الشفاف وكان يرسم مشكلا ورشة في المنزل شاركنا فيها جميعا بالعمل معه والبهجة والسرور تملا ارجاء منزلنا قبل كل عرض جديد ؛ وبعد الطفرة الجميلة التي احدثها زكي في هذا المجال جاء فنان تركي لرؤية جديد هذا المجال بسوريا وتعرف على اعماله ليبدأ فصلا جديدا في مسيرته هناك حيث تلقى دعوات لمهرجانات وعروض وايضا للمشاركة ضمن لجن التحكيم وقدم ايضا عروضا يومية في شهر رمضان لقناة جديدة حينها اسمها “تركيا بالعربية “، وسافرت معه مرتين الى هناك مع العلم ان اسمه في بلاد الاناضول اشتهر اكثر من بلده سوريا وكانت تأتيه دعوات متتالية مع وفود متنوعة من مصر والهند وباكستان وبريطانيا و الصين واخرون مهتمين بهذا النوع يقومون بتبادل المعلومات والخبرات بينهم  ؛ وكدليل على العشق الكبير لزكي لهذا النوع كنت امازحه احيانا حول ترتيب ما يحبه ؛ وكان يضع المسرح في المرتبة الاولى وبعده امه رحمها الله  ثم انا ؛ وصدقا لم اكن اغضب جراء ذلك لأنني اعاين شغفه بالمسرح وايضا حبه الجارف لوالدته التي زرعت فيه قيم الحب والحنان والجمال والاخلاق التي يتميز بها”

المنع من التلفزيون السوري

ظل اسم صاحب مسرحية “القبطان كراكوز” حاضرا بين قائمة الأسماء الممنوعة من دخول التلفزيون السوري دون ان نعرف المزيد من التفاصيل حول هذه الواقعة وحيثياتها؛ وتشرح لنا السيدة عبير:

 “نعم لأنه كان يجاهر برأيه وسط الفنانين بمنتهى الصراحة ويعبر عن تبنيه لمطالب الثورة والحراك القائم، ولم يتوانَ عن التعبير عن رفضه لسياسة القتل والاستهداف التي ينتهجها النظام. ويبدو أن هناك أشخاصا كانوا يسجلون ما يقوله، لكنني لا أعرف إذا كان زكي يعرف بصدور قرار المنع لكنه توقف عن الذهاب للمبنى، لكن وبعد اعتقاله احد زملائي في العمل لأنني اعمل مهندسة مدنية بالتلفزيون كذلك  لديه اقارب يعملون في الامن امدني بقائمة وضعها  “محسن غازي ” للممنوعين من دخول التلفزيون وبينهم اسم زكي كورديللو وهذا حدث منذ الاشهر الستة الاولى للثورة”.

زكي كورديللو والثورة السورية

إذا كانت نخبة من الممثلين السوريين الذين وقفوا ضد النظام وعارضوا سياساته القمعية  عادوا اليوم لأرض الوطن بل ومنهم من تبوأ مناصب مهمة بعد انتصار الثورة؛ فهناك من ضحى وقاوم من اجلها لكن لم يجني ثمار ما بذله ومازال مصيره مجهولا لحدود اللحظة ؛وتحكي لنا زوجته موقفه ضد الاستبداد “هو حسم موقفه من الثورة قبل ان تبدأ اصلا لأنه  كان بداخله قهر وغضب بسبب رؤيته  لغياب تكافؤ الفرص سواء لخريجي الجامعات المحرومين من فرص العمل والتوظيف؛ ويرى اناس بدون موهبة ولا كفاءة يستحوذون على المناصب. حتى بخصوص عمله كان زكي يحب المسرح بطريقة لا توصف وشغفه باب الفنون فريد من نوعه ورغم انه قادم من خلفية اكاديمية ومتمكن من عمله وقارئ نهم ولدينا مكتبة ضخمة عن المسرح وتاريخ الفنون  فإن الفرص لم تتح امامه بالمقارنة مع آخرين، وكان يشعر بالغبن والظلم رغم ان احساسه بالأخرين اكبر ويتجاوز النطاق الشخصي؛ فكل ما كان يعانيه من ظلم واستبداد متفشي سياسيا وامنيا ووجود اصدقاء له معتقلين؛ على سبيل المثال انا لدي اخ اعتقل سنة 1982 وظل في المعتقل لمدة 15 سنة في معتقل صيدنايا السيء السمعة وغادره في سنة 1997. كل هذا وما يراه ويسمعه ولّد داخله غضبا مختلفا وهو بالمناسبة لديه طريقة مختلفة عن الجميع حتى في الغضب؛ لذلك بمجرد انطلاق الثورة كان موقفه من الاصل معروفا لذلك ثار مع الناس وغضب وبكى معهم، وكان يتخفى عبر ارتداء نظارات ويضع طاقية أثناء خروجه للمظاهرات وتحديدا حين نذهب لمنطقة السالمية حيث يسكن أهلي، لكن في العاصمة دمشق كان يتجنب الظهور العلني لكونه شخصية معروفة. وفي الأيام الأولى للثورة كانت السعادة والحماس تغمرانه، لدرجة أنه كان يفكر في السفر لتركيا أيضا لتقديم عروض مسرحية لأطفال الشمال السوري (حلب وإدلب وغيرهما والأطفال الموجودون في المخيمات)؛ ولولا أنني أثنيته عن الذهاب خشية مصيرنا أنا والأولاد، لإن المخابرات كانت ستعرف عاجلا أو آجلا بخطوته تلك؛ ليهدأ قليلا بعد فترة تفكير لأنه كان قاب قوسين او ادنى من المغادرة بعد ظل يواكب ظروف هؤلاء الاطفال القاسية من حيث اللجوء والتشرد”.

اليوم المشؤوم

انقلبت حياة اسرة زكي كورديللو رأسا على عقب منذ تاريخ اعتقاله رفقه نجله وشقيق زوجته وصديقه. عن ذلك اليوم والتفاصيل التي رافقته وحياتها بعد غياب الزوج والاب تروي الاستاذة عبير برازي بحرقة:

 “كان يوما مشؤوما وحتى ساعة الحائط في المنزل توقفت عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل لحظة اقتياد زكي لباب المنزل وكان وضعا رهيبا ونظرته لي ولابنتي تياما كانت تحمل الكثير من الخوف والرعب تجاهنا نظرا لما نسمعه من تعرض للفتيات واغتصابهن من لدن  تلك العصابة المجرمة ؛ ولا احد غيري كان قادرا على قراءة تعابير وجهي الذي بدت ملامحه فريدة من نوعها لدرجة ان لون وجهه تغير فجأة.

انتابني شعور للحظات انني لن ارى زوجي وابني وشقيقي مجددا وبعد خمسة عشر عاما حاولت تكذيب هذا الشعور ولا أستطيع الافصاح عنه امام أي شخص اخر وأحاول إخفاء ذلك وبالأخص امام ابنتي تياما التي لا يجب أن أظهر أي ضعف أمامها.

لكن بإيماني وقوتي نجحت في قهر ذلك الشعور وتبديده بأن اليقين بالله مدني بالقوة والصبر وايضا لوجود ابنتي التي تمدني بالقوة وبأن اليوم الذي سأعود لاحتضانهم سيأتي.  دائما تتردد بذهني اغنية فيروز حين استرجع لحظات اعتقال زوجي كلمات “لما ع البيت يا حبيبي بنتودع.. بتخاف تودعني وتفل وما ترجع” هذه الكلمات بمجرد سماعها تشعرني بوجع فظيع لأنها عبرت عن حالة خروج ابو مهيار من المنزل وكذلك ابني مهيار الذي كان دائما حين يعود للبيت يتناول غذائه ويغادر نحو غرفته لكن في ذلك اليوم جاء عندي بغرفتي وقام باحتضاني وتقبيلي كأنه كان يودعني وانا لم استوعب ذلك حينها ولم افهم الرسالة ؛ وهم بالمناسبة لم يتركوا شيئا الا وحطموه وحتى بشقة شقيقي عادل سرقوا المبالغ المالية الموجودة فيها وعندنا كذلك واخذوا الهواتف والحواسيب الشخصية ولم يتركوا لنا شيئا ؛ لدرجة انهم قاموا بإفراغ  البراد في مطبخ شقيقي الذي كان  يجهز لحفل زفافه ونهبوا كل محتويات الاكل فيه؛

بالنسبة لي فعملي كمهندسة بالإذاعة والتلفزيون فرغم تعاون المدير معي وتعاطفه مع ظروفي كنا مجبرين على تحمل تجاوزات الشبيحة والمؤيدين للنظام واتهامهم لنا نحن الثوار الحقيقين بكوننا ارهابيين وسمعتها أكثر من مرة مع الاسف من اناس كانوا حتى الأمس القريب يدخلون منزلنا، لكنهم تنكروا لكل ذلك وصاروا يتهمون زوجي وباقي المعتقلين بكونهم المذنبين.

أما ابنتي تياما فكانت في سن السادسة عشر حين اعتقل والدها وشقيقها وعاشت معاناة لا توصف وايضا كنت في حالة توجس وقلق فظيعين عليها لأننا كنا نعيش في مشروع دمر وكنا نسمع عن حالات خطف للفتيات ونظرا لكوننا نحيا في حالة رعب لا يتوقف وشعور بالمراقبة والملاحقة لان منزلنا تعرض لمداهمات اضافية لاحقة حتى بعد اعتقال زكي وكنت استغرب ماذا يريدون منا بعد؟

اخذوا منا كل شيء ولم يتركوا لنا حتى ما يعلينا على مصاعب الحياة؛ لذلك كنت اقوم بإيصال ابنتي كل يوم لحافلة المدرسة وأعاني من خوف وتوتر شديدين عليها بسبب حتى ظروف القصف المتواصل لمنطقة المهاجرين حيث كانت تدرس قبل أن أقوم بنقلها لنفس المنطقة أثناء فترة البكالوريا، ورغم رغبتها العارمة في دراسة الصيدلة إلا أنها كانت متفوقة في الأدب الإنجليزي ونالت علامات مميزة رغم محاولتها إخفاء حزنها وبكاءها المتكرر لكنها قهرت كل الصعاب ونجحت بتفوق في البكالوريا وحتى الجامعة بعلامات جيدة لتبدأ رحلة معاناة البحث عن العمل حيث يقومون ببحث امني وبمجرد التعرف على انها ابنة زكي كورديللو يكون الرفض هو مصيرها المحتوم، لكن هنا بدأت امورنا المادية تتحسن بدعم هائل من عائلتي التي شردها النظام فبعض اخواتي بأمريكا والسويد والنمسا وبريطانيا ولم يبقى احد في مكانه، رغم محاولتي المستميتة في ان اكون بجانب تياما وتعويض غياب الاب الا ان لا شيء يعوض ذلك. من هذا المنطلق اشتغلت كثيرا على تعزيز الثقة بنفسها ونجحت بذلك لكن الهواجس لم تتوقف وبالأخص بعد انتشار مدمني المخدرات بمنطقتنا لذلك كان توتري كبيرا كلما غادرت المنزل وايضا انتشرت ظاهرة اختطاف الفتيات وطلب الفدية من الاهالي ونحن بشكل او باخر كنا مستهدفين، ليأتي الخبر السار بتقديمها لاستكمال دراستها بفرنسا وغادرت قبلي وتحديدا سنة 2022 ونجحت في الحصول على الماستر في العلوم الانسانية الرقمية وبدأت توظفت وتحسنت امورنا تدريجيا”.

وعن نفس النقطة تتحدث ابنته تياما لتصف حياتها بعد تغييب والدها وما أضحت تعيشه من خوف وقلق ” من خلال قربه مني تعلمت ان اكون على قدر المسؤولية ولا أخشى شيئا، وشخصيتي كانت قوية جدا في تلك المرحلة تحديدا في سن 15 و 16 بفضل ما زرعه بداخلي من قوة وقدرة على المواجهة ؛و ما زلت اتذكر على سبيل المثال رحلاتنا نحو منطقة “بلودان” وكيف كانت امي تخشى علينا من الوقوع في الجبل ؛ لكنني حينها متحررة من ذلك الشعور واستمد شجاعتي تلك من وجوده بجانبي ومعي لدرجة حتى أنّ اقترابي من حافل الجبل لا تخفيني لأنني أشعر به وانه قادر على حمايتي؛ وفي تلك السن كنت شقية جدا. لكن تغيرت نظرتي لها لأنني انكسرت وهذا شعور صعب وبشع ان ينتاب شخصا في سن السادسة عشر فقط. احاول ترميم نفسي ولا زلت اشعر بالضياع وانظر للأمور بسوداوية وغضب كل يوم يكبر بداخلي ؛رغم ان المتأمل لي من الخارج سيلاحظ انني درست ونجحت واعمل حاليا وأحاول بناء نفسي لكن الحقيقة انني منكسرة ولا اشعر بطعم للحياة لولا وجود امي التي هي كل شيء”.  

لعبة الابتزاز وصمت الزملاء

بعد دخول الأسرة في نفق مظلم للبحث عن نقطة ضوء تقودهم نحو الخبر المنشود؛ اصطدمت بعدة حواجز ومكائد كان النظام البائد يجيد حياكتها والعبث بأعصاب الاهالي دون رحمة ولا شفقة؛ لتتحدث أم مهيار عن وجع البحث والمتاهات التي اعترضتها:

  “طوال العشر سنوات لم نترك أحدا لم نستفسر منه، سواء عبر علاقاتي الشخصية  بالتلفزيون وحتى من خلال عائلتي وأخوتي، لدرجة أننا لجأنا الى اشخاص بالقصر الجمهوري وصولا لوزير المصالحة الوطنية “علي حيدر” لمرتين أو أكثر الذي كان صديق اخي علي باعتبارهم نفس دفعة كلية الطب حينها؛ وكان استقباله لنا  في البداية جيدا لكنه في المرة الثانية أخبرنا بل نبهنا، بعدم الاستفسار عنهم مجددا لانهم جزء من عصابة ويتعاملون مع جماعات إرهابية خارجية تمدهم بالمال والسلاح. هنا بدأ الكثيرون يخافون واجد لهم مبررا احيانا؛ لكن البعض عمل على ابتزازانا وفي احدى المرات نجحوا في الحصول على المال منا ثم اختفوا وحينها قمنا بالمحاولة فقط من اجل خطيبة اخي عادل وتيقنت انهم أشخاص كاذبون. وبلغت محاولات الابتزاز هذه أكثر من عشرين كلها من نصابين واستغلاليين”.

وعن وقوف زملاء زكي معهم في تلك الفترة:

 “لا يمكن ان انسى الممثلة نسيمة ضاهر والتي اقدم لها التحية على موقفها النبيل واتصالها الدائم بنا، بل ولم تترك بابا الا وطرقته من اجلنا من وزير الثقافة حينها، إلى زهير رمضان الذي كان نقيبا للفنانين في تلك الفترة، والاخير ومعه وزير الاعلام كانوا يرددون انهم لو لم يكونوا مذنبين لما اعتقلوا. المؤلم ـنهم يعرفون شخصية زكي الإنسانية والمسالمة والبعيدة عن كل الشبهات؛ لكن احيانا انا ابرر للآخرين ممن لم يزورنا في المنزل لان الوضع حينها حقا كان مرعبا، وهم اشخاص تحت الاضواء فمن الطبيعي ان يخافوا وهم احرار طبعا في مواقفهم وتصرفاتهم؛ دون اغفال الفنانة يارا صبري ايضا التي ظلت تنشر عنهم باستمرار على حساباتها الشخصية وفي احدى المرات أخبرتني بوصول معلومات لها بتواجدهم بمكان معين قبل ان تتصل وتعتذر لأنهم قاموا بنقلهم لمكان جديد”.\

اليوم المنتظر وفرحة التحرير

اسوة بكل العائلات السورية التي ظلت تتحرق شوقا ليوم الخلاص والانعتاق من براثين الاستبداد والظلم. كانت أسرة الفنان زكي كورديللو تتابع من الغربة بترقب شديد ما ستؤول إليه الأوضاع بعد اقتراب ساعة الحرية” بصراحة بمجرد التقدم نحو حماة وأنا لدي اقارب كثر في المدينة ممن ذاقوا الامرين من ايام حافظ الاسد وابنه وبالمناسبة حينها فقدت العديد من الاقارب خلال تلك المرحلة حيث أبيدت عائلات بأكملها مع استخدام طرق قذرة اثناء التنفيذ. كنت اتمنى لو عاش البعض منهم كي يعيشوا فرحة التخلص من هؤلاء المجرمين وبالفعل الأصداء التي وصلتنا من هناك كانت فرحة هستيرية لا توصف؛ وانا شخصيا كنت على يقين منذ تحرير حماة بأننا تخلصنا من بشار الأسد. توالت الانتصارات ونحن هنا حينها كان أصدقاء ابنتي مرابطين عندنا بالمنزل بباريس لمتابعة الأحداث والتفاصيل ليل نهار، والكل على أعصابه في انتظار اكتمال الفرحة. وفي الليلة الأخيرة لم ينم أحد منا، وكنت على اتصال مباشر مع جيراني بسوريا كي أرى مشاهد الفرحة وهروب المجرمين، وحقا تضحيات هذا الشعب العظيم تستحق النتيجة التي آلت اليها الأمور. أملي كبير ان الأمور ستتجه نحو الأفضل رغم التأخير والصعوبات التي نراها حاليا في أمور عدة. أنا متفائلة بشكل كبير بالقادم ان شاء الله، ورغم ظروفنا الجيدة هنا لكننا سنعود لوطننا لأننا لم نغادره إلا قسريا في ظل الخطر المحدق بنا آنذاك من بشار الاسد وجماعته”.

التواصل المعلق حتى إشعار آخر!

من المؤكد أن ملف المغيبين يحتل مكانة خاصة في قلوب السوريين ممن اكتووا بخطط النظام القذرة ومازال الجرح مفتوحا على مصراعيه والاسئلة مشرعة حول العديد من الالغاز التي تحتاج لحلول. من هذا المنطلق تحدثت السيدة عبير:

 “لم يتم أي تواصل بيننا. يبدو ان ملف المغيبين قسريا ليس ضمن الأولويات، ورغم وجود تقصير لكنني لا ألومهم في ظل تعدد المسؤوليات التي تنتظرهم لكن من المفروض ان يتم العمل على هذا الملف بالموازاة مع الملفات الاخرى المهمة؛ وحين قدم وزير الثقافة السنة الماضية لفرنسا تحدث إلينا بعض الاشخاص عن إمكانية عقد لقاء معه، للحديث عن الموضوع وبقينا ننتظر دون جدوى ولا اتصال من أحد”.

رسالة الزوجة والابنة بين الأمل والألم

ختمنا سرد هذه القصة الصعبة مع أسرة الفنان زكي كورديللو عبر رسائل مؤثرة من لدن الزوجة السيدة عبير برازي والابنة تياما كورديللو والاثنتين ختمتا حديثهما وهما تغالبان دموع الشوق ومرارة الغياب المر الممتد لسنوات دون اي جديد ولا أثر لحدود اللحظة. وتقول الزوجة:

 “أتمنى من الحكومة الحالية الاهتمام اكثر بالعدالة الانتقالية بسرعة أكبر، لأننا في العام الماضي زارتنا لجنة عن الموضوع وتحدثنا اليهم ووعدونا ببذل مجهود وانشاء مكاتب تواصل خاصة بالقنصليات واخرى بالمحافظات السورية لمدنا بالمعلومات اللازمة لأهالي المعتقلين  ؛ وبالفعل بلغنا وجود بعضها في عدة مدن مؤخرا ؛ لكننا بحاجة لمؤتمرات صحفية بين الفينة والاخرى لمعرفة المستجدات ؛ او ربما هو تقصير منا كذلك والان بلغنا وجود عمل بخصوص المقابر الجماعية وتوثيقها رغم انهم لم يصلوا بعد لمستوى اجراء فحوصات “الدي ان ان ” لان المسألة مكلفة ماديا وتحتاج لتمويل ضخم ونحن نعي ذلك.

شخصيا لست مقتنعة بالعدالة الانتقالية كثيرا بقدر ما ارى تجسيدا الآن للعدالة الالهية لبعض المجرمين والبيئة الحاضنة لهم؛ لكنني في نفس الوقت لا أفوّت مناسبة أو دعوة للمشاركة في اي مؤتمر او تنظيم لإلقاء كلمة، وحتى ابنتي تقوم بالشيء باللغة الفرنسية ايضا ليس لاقتناعي بأنها ستؤتي ثمارها بل لأنني يوما ما سأحاسب امام انسانيتي وأخلاقي إذا قصرت في حق زوجي وابني وأخي وايضا آخرين مثلهم لأنني حين إتحدث باسمهم وعن غيرهم. كذلك حاليا أنا مثلي مثل كل الامهات في انتظار ان يفرج همنا و نسمع اخبار تثلج الصدر وقلبي وعقلي واحاسيسي تتمنى أن ألتقيهم يوما ما، كيف واين ولماذا لا أعرف؟ هي أحلام أستطيع من خلالها أن أواكب الحياة وأعيش مع ابنتي واظل سندا لها. وانا هنا رغم قصر فترة تواجدي على الاراضي الفرنسية اصبحت اتقن لغة موليير بشكل مقبول واشارك في دورات تقويتها ايضا وأسعى بقوة للتعلم والاندماج في المجتمع رغم سني وظروف مرضي الذي لا يسمح لي بالعمل هنا بحكم سن التقاعد المفروض هنا”.

أما تياما فردت بتأثر شديد:

 “رسالتي له حين انظر للسماء والنجوم من حولي واشعر بوجوده جانبي ومعي لذلك اتحدث للسماء واخاطبه عبرها واخبره انني اعرف انك قريب مني وتحميني ولا يجب أن أنكسر لأنك معي. اتمنى ان اكون عند حسن ظنك وفخور بالمرأة التي انا عليها الان وأعرف انك ربيتني لعمر السادسة عشر لكنك زرعت بي اخلاقا فاضلة وقيم تكفي لخمسين عاما إضافية.

رسالتي له انه بوصلتي وحين أشعر بالغضب تجاه كل ما يحيط بي فإن أخلاقه هي من تعيديني للمسار الحقيقي ولإنسانيتي ؛ وكل ما اقوم بخطوة مميزة فان اول ما  يخطر ببالي هو انني ابنة زكي وكما يقول المثل الشامي الدارج “اللي خلف وربا ما مات ” ؛ بالإضافة الى انني اشتقت لك كثيرا يا ابي ولضحكتك وكي اعرفك على كل اصدقائي والناس الجدد الذين تعرفت عليهم  هنا في فرنسا حاليا  وحتى في سوريا بعد اعتقالك وكلهم أحبوك من خلال احاديثي التي لا تتوقف عنك ؛ وفي نفس الوقت انا اتألم من اجل احتضانك أو سماع أخبار عنك.. أحبك كثيرا يا أبي”.  

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى