العربي الآن

ما بعد العودة: هل تتحول الكتلة البشرية العائدة إلى رافعة بناء أم عبء هش؟

استراتيجيات الاندماج في مواجهة فجوة التمويل وتحديات الاستقرار

مرعي الرمضان – العربي القديم

مواجهة تحديات الاستقرار |

المشكلة في سوريا اليوم ليست في عودة الناس، بل في غياب القدرة على تحويل هذه العودة إلى مشروع دولة.

إن عودة ملايين السوريين إلى ديارهم خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما منذ كانون الأول 2024، لم تكن مجرد عبور فيزيائي للحدود أو حركة نزوح عكسية، بل هي في جوهرها امتحان تاريخي جسيم يختبر قدرة الدولة والمجتمع معاً على إعادة إحياء مفهوم المواطنة وتجسيد فكرة الوطن. لقد استعادت الأرض أبناءها جغرافياً، لكن استعادتهم في النسيج الاجتماعي والدورة الاقتصادية ما تزال معلّقة بين ضغط التحديات وهشاشة الآمال. وبين هذين المسارين تتبلور ملامح الأزمة الحقيقية: فجوة بنيوية بين تسارع العودة وبطء إعادة بناء القدرة الاستيعابية للدولة.

وحتى تاريخ السادس والعشرين من شهر آذار لعام ألفين وستة وعشرين، قُدّر عدد اللاجئين السوريين العائدين من دول الجوار منذ شهر كانون الأول 2024 بأكثر من مليون وخمسمائة وثلاثة وستين ألف شخص (1,563,898 شخصاً وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR)، إضافة إلى أكثر من مليوني نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية أو إلى وجهات بديلة داخل البلاد. هذه الأرقام التي تجاوزت ثلاثة ملايين ونصف المليون عائد خلال فترة قصيرة لا تعكس تحولات ديموغرافية واسعة فحسب، بل تكشف اختلالاً واضحاً في التوازن بين حجم الكتلة العائدة وقدرة البنية المؤسسية على الاستيعاب.

عودة بلا إعادة دمج

من الضروري التمييز بدقة بين «العودة» و«إعادة الاندماج»؛ فالعودة مجرد انتقال مكاني، أما إعادة الاندماج فهي استعادة الموقع الاقتصادي والاجتماعي والقانوني داخل المجتمع. ما يجري اليوم هو عودة واسعة النطاق من دون إطار وطني متكامل لإعادة الدمج، وهو ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات: تمت إدارة حركة العودة، لكن لم تُبنَ منظومة استيعابها.

تكمن المشكلة في أن قدرة المجتمعات على امتصاص الصدمات الديموغرافية ليست مفتوحة، بل ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على التوسع وكفاءة المؤسسات في تنظيم الوصول إلى الموارد. وعندما يتجاوز التدفق هذا الحد دون توسع موازٍ، تتحول العودة من فرصة إلى عامل ضغط يعيد إنتاج الهشاشة بدلاً من معالجتها.

ضغط اقتصادي يفوق طاقة السوق

تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تمس الاحتياجات الإنسانية أكثر من ستة عشر مليون شخص. غير أن جوهر المشكلة لا يكمن في حجم العائدين بحد ذاته، بل في طبيعة الاقتصاد القائم: اقتصاد منخفض الإنتاجية، محدود الاستثمار، ومجزأ مكانياً.

وبذلك، فإن سوق العمل لا يعجز عن الاستيعاب بسبب الأعداد فقط، بل بسبب اختلال هيكلي في الطلب على العمل، حيث تتركز الفرص في قطاعات غير منتجة أو غير رسمية. وعليه، فإن تحويل العائدين إلى قوة إنتاجية يتطلب إعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات مولّدة للقيمة، لا الاكتفاء بخلق فرص مؤقتة.

القانون والإدارة… بوابة الاندماج المؤجل

لا يقف التحدي عند الاقتصاد؛ فالعوائق القانونية والإدارية تمثل أحد أبرز أسباب تعطّل الاندماج على المستوى الوطني. وتشير المعطيات الميدانية من عدة مناطق سورية — مع تباينات في الحدة والأنماط — إلى أن شريحة واسعة من العائدين تواجه صعوبات في استعادة وثائقها الشخصية أو تثبيت حقوق الملكية، ما يضعها فعلياً على هامش المنظومة الرسمية. وفي حين تتخذ هذه الإشكالات طابعاً أكثر تعقيداً في بعض المناطق التي شهدت دماراً واسعاً أو تغيّرات في البنية الإدارية، فإن جذورها تبقى واحدة: هشاشة البنية القانونية والإجرائية في التعامل مع آثار النزاع.

وهنا لا تكمن المشكلة في بطء الإجراءات فحسب، بل في غياب إطار قانوني متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن بعد النزاع. فالاندماج القانوني ليس خدمة إدارية، بل شرط تأسيسي لأي اندماج اقتصادي أو اجتماعي، ومن دونه يبقى العائد في حالة “وجود معلّق” خارج الفاعلية الكاملة في المجتمع.

الألغام الصامتة: التحديات الأمنية والتوترات المجتمعية

ولا تكمن الخطورة في هذه التحديات منفردة، بل في تفاعلها المتزامن داخل بيئة هشة، حيث تتحول الضغوط الاقتصادية والقانونية إلى توترات اجتماعية كامنة. ويمكن تلخيص أبرزها في:

• تآكل الثقة بين العائدين والمقيمين
• استمرار المناطق الرمادية أمنياً
• غموض التسويات القانونية
• التنافس على الموارد في بيئات محدودة

وفي غياب آليات محلية فعالة لإدارة النزاعات، فإن هذه التوترات لا تبقى اجتماعية فحسب، بل مرشحة للتحول إلى عوامل عدم استقرار مزمنة.

الأطفال وصراع الهوية: «جيل البرزخ»

يُقدَّر عدد الأطفال السوريين خارج المدرسة بأكثر من 2.45 مليونين وأربعمائة وخمسين ألف طفل. غير أن الخطر لا يكمن فقط في فقدان التعليم، بل في تشكل جيل انتقالي (ليمينال) يعيش بين منظومتين ثقافيتين دون أن يندمج بالكامل في أي منهما.

هذا الجيل يواجه فجوة مركبة: تعليمية وهوية في آن واحد، ما يجعله عرضة للاغتراب الداخلي أو الهشاشة الاجتماعية. وإذا لم تُعالج هذه المسألة ببرامج متكاملة، فإنها قد تتحول إلى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار المستقبلي.

اختناق المسارات: معضلة الفجوة التمويلية


لا يمكن فصل هذه التحديات عن الأزمة التمويلية، حيث لم تتجاوز تغطية خطط الاستجابة الدولية 35% من الاحتياجات. لكن الإشكالية لا تكمن في حجم التمويل فقط، بل في نمط توزيعه، إذ يتركز في الإغاثة قصيرة الأجل على حساب الاستثمار في التعافي. وهذا ما يخلق مفارقة واضحة: تُموَّل العودة، لكن لا يُموَّل استقرارها.
وهذا النمط من التمويل لا يعالج جذور الأزمة، بل يعيد إنتاجها ضمن دورة اعتماد مستمرة.

شراكة دولية من أجل الاستقرار

تتطلب معالجة هذه الفجوة الانتقال من الإغاثة إلى التنمية عبر:
• الاستثمار في البنية التحتية الإنتاجية، ولا سيما في قطاعات الزراعة (الري وسلاسل القيمة الغذائية)، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، والطاقة المتجددة
• دعم سبل العيش المستدامة من خلال برامج توليد الدخل المرتبطة بالسوق المحلي
• إعادة تأهيل النظام التعليمي، مع توسيع برامج التعليم التعويضي والمسرّع
• رقمنة السجلات المدنية والعقارية لضمان حماية الحقوق واستقرار الملكية
• تعزيز التماسك المجتمعي عبر برامج مشتركة تستهدف العائدين والمجتمعات المستضيفة

لكن القيمة الحقيقية لهذه التدخلات لا تتحقق إلا إذا أُعيد تأطيرها ضمن مشروع أوسع:
بناء عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الاستجابة الطارئة.

السيادة والمسؤولية المشتركة

تقود الحكومة الانتقالية حالياً ملف الاندماج ضمن بيئة حوكمة متعددة المستويات تتقاطع فيها الأطر الوطنية والمحلية والدولية. غير أن الإشكالية المركزية لا تكمن في تعدد الفاعلين بحد ذاته، بل في غياب بنية تنسيق مؤسسية قادرة على تحويل هذا التعدد إلى قدرة تنفيذية متماسكة.

في هذا السياق، تعمل الجهات المختلفة — حكومية ومحلية ودولية — وفق أولويات وبرامج زمنية غير متطابقة، ما يفضي إلى فجوات في التنفيذ، وازدواجية في تخصيص الموارد، وتباين في معايير الاستهداف. ويعكس هذا التشتت محدودية القدرة المؤسسية الحالية على قيادة مسار الاندماج ضمن إطار وطني موحّد، حيث تتحول المبادرات المتفرقة إلى تدخلات جزئية تفتقر إلى التكامل والاستدامة.

ولا يقتصر أثر هذا الخلل على الكفاءة التشغيلية، بل يمتد إلى تقويض الثقة بين المواطن والمؤسسات، إذ يصعب على الأفراد إعادة الاندماج في منظومة لا تتسم بالوضوح أو الاتساق. وبذلك، تتحول مشكلة الحوكمة من تحدٍ إداري إلى عامل بنيوي يعيد إنتاج الهشاشة.

من هنا، لا تُختزل السيادة في امتلاك القرار، بل في القدرة على تنظيم الفعل العام وتوحيد مساراته ضمن رؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ. وفي المقابل، لا تكتمل المسؤولية الدولية عبر التمويل المجزأ أو قصير الأمد، بل من خلال شراكة طويلة الأمد تدعم بناء القدرات المؤسسية وتستثمر في الاستقرار البنيوي.

وأي اختلال في هذا التوازن لا يؤدي فقط إلى إبطاء التعافي، بل يفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة ضمن دورة متجددة من الهشاشة، حتى وإن تغيرت أدواتها أو عناوينها.

اختبار إعادة إنتاج الدولة

إن الوطن ليس مجرد مكان نعود إليه، بل منظومة قادرة على احتواء مواطنيها وتحويلهم إلى شركاء في المصير. والاندماج ليس سياسة خدمية، بل هو اختبار لقدرة الدولة على إعادة إنتاج نفسها.

فالكتلة البشرية العائدة يمكن أن تكون رافعة لإعادة البناء، أو عبئاً يعمّق الهشاشة — والفارق بين المسارين لا تحدده أعداد العائدين، بل قدرة الدولة على تحويل العودة من حدث ديموغرافي إلى مشروع وطني متكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى