الرأي العام

الطائفة العلوية: بين الشيطنة الجماعية وإنكار المسؤولية السياسية

لا يمكن القبول بخطاب يقول: "لا علاقة لنا"، أو "بشار فعل كل شيء وحده"، وكأن نظاماً بهذا الحجم، استمر نصف قرن، كان مجرد فرد معزول يتحرك في الفراغ.

عمر جمعة – العربي القديم

النقاش حول مسؤولية الطائفة العلوية في سوريا غالباً ما يُدفع إلى أحد طرفين متناقضين وخطرين معاً :

إما خطاب شيطنة جماعية يعتبر كل علوي شريكاً في الجريمة، أو خطاب إنكار كامل للمسؤولية السياسية والاجتماعية عن البنية التي حكمت سوريا بالنار لعقود. وبين الطرفين تضيع الحقيقة، وتضيع إمكانية بناء عدالة حقيقية وسلام أهلي فعلي.

لا أحد يطلب من إنسان لم يحمل سلاحاً، ولم يشارك في القتل، ولم يتبنَّ خطاب الأسدية، أن يعتذر عن جرم لم يرتكبه. كما أن أحداً لا يحمّل البشر وزر هويتهم أو طائفتهم. هذه ليست القضية أصلاً.

لكن في المقابل، لا يمكن القبول بخطاب يقول: “لا علاقة لنا”، أو “بشار فعل كل شيء وحده”، وكأن نظاماً بهذا الحجم، استمر نصف قرن، كان مجرد فرد معزول يتحرك في الفراغ.

المشكلة ليست في الهوية الدينية بحد ذاتها، بل في بنية سلطة تشكلت تاريخياً عبر شبكات ولاء أمنية وعسكرية وطائفية متداخلة، كان للبيئة العلوية فيها حضور كثيف وواضح، خصوصاً داخل النواة الصلبة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية والوحدات العسكرية الأكثر بطشاً، إضافة إلى كثير من التشكيلات الرديفة كالدفاع الوطني والشبيحة. هذه ليست : “دعاية”، بل حقيقة ناقشها باحثون ومؤرخون، وعاينها السوريون أنفسهم لعقود، ومن بينهم Patrick Seale في كتاباته عن بنية السلطة السورية.

علم الاجتماع السياسي يفسر ذلك عبر مفهوم “شبكات العصبية السلطوية”، حيث تعتمد الأنظمة التسلطية على جماعة ترى أن مصيرها مرتبط ببقاء النظام، فينشأ خوف متبادل: خوف النظام من السقوط، وخوف الجماعة المرتبطة به من الانتقام أو فقدان الامتيازات أو الإبادة السياسية. وهنا تتحول العلاقة من دعم سياسي عابر إلى اندماج وجودي بين السلطة والهوية.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أبداً إدانة جماعة كاملة. فالتعميم الجماعي هو نفسه الآلية النفسية التي قادت إلى كوارث تاريخية كبرى. في الإبادة الجماعية في رواندا بدأ الأمر بخطاب يصور جماعة كاملة كخطر وجودي، وانتهى بإبادة جماعية. وفي الهولوكوست لم يكن الهدف محاسبة أفراد، بل شيطنة جماعة بشرية كاملة وتحويلها إلى “عدو جماعي”. لذلك فإن أي خطاب يدعو لمعاقبة العلويين كطائفة، أو يتعامل مع الهوية بوصفها جريمة، هو خطاب كارثي أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً.

لكن الخطر المقابل لا يقل سوءاً: إنكار الوقائع المعروفة. السوريون يعرفون ما جرى في  مجزرة حماة، ويعرفون ما جرى لاحقاً في الثورة السورية من حصار وتجويع واعتقال وتعذيب وقصف للمدن واستخدام للأسلحة المحرمة وتهجير ملايين البشر. كما يعرف أهل حمص، مثلاً، تفاصيل مجازر كرم الزيتون وغيرها، ويعرفون طبيعة المجموعات التي شاركت فيها، ومن أي شبكات حماية وتسليح خرجت. تجاهل هذه الوقائع، أو التعامل معها كأنها مجرد “أخطاء فردية”، ليس دعوة للسلم الأهلي، بل محاولة لمحو ذاكرة جماعية كاملة.

علم النفس الاجتماعي يشرح كيف تعمل آلية الإنكار الجماعي بعد الحروب. فالجماعات المرتبطة بالسلطة تميل غالباً إلى إنتاج روايات دفاعية تحمي صورتها الذاتية، لأن الاعتراف الكامل قد يبدو لها تهديداً لهويتها ووجودها. وهذا ما يسميه علماء النفس “التنافر المعرفي”: حين يعجز الإنسان عن التوفيق بين صورته الأخلاقية عن نفسه وبين الجرائم التي ارتُكبت باسمه أو ضمن البيئة التي ينتمي إليها، فيلجأ إلى الإنكار أو التبرير أو التقليل من حجم الكارثة.

في المقابل، المجتمعات المصدومة بالعنف تميل إلى التعميم والبحث عن “هوية مذنبة” تختصر الألم كله. وهنا يدخل المجتمع في دائرة جحيم متبادل: جماعة تنكر، وجماعة تعمم، بينما تضيع العدالة بينهما.

الحقيقة الأكثر تعقيداً هي أن النظام السوري لم يكن طائفة، لكنه أيضاً لم يكن منفصلاً عن البنية الطائفية التي حمت استمراره. وكان هناك متورطون ومنتفعون من خلفيات كثيرة، بينهم سنّة وغير سنّة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن العمود الفقري للأجهزة الأكثر ولاءً وبطشاً تشكل تاريخياً ضمن بيئة محددة، وأن فك ارتباط هذه البيئة عن النظام في مرحلة مبكرة كان سيغيّر مصير الصراع كله.

إذا كان السوريون يريدون فعلاً بناء دولة، فالطريق لا يمر عبر الكراهية الجماعية، ولا عبر سرديات البراءة الجماعية. بل عبر ثلاث خطوات أساسية: الاعتراف بالحقيقة، كشف المسؤولين عن الجرائم، ثم بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والقانون لا على الخوف والطائفة والولاء الأمني.

العدالة لا تعني الانتقام من جماعة، كما أن المصالحة لا تعني محو الجرائم أو التظاهر بأن شيئاً لم يحدث. العدالة الحقيقية تبدأ حين يُحاسب المجرم بصفته مجرماً، لا بصفته ممثلاً لطائفة، وحين يُحمى الأبرياء من منطق الثأر الجماعي، مهما كانت هويتهم.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى