العقيدة الإمامية الاثني عشرية: رؤية نقدية في ضوء النصوص وموقفها من أهل السنة
إن جوهر المشكلة ليس فقط في اختلاف فقهي أو اجتهادي، بل في منظور عقدي وتاريخي متصل بجوهر الإسلام

عدي شيخ صالح – العربي القديم
نشأت الشيعة كاتجاه سياسي في البداية، بعد استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم تحولت تدريجياً إلى تيار ديني–عقدي، يتبنى تأويلاً مغايراً للتاريخ الإسلامي ومفهوم الإمامة والخلافة.
أولا: مقدّمة تاريخية النشأة والسياق
وقد ظهرت بذور هذا الاتجاه في الخلاف حول أحقية الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث رأى بعضهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة بالنص أو الوصية. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الرؤية إلى مذهب عقدي متكامل، تُركّز فيه الإمامية الاثنا عشرية على مفهوم “الإمامة الإلهية” التي ترى أن الأئمة الاثني عشر منصوص عليهم من الله، معصومون، ولهم سلطة دينية وسياسية مطلقة.
ومن أبرز الشخصيات التي بلورت العقيدة الإمامية لاحقًا: هشام بن الحكم، والمفضل بن عمر، ثم تبلور المذهب في القرن الرابع الهجري على يد الشيخ المفيد، والمرتضى، والطوسي، وتكامل لاحقًا مع ظهور “الغيبة الكبرى” للإمام الثاني عشر. وكان “النعماني” (محمد بن إبراهيم) من أبرز منظّري الغيبة والإمامة المطلقة، وقد ساهم في ترسيخ العقيدة “المهدوية” ونظرية الولاية العامة للفقهاء لاحقًا.
ثانيا: مصادر العقيدة الإمامية
يعتمد المذهب الإمامي على مصادر أربعة رئيسية:
- القرآن الكريم (بقراءتهم وتأويلاتهم الخاصة).
- السُّنة كما وردت عن الأئمة المعصومين، وليس عن صحابة رسول الله عامة.
- الإجماع بشرط أن يكون فيه قول المعصوم.
- العقل كأصل مستقل في الاستدلال.
أما كتبهم الأساسية فهي:
- “الكافي” للكليني: يُعد أوثق كتب الحديث عندهم، ويضم أكثر من 16 ألف رواية، كثير منها مخالف لمتون الحديث عند أهل السنة.
- “من لا يحضره الفقيه” للصدوق.
- “التهذيب” و”الاستبصار” للطوسي.
- “بحار الأنوار” للمجلسي: موسوعة عقائدية كبرى جمعت كل ما يتعلق بالشيعة من روايات، ويظهر فيه بوضوح الموقف السلبي تجاه أهل السنة.
ثالثا: العقائد المركزية عند الشيعة الإمامية وموقفهم من السنة
- الإمامة عندهم أصل من أصول الدين:
بينما تُعد الإمامة عند أهل السنة فرعاً من فروع السياسة الشرعية، يجعلها الشيعة الإمامية أصلاً من أصول الدين، ويكفرون أو يضللون من لا يعتقد بإمامة الأئمة الاثني عشر.
قال الكُليني في الكافي: «الأئمة بمنزلة رسول الله، إلا أنهم لا يوحى إليهم»
وقال النعماني في كتاب الغيبة: «من أنكر إماماً من أئمة الهدى، فقد أنكر الله ورسوله».
- عقيدة العصمة:
يرى الشيعة أن الأئمة معصومون من الخطأ والنسيان، ومفسرون حصرًا للقرآن، ووصلة حتمية لفهم الشريعة.
بينما أهل السنة يرون العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم فقط في تبليغ الرسالة.
- موقفهم من الصحابة:
من أبرز مواطن الخلاف، هو الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم.
جاء في “بحار الأنوار” (30/235): «ما بعث الله نبيًا إلا وقد أوصى به إلى علي، وما استقام دين نبي إلا بولاية علي، وإن أهل بدر كلهم ارتدوا إلا ثلاثة!».
وينقل المجلسي في نفس الكتاب عن الصادق: «إن الناس بعد النبي ارتدوا إلا ثلاثة: المقداد، وسلمان، وأبو ذر».
وهذا الطعن يتجاوز الصحابة إلى رموز الخلافة الراشدة:
أبو بكر وعمر يُتهمان عندهم بالانقلاب على الدين، وهما في نظر الروايات المكذوبة “غاصبا الخلافة”.
تُروى في كتبهم “أدعية” صريحة بلعن الشيخين، وهو ما لا يمكن قبوله من منظور إسلامي جامع.
- تحريف القرآن:
رغم نفيهم الرسمي لذلك اليوم، إلا أن العديد من الروايات في كتبهم تنسب للنص القرآني تحريفًا.
الكافي (1/239): «إن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية». (القرآن عند المسلمين 6236 آية فقط).
“بحار الأنوار” مليء بالروايات التي تشير إلى حذف “ولاية علي” من القرآن.
- التقية:
يعدّون التقية “دينًا”، وقد يصل تطبيقها إلى الكذب العلني إن كان ذلك يحمي المذهب أو مصالحه.
الكليني في الكافي (ج2/ ص 219): «التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له».
وهذا يخلق أزمة ثقة في الحوار بين السنة والشيعة، حيث تصبح تصريحاتهم عرضة للتشكيك، ما دام الأصل هو “عدم المصارحة”.
- المهدوية والرجعة:
يعتقدون أن الإمام الثاني عشر لم يمت، وأنه في غيبة كبرى وسيعود ليقيم العدل على الأرض وينتقم من “الظالمين” (في أدبياتهم: أهل السنة).
بحار الأنوار (53/111): «إذا خرج القائم من آل محمد، أقام خمس مئة من قريش فقطع رؤوسهم، ثم خمس مئة أخرى، حتى يبلغ ستة آلاف… ثم يبدأ ببني أمية وبني العباس وبأهل السنة».
رابعا: التوظيف السياسي للمعتقد
لقد وظّفت العقيدة الإمامية مبدأ “الولاية” لتأسيس سلطة دينية–سياسية شمولية، كما في تجربة ولاية الفقيه في إيران. وتم تصوير الثورة الخمينية عام 1979 على أنها “تمهيد لظهور الإمام الغائب”، بينما تمّ تصنيف الأنظمة السنية على أنها “نواصب” و”أنظمة جاهلية”.
وقد أضفت إيران على تدخلها في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن بعداً “مهدويا” و”عقائديا”، رافعة شعار “نصرة أهل البيت” كغطاء لاستهداف الأغلبية السنية في تلك البلاد.
خامسا:كيف ينبغي فهم هذا الخلاف اليوم؟
إن جوهر المشكلة ليس فقط في اختلاف فقهي أو اجتهادي، بل في منظور عقدي وتاريخي متصل بجوهر الإسلام:
أهل السنة يعتبرون الصحابة حَمَلة الدين، وينطلقون من اجتهاد بشري يحتكم إلى النص.
بينما الإمامية ترى أن الإسلام لا يصح إلا بولاية الأئمة، وأن الأمة انحرفت بعد السقيفة، وأن القرآن حُرّف، والصحابة خانوا، ولا يجوز تقليد غير المعصوم.
خاتمة: نحو وعي نقدي ومسؤول
إن الدعوة إلى “الوحدة” بين السنة والشيعة لا يمكن أن تتجاهل هذه الفجوات العميقة في العقيدة والتاريخ.
الوحدة لا تبنى على المجاملة، بل على المصارحة. والسكوت عن تكفير الصحابة، واتهام الأمة بالردة، ونفي صحة القرآن، لا يمكن أن يكون ثمنًا لما يُسمى وحدة إسلامية.
وبينما ينجرف بعض المفكرين من “الحركة الإسلامية” إلى تمجيد المشروع الإيراني واعتباره جزءًا من “الأمة”، يجب أن ندرك أن المشروع الإيراني عقدي–سياسي مغلق، لا يرى في أهل السنة شركاء، بل خصومًا تاريخيين وعقائديين.
إن نقد العقيدة الإمامية لا يعني التحريض على الشيعة كمكوّن اجتماعي، بل هو دفاع عن هوية الأمة، ووضوح العقيدة، واستقامة التصور.
………………………………………………….
*كاتب وباحث سوري مستقل في الفكر السياسي والاجتماعي، يهتم بقضايا الهوية السورية وتحولات الدولة، وإشكالات الانتقال السياسي بعد النزاعات.