سوريا قبل المسيحية: في نقد اختزال التاريخ وتحرير الهوية
المسيحية نفسها نشأت وتطورت في بيئة كانت مشبعة بإرث حضاري سابق، لغويا وثقافيا وفلسفيا.

عدي شيخ صالح * – العربي القديم
من أخطر أشكال الوعي الزائف بالتاريخ ذلك الذي يُعيد تعريف الأوطان انطلاقا من لحظة واحدة، فيُختزل الزمن، وتُمحى القرون، وتُعاد صياغة الهوية وفق سردية انتقائية تخدم غرضا أيديولوجيا معاصرا. وفي الحالة السورية، يتكرر هذا الاختزال في خطاب يعتبر أن تاريخ سوريا يبدأ مع المسيحية، أو أن “سوريا الحقيقية” هي سوريا السريانية، وكأن ما قبل ذلك فراغ حضاري أو مرحلة بلا هوية. هذا الطرح لا يصمد أمام أبسط معايير البحث التاريخي، بل يكشف عن نزعة إقصائية تعيد إنتاج التاريخ بوصفه أداة صراع لا مجالا للفهم.
أولا: سوريا بوصفها مهدا للحضارات لا لحضارة واحدة
إن الأرض التي نطلق عليها اليوم اسم “سوريا” كانت، منذ الألف الثالث قبل الميلاد على الأقل، مركزًا لحضارات عريقة تركت بصمتها في التاريخ الإنساني. فقد شهدت قيام ممالك ومدن مزدهرة مثل إيبلا التي كشفت أرشيفاتها عن نظام إداري واقتصادي متقدم، وماري التي مثّلت نموذجًا للدولة المنظمة على ضفاف الفرات، وأوغاريت التي قدّمت للعالم واحدة من أقدم الأبجديات المعروفة. هذه الحضارات سبقت المسيحية بآلاف السنين، وأسّست لبنى ثقافية ولغوية وسياسية لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها. بل إن كثيرًا من المفاهيم التي نعدّها اليوم “حديثة” لها جذور في تلك البيئات القديمة، من التنظيم الإداري إلى التبادل التجاري والثقافي. ومن هنا، فإن أي حديث عن هوية سورية يبدأ من ما قبل المسيحية، لا من بعدها
ثانيا: السريانية بين الحقيقة التاريخية والتوظيف الأيديولوجي
لا شك أن السريانية تمثّل مرحلة مهمة من تاريخ سوريا، وهي امتداد للآرامية التي انتشرت في المنطقة منذ الألف الأول قبل الميلاد. وقد ازدهرت السريانية كلغة وثقافة مع انتشار المسيحية، وأنتجت تراثا غنيًا في اللاهوت والفلسفة والآداب.
لكن تحويل “السريانية” إلى مرادف لسوريا، أو اعتبارها الأصل الوحيد للهوية السورية، هو تعميم مخلّ. فالسريانية ليست سوى طبقة من طبقات متعددة، جاءت بعد الآرامية، وقبلها الأكادية، وتداخلت لاحقا مع اليونانية في العهد الهلنستي، ثم مع اللاتينية في العهد الروماني، وصولا إلى العربية في العصور الإسلامية. إن هذا التراكم لا يمكن اختزاله في هوية لغوية أو دينية واحدة دون الوقوع في تشويه التاريخ.
ثالثا: المسيحية في سوريا… مرحلة مفصلية لا نقطة بداية
دخلت المسيحية إلى بلاد الشام في القرن الأول الميلادي، وكانت مدن مثل أنطاكية من أوائل المراكز التي احتضنت الدعوة الجديدة. ومع الزمن، أصبحت المسيحية عنصرا أساسيا في التكوين الثقافي والاجتماعي للمنطقة، وأسهمت في إنتاج تراث فكري وروحي عميق. غير أن الاعتراف بأهمية هذه المرحلة لا يعني اعتبارها نقطة البداية. فالمسيحية نفسها نشأت وتطورت في بيئة كانت مشبعة بإرث حضاري سابق، لغويا وثقافيا وفلسفيا. وبالتالي، فإن فصلها عن سياقها التاريخي الأوسع هو نوع من الإسقاط الذي يخدم تصورات معاصرة أكثر مما يعكس حقيقة الماضي.
رابعا: الإسلام في سوريا… طول الحضور لا يعني احتكار الهوية
وإذا كان البعض يميل إلى اختزال تاريخ سوريا في المرحلة المسيحية، فإن مجرد النظر إلى الامتداد الزمني يكشف مفارقة لافتة؛ فقد خضعت بلاد الشام للحكم الإسلامي منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي، واستمر هذا الحضور السياسي والحضاري لما يقارب ثلاثة عشر قرنًا، أي ما يفوق بأضعاف الفترة التي كانت فيها المسيحية هي الدين المهيمن في ظل الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية.
غير أن دلالة هذا الامتداد لا ينبغي أن تُفهم بوصفها سندا لاحتكار الهوية أو إلغاء ما سواه، بل على العكس تماما؛ إذ يقدّم التاريخ الإسلامي في الشام نموذجا مغايرا لمنطق الإقصاء، حيث استمر الوجود المسيحي، وحافظت الكنائس على دورها، وبقيت مدن ذات رمزية دينية كبرى مثل القدس ودمشق فضاءات مشتركة لتعدّد ديني وثقافي لم يُمحَ، بل أُعيد تنظيمه ضمن إطار جديد. لقد كان الإسلام، بوصفه نظام حكم، قادرا على استيعاب التعدد الديني ضمن بنيته القانونية والاجتماعية، دون أن يعني ذلك خلوّ التجربة من التوترات أو الاختلالات في بعض مراحلها، إلا أن القاعدة العامة ظلّت قائمة على بقاء الآخر لا استئصاله. وهذا ما يجعل من التجربة الإسلامية في سوريا مثالا تاريخيا على أن طول الحضور لا يستلزم نفي ما قبله، بل قد يكون عاملا في حمايته وإعادة إنتاجه. وهو ما يثبت أن الامتداد الزمني، مهما طال، لا يمنح شرعية احتكار الهوية، بل يكشف قدرة المجتمع على استيعاب التحولات دون أن يفقد تعدديته.
خامسا: الهوية السورية كتراكم حضاري لا كجوهر ثابت
الخطأ المنهجي في الخطاب الاختزالي أنه يتعامل مع الهوية بوصفها “جوهرا ثابتا” يمكن الإمساك به في لحظة زمنية محددة، بينما تُظهر التجربة التاريخية أن الهويات الكبرى – كهوية سوريا – هي نتاج تراكم طويل ومعقّد.
لقد مرّت سوريا بمراحل آرامية، هلنستية، رومانية، بيزنطية، ثم إسلامية عربية، وكل مرحلة لم تُلغِ ما قبلها بل أعادت تشكيله ضمن سياق جديد. وهذا ما يجعل من الهوية السورية بنية تاريخية مركّبة، لا يمكن ردّها إلى أصل واحد دون إفقارها
سادسا: من التاريخ إلى السياسة… كيف يُستخدم الاختزال؟
لا يمكن فصل هذا الجدل عن سياقه السياسي المعاصر. فاختزال تاريخ سوريا في مرحلة معينة – سواء كانت سريانية أو عربية أو إسلامية – غالبا ما يُستخدم لتبرير مشاريع سياسية تسعى إلى احتكار تعريف الدولة أو إقصاء مكوّنات أخرى. إن تحويل التاريخ إلى أداة صراع هويّاتي يُفقده قيمته المعرفية، ويحوّله إلى سلاح رمزي في معارك الحاضر. وهنا تكمن خطورة هذه السرديات، لا في خطئها العلمي فحسب، بل في آثارها السياسية والاجتماعية.
وأخيرا:
إن الدفاع عن تاريخ سوريا لا يكون باستبدال اختزال بآخر، بل برفض منطق الاختزال نفسه. فسوريا ليست “سريانية فقط”، ولا “عربية فقط”، ولا “إسلامية فقط”، بل هي حصيلة كل ذلك، وما قبله، وما تفاعل معه.
إنها أرض التراكم الحضاري، حيث تتداخل الطبقات ويعاد تشكيل الهويات فيها. إنها أرض لا تُبنى على النقاء، بل على التراكم؛ ولا تُفهم بالاختزال، بل بالتركيب. ومن هنا، فإن معركة الوعي في سوريا اليوم ليست حول أي هوية نختار، بل حول قدرتنا على الاعتراف بأننا جميعًا أبناء تاريخ واحد متعدد، لا يقبل القسمة ولا الاختزال.
……………………………………………………………….
- كاتب وباحث سوري مستقل في الفكر السياسي والاجتماعي، يهتم بقضايا الهوية السورية وتحولات الدولة، وإشكالات الانتقال السياسي بعد النزاعات.