الرأي العام

عن فقه الحيض والنفاس في معرض دمشق للكتاب والكراس

انتظرت زوجتي لأن صف النساء كان أطول بعدة مرات من صف الرجال. هل تقرأ النساء أكثر مما نفعل نحن الرجال؟

د. حسام عتال – العربي القديم

هبطنا في مطار دمشق وأودعنا حقائبنا في فندق في وسط المدينة. دون الاستحمام أو تغيير ثيابنا أسرعنا إلى البرامكة حيث وقف عدد من الباصات المخصصة لنقل الناس مجاناً لمعرض الكتاب الواقع في مدينة المعارض قرب المطار.  كان هدفنا الأساس هو شراء نسخة من “فتاوى في فقه الحيض والنفاس” لابن عثيمين قبل أن تتخاطفه الأيادي وينفذ من المعرض. هذا ما كنت قد فهمته من أصدقائي الذين ملأوا صفحات التواصل الإجتماعي بآرائهم وملاحظاتهم عن المعرض ومحتوياته من أنواع الكتب والكراسات.

كان الباص المريح المكيف وسيلة ممتازة للذهاب بسبب زحمة السيارات المزعج، والذي نتج عن استيراد عدد هائل من السيارات مؤخراً دون اعتبار لحدود البنية التحتية من الطرق والمواقف والكراجات.

عند بوابة المعرض كان هناك مدخلان، واحد للرجال وآخر للنساء. “ها قد بدأنا” كان معنى النظرة التي تبادلتها مع زوجتي، لكننا رضخنا لهذا الفصل التعسفي ووقف كل منا في دوره. عند بوابة التفتيش وجد عنصر الأمن المدية الفولاذية التي كانت في جيبي وقال: “عفواً أخي، هذه ممنوعة.” قلت له أني لا أتحرك دون مديتي لأن حمل السلاح سنة نبوية. ضحك واهتزت ذقنه الطويلة وبانت أسنانه الصفراء وقال: “طيب تفضل لكن لو سمحت أبقيها في جعبتك.” انتظرت زوجتي لأن صف النساء كان أطول بعدة مرات من صف الرجال. هل تقرأ النساء أكثر مما نفعل نحن الرجال؟ بعد حين أتت مبتسمة قائلة: “اعتقد أن هذا أفضل لأني بصراحة لا أريد أن يفتش جسدي رجل.” ثم أضافت: “هل أخذوا المدية منك؟” هي تعرف عدد المديات التي قد أُخذت مني في المطارات والمعارض والأسواق وغيرها من الأماكن التي تمنع حملها. رفعت حاجبي وغمزتها مؤكداً أن المدية لا زالت في حوزتي.

كاتب المقال والسيدة عقيلته في معرض الكتاب

تجاوزنا اللوحة الأمامية التي أعلنت “من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً”، وركضنا إلى قسم جناح التراث الذي يحتوي على الكتب الدينية، وبدأنا في البحث في الجناح الشاسع عن الكتاب المنشود… لكن دون جدوى: ماذا، هل نفذت نسخ الكتاب كما تنبأ أصدقاؤنا؟ أصابنا القلق وبدأنا بالاستفسار من الناشرين المتوزعين في غرف متجاورة تفصلها جدران مسبقة الصنع مليئة بالرفوف، يتوسط الغرف طاولات صفت عليها الكتب ككتائب العسكر. شرحنا للناشرين أهمية هذا الكتاب لنا (رغم أن زوجتي قد قامت بعملية استئصال الرحم منذ سنين). استغربنا لقلة اهتمام الناشرين بالأمر؛ أحدهم حاول أي يبيعنا كتاباً عن الغنوصية، قلت له: “غنوصية منوصية هذا لا يهمنا، نحن في مهمة خاصة”، نظر إلينا شذراً وكأننا قد أتينا من كوكب بعيد. الآخر جرّب أن يدفعنا لشراء كتاب ‘العقل، من سلطة اللاهوت إلى سلطة العلم’ تخيلوا… ما هذا الجنون؟ بعد التعامل مع عدد إخر من الناشرين بدأنا نحسُّ أن هناك مؤامرة قد حيكت ضدنا كيلا نحصل على غايتنا. فقالت زوجتي: لا طائل من هذا المكان دعنا نتمشى خارجاً فقد بدأت الشمس بالغروب واعتدل الطقس.

في الخارج بُهرنا باللوحات الدعائية من كل الأنواع. كنا ظننا أن لافتة “من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً” هي نهاية الأمر، لكن بدأ لنا أن هناك اختصاص سوري جديد (لاحظناه بدايته في زيارات سابقة ولكنه الآن أكثر انتشاراًِ) وهو اختصاص المؤثرات البصرية. كان هناك مثلاً لوحات كبيرة عنوانها ‘عظماء سطروا التاريخ’ كل لوحة مخصصة لشخص تُلخص حياته ومنجزاته. هناك حنا مينة و خيري الذهبي وسعد الله ونوس وطه حسين ومالك بن نبي وحسين حنفي وعابد الجابري ومحمد كرد علي وشكيب أرسلان.

بعد أمتار وعلى منصة متنقلة لها شاشة إلكترونية ضخمة أقيمت عروض للأطفال تقدمها الشرطة وأجهزة الأمن والإطفاء والإسعاف تُعرّفهم على المؤسسات الخدمية ودورها في المجتمع، وتعطيهم هدايا من ألعاب يأخذونها معهم للبيت. بحثت عن الشعار الذي كنت أعرفه صغيراً “الشرطة في خدمة الشعب” لكني لم أجد له ذكراً، لابد أن الزمن قد تغير وتغيرت معه الشعارات.  خلف المنصة المتحركة هناك نوافير الماء حيث جلس البعض بوضعية السيران يأكلون السندويش ويشربون المرطبات، تحيط بهم أضواء لماعة بألوان متغيرة. لحسن الحظ لم يكن هناك أراكيل، لعله كان المكان الوحيد الذي دخلت إليه في دمشق ولم اجد فيه تلك الآفة اللعينة. لكن كان هناك نصبان منحوتان من الحجر أحدهما يمثل امرأة طويلة يشبه أعمال محمد غني حكمت، وآخر لرجل أقصر قامة من المرأة تسلق عليه بعض الأطفال يقفزون من ظهره ثم يعيدون الكرة .

الخريطة  الكبيرة المضاءة دلتنا على جناح الفكر. لعل الكتاب المأمول هناك بدلاً عن مكانه الصحيح في جناح التراث. بدأنا البحث هناك مجدداً بعد أن شربنا مرطبات لتقوية عزمنا (نعم هناك أحياناً سبب جيد لشرب المرطبات). على الطاولات والرفوف وجدنا ‘الإلياذة’، و ‘فلسفة الوجود’، و ‘في الجدل بين الأدب والفلسفة’، و ‘فلسفة الدين، سؤال الإله وجدوى التجربة الدينية’، و ‘مادية السرد’، و ‘المنطق عند ابن طلموس’ وغيرها من الكتب المملّة.  في زاوية اخرى لقينا كتباً فارغة المحتوى مثل ‘تحولات الخطاب السياسي الماركسي بين جورج لوكاتش و وسلافوي جيجك’، و ‘أساطين الاقتصاد من ماركس إلى لينين’، و ‘العقل والإيمان من سلطة اللاهوت إلى سلطة العلم’. 

غيرنا الجهة كلياً نحو الزاوية الأبعد كي نصادف كتباً كردية مثل ‘مشاهير الكرد’، و ‘القضية الكردية’، و ‘ماضي الكرد وحاضرهم’ و ‘خلاصة تاريخ الكرد وكردستان’، وكتب أخرى باللغة الكردية لم نفقه شيئاً من عناوينها، فتركناها غير آسفين.

عدنا خطوات للوراء حيث قبعت كتب من نوع ‘مذكرات لينين’ و ‘مذكرات ستالين’ و ‘كفاحي’ لهتلر، و ‘روح الشرائع لمونتسيكيو’ و ‘كتاب النفس’ لأرسطو، و ‘اعترافات’ روسو بالإضافة إلى ‘أصل التعاون بين الناس’ لنفس الكاتب المغمور.

اطلقنا زفرة طويلة، يبدو أن الأمر يحتاج لصبر وتصميم، أين أنت يا ابن عثيمين كي تنقذنا من هذا العلاك المصدّي الذي أحاط بنا.  في البعد، خلف اجنحة كتب السعودية والكويت والأردن وقطر وعمان، كان هناك غرفة واعدة بلونها الأحمر. “هذه غرفة لابد أنها غرفة الطمث، إنها حمراء” قلت لزوجتي. لكن خيبتنا كانت أفدح هناك، فرأينا عثرنا على كتب غريبة عن أماكن مجهولة مثل ‘الصناعات الخشبية في الأندلس’ و ‘عمارة الأرحاء والطواحين في الأندلس’ و ‘الثروة المعدنية في الأندلس’. غرفة خاصة بالأندلس؟ ولم اللون الأحمر، هل هو للتمويه؟ ومن هو الذي يهتم بأمور الأندلس وصناعاتها ورحاها؟ عجيب فعلاً هو أمر هؤلاء الناشرين.

تحمست عندما، في الغرفة التالية، رأيت كتاباً يتعلق بالنساء، لكني عندما اقتربت منه وجدته عن طب النساء الحديث. خيبة أخرى تراكمت فوق سابقاتها لم يخفف منها سوى الكتاب على الرف المجاور ‘لماذا تحب النساء الجميلات الرجال القبيحين’. هذا كتاب يستحق قراءته، لكن علّي أولاً أن ألهي زوجتي كي لا تراني حين شراءه.

 “سمعت أن هناك جناحاً لكتب الأطفال” قلتها لزوجتي في الوقت الذي بدأت القرقعة الصاخبة التي صاحبت رقصة دخول فرقة الطرب السعودية للمبنى، والتي تجمع الناس حولها يرفعون هواتفهم عالياً فوق رؤوسهم وهم يسجلون فيديوهاتهم. لفظتُها عفوياً وبصوت خافت، وكأنه أمر تافه. اتسعت عينا زوجتي فهي منذ أن ولدت ابنتي الكبيرة توأماً من الصبيان فهي تشتري كل ما يمت بصلة للأطفال دون تمييز. “هل قلت جناحاً للأطفال، أين هو، أين؟”. “هناك” أشرت باتجاه الممر الذي يفصل بين الجناحين. قبل أن انتهي من كلمة الإشارة الوحيدة كانت زوجتي قد اجتازت الممر واختفت في جناح الأطفال. انتهزت الفرصة لشراء “لماذا تحب…” وأخفيته بسرعة في عمق جعبتي. لحقت زوجتي لأجد جناح الأطفال أكبر من جناحي التراث والفكر وبمحتويات من كتب كثيرة الصفحات مثل قصص من روائع الأدب العالمي وكيف تعمل الأشياء وموسوعات العلم والفن؛ وأخرى بصفحات أقل مثل حكايات ‘كان ياما كان’ و’ماذا بعد القطاف’ و’ماذا خلف الجدار’ و’صديقي الخفي’ و’الجدة امتثال وحكايات الأمثال’؛ وكتب توجيهية ‘لا تلعب بالنار’ و ‘لا تعبث بالكهرباء’؛ واجتماعية ‘عائلتي تتغير، كتاب عن انفصال الوالدين’ و ‘صديقي المصاب بالتوحد’؛ وفنية ‘القدود الحلببة’ و’القوالب الموسيقية’ و ‘الفن العالمي’؛ و سلاسل تعليمية ‘الكوارث الطبيعية’ و’الصخور والمستحاثات’ و’أسماك القرش’ و’موسوعة الديناصورات’.

تصفحت كتاب ‘اطلس الحيوان’ وكدت أسقط لما وجدت في فقراته الأولى، فأمسكت بمعصم زوجتي مشيراً إلى ما كتب عن التطور الدارويني، وأنا أرجف. لكن الشخص الذي أمسكته لم يكن زوجتي، كانت امرأة أخرى. ابتسمت وهي تسوّي حجابها بالطريقة المعروفة حين تدخل المرأة إصبعاً مديرة إياه من جهة صدغ للآخر تحت الحجاب (لا أدري لم تفعل المحجبات ذلك لأنه في غالب الأوقات هذا لا يؤدي لأي تغيير ملحوظ، كما أرى). اعتذرتُ منها لكنها لم تأبه لاعتذاري، كما أنها لم تأبه للفقرة التي اشرت إليها قائلة: “إنها نظرية كغيرها، على الأطفال أن يتعلموا كل شيء”، ثم، وهي تضحك الآن، أشارت حيث كانت زوجتي تلعب مع مجموعة أطفال بمكعبات الأبجدية وهم يغنّون الحروف بالترتيب، وكأنها تقول لي: “روح العب معهم.”

بجانب زوجتي كانت كدسة الكتب التي دفعتُ ثمنها صاغراً، ثم انتقينا مجموعة من الكتب الأخرى كي لا نعود بخفي حنين بعد أن يئسنا من كتابنا المطلوب.

عند خروجنا كتبنا في سجل الزوار شكوى بسبب غياب الكتاب الذي أتينا لأجله، طالبين من الإدارة تدارك هذا النقص الذي لا يغتفر. وأشرنا لهم أن يعتنوا بقراءة صفحات التواصل الاجتماعي (كالفيسبوك) كي يعرفوا اهتمامات القراء الأساسية، وبالتحديد أولئك الذين يقيمون خارج سوريا في بلاد بعيدة، فهم الذين يعرفون تفاصيل ودقائق عن معرض الكتاب لا يعرفها سواهم من الزوار سكاناً محليين أو زواراً من الخارج.

أخبرناهم أننا سنعود في العام القادم، وإن لم نجد الكتاب وقتها سنقوم بتخريب كل مؤثراتهم البصرية لأننا نملك مدية فولاذية، ولن تفيدهم كل محاولات اللطافة واللين من عناصر أمنهم لأننا نعرف ما نريد، فنحن نتعلم من صفحات الفيسبوك ونتثقف من الإنستغرام، وليس من كتبهم  المضللة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى