الرأي العام

وجع الأقليات: غرباء في وطن واحد

الدولة السورية الجديدة، لم تترك مكوّناً اجتماعياً إلا وحاولت استرضاءه، وأعادت تشكيل علاقته بها، وغالباً ما سعت إلى ترميم الشروخ وتقديمه بوصفه داعماً ومسانداً. ومع ذلك، لا يبدو أن أحداً خرج راضياً

مرهف مينو – العربي القديم

ليس سهلاً أن أفصل بين كوني صحفياً وكوني مواطناً سورياً من الأقلية السنية؛ فهويتي المهنية التي تفترض مسافةً باردة عن الأحداث، تتقاطع يومياً مع شعور شخصي عميق بأن علم الدولة وحده هو ما يمثلني. وبين هاتين المسافتين، أقف كأي إنسان عادي في هذا البلد: قد أبدو مثقفاً، لكن في داخلي ذلك الشخص البسيط الذي قد يمرّ به الناس على الرصيف دون أن يلتفتوا إليه.

مع كل فتنة جديدة، أحاول أن ألوذ بالصمت. ليس جبناً، بل إدراكاً لمدى الإنهاك الذي يسببه فضاء التواصل الاجتماعي، حيث تختلط القناعات بالانتماءات، والمصالح بالهويات، فيتحول النقاش إلى استنزاف بلا جدوى. غير أن هذا الصمت لا يلبث أن يتآكل حين يتصاعد الخطاب الطائفي، وحين لا يقتصر الأمر على اختلاف في الرأي، بل يصل إلى طمس الحقيقة تحت ركام من التزييف والهتافات، وحتى عبر أدوات حديثة كتقنيات الذكاء الاصطناعي.

عندها، أجد نفسي أكتب بانفعال، مدركاً أن صوتي قد يضيع في ضجيج المشهد الإعلامي، لكن مدفوعاً بسؤال بسيط: إذا كنا، على مدار أربعة عشر عاماً، لم نيأس من مواجهة الاستبداد، فكيف نقبل اليوم بالصمت أمام تفكك المعنى ذاته للدولة والمواطنة؟

المفارقة المؤلمة أن الدولة السورية الجديدة، خلال الأشهر السابقة، لم تترك مكوّناً اجتماعياً إلا وحاولت استرضاءه، وأعادت تشكيل علاقته بها، وغالباً ما سعت إلى ترميم الشروخ وتقديمه بوصفه داعماً ومسانداً. ومع ذلك، لا يبدو أن أحداً خرج راضياً؛ بل إن أبسط الأسباب كانت كفيلة بإظهار التوترات، ورفع الأعلام الخاصة، وإطلاق دعوات الانفصال أو التمايز عن الدولة.

أمام هذا الواقع، لا يبدو المطلب معقداً بالنسبة إلى الغالبية السنية الساحقة: دولة واحدة، يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو امتيازات.

لكن ما نشهده اليوم يشي بعكس ذلك. يكفي أحياناً خلاف بسيط حتى يُستحضر خطاب الحماية، وترتفع الأعلام الفرعية، وكأن الانتماء الوطني لم يعد كافياً. الأخطر من ذلك هو الشعور المتنامي بالاغتراب داخل الوطن نفسه؛ حين يُشار إلى مواطنين سوريين بوصفهم “غرباء”، فقط لأنهم ينتمون إلى جغرافيا أو خلفية مختلفة.

أن يُقال، على لسان بعض سكان المدن ذات اللون الواحد، إن “مجموعة من الغرباء دخلت” إلى مدينة سورية، ليس مجرد توصيف عابر، بل تعبير عن خلل عميق في تصورنا للوطن. فهل يحتاج السوري، أياً كان انتماؤه، إلى إذن ليدخل مدينة في بلده؟ وهل أصبح التنقل بين حمص والسلمية، أو درعا ودمشق، مسألة هوية لا جغرافيا؟

هذا السؤال، في جوهره، ليس سياسياً فحسب، بل وجودي أيضاً؛ لأن الإجابة عنه ستحدد ما إذا كنا لا نزال نعيش في وطن، أم في خرائط متجاورة يخشى بعضها بعضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى