العربي الآن

 العميد نذير السقا: دفع ثمنا باهظا لمحاولة اغتيال حافظ الأسد ورحل دون أن يُكرم

رحل العميد محمد نذير السقا في مدينته دمشق في الحادي عشر من نيسان/ أبريل الجاري مظلوما في زمن كان ينبغي أن ينصفه ويكرمه.

محمد منصور – العربي القديم

سمعت باسمه لأول مرة على لسان ابن دير الزور الأصيل العقيد حاتم الراوي، الذي حدثني عنه عندما التقيته في مكاتب أورينت في إسطنبول عام 2021، وكان العقيد الراوي يستعيد بذاكرة وقادة تفاصيل محاولة الانقلاب العسكرية التي قادها وخطط لها بجسارة هذا الرجل بالاشتراك مع الضابط الحموي تيسير لطفي وعدد آخر من الضباط.

كان اسمه نذير السقا، ويومها قال لي العقيد الراوي، إنه فكر بأن يطالب الائتلاف الوطني لقوى المعارضة بتكريمه ثم تراجع لأنه مازال يقيم في دمشق، ويمكن لتكريم كهذا أن يهدد حياته في ظل نظام التوحش الطائفي البائد.

مرت الأيام، وجاء حدث التحرير مزلزلا، مفعماً بطعم الانتصار، حاملا الناس على جناح البشرى التي لا تصدق، والفرج الذي لا يرتجي اليائس أن يبلغ مشارفه، فكيف وقد بلغ قمته… فعدنا إلى دمشق لنطوي سنوات الغربة والتشرد، ولنستعيد من جديد وطنا مسلوبا، ومدينة قهرها الطائفيون الممتلئون بأحقاد لا شفاء منها، وهم ينكلون بأهلها وتراثها وذاكرتها، حجرا وشجرا ووقائع وذكريات.

هذه المرة، وفي دمشق، قفز اسم نذير السقا أمامي كالحلم… كالمفاجآة… كالصدفة السعيدة التي تأتي بلا أي تمهيد. فقد دعاني النائب السابق محمد مأمون الحمصي لحضور الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف في مضافته بحي العدوي… وعندما ألقى خطبة صغيرة بعد انتهاء الاحتفال بالمولد، رحب بعديله: “العميد نذير السقا” وقال انه موجود معنا هنا.

خرج العميد الشجاع من ذاكرتي المولعة بتاريخ هؤلاء الرجال الذين قارعوا نظام الأسد، وأثبتوا أن الشعب السوري لم يكن خانعاً بالمطلق رغم حكم الحديد والنار…  خرج من روايات الآخرين العطرة عنه، من تداول اسمه في وقائع التاريخ الدامي لحقبة الأسد….. ليتجسد أمامي بشرا من لحم ودم وبطولة، بشرا يمكن أن تراه وتسلم عليه، دون أن يتحفظ أحد على هويته أو التعريف ببطولته، التي كانت في زمن ما: “خيانة” في قانون القتلة والمجرمين والطغاة.

 طلبت من أبي ياسين، أن يعرفني إلى عديله، بعد أن تأكدت منه إن كان هو نفسه من قاد محاولة الانقلاب ضد حافظ الأسد. تفضل العميد العجوز المتعب بمصافحتي بمودة الموصى به وباتبسامة رضا لم يكن لعين متأمل أن تخطئوها في محياه. بدا لي خلال حديثي معه أنه لا يطلب شيئا، لا يطمح لشيء، فما سجن من أجله عاش ليقطف ثماره… وهذا التحرير حتى وإن لم يكن له أي اتصال تنظيمي بما قام به العميد السقا هو ورفاقه، هو ثمرة حالة الرفض لهذا الاستبداد الطائفي المجرم… الرفض للعيش في ظله وتحت رايته مهما كان الثمن باهظا.

 واستأذنته وأنا أنقل له ما حدثني به العقيد حاتم الراوي عنه، ان ألتقط صورة تذكارية معه… وهو أمر لم أفعله مع وزراء ولا مسؤولين ممن قابلتهم بعده. فالصورة هنا مختلفة، ليست صورة مع المنصب، بل صورة مع التاريخ، وليست صورة مع النفوذ في زمن الاستعراض، بل صورة مع الشجاعة التي أعلنت عن نفسها في أعتى أزمان الخوف والقهر.

ولد محمد نذير شريف السقا في حي القيمرية الدمشقي عام 1938، انتسب إلى الكلية الحربية وتخرج منها ضابطا في سلاح الجو في ستينيات القرن العشرين. شارك في حرب تشرين عام 1973 وكان يحمل اختصاصا في الحوامات، تدرج  في الجيش السوري حتى وصل إلى رتبة عميد ركن جوي في قيادة القوى الجوية، وفي عام 1982 قاد محاولة انقلابية ضد حافظ الأسد بالتعاون مع ضباط آخرين أبرزهم تيسير لطفي (شقيق الشاعر محمد منذر لطفي) وصلاح حلاوة،  وكانت الخطة تقتضي أثناء حضور حافظ لعرض عسكري تحرك لواء، وتحريك طيران والتنسيق مع ضباط في أسلحة مختلفة، قبل أن يشي بالعملية أحد الضباط في الساعات الأخيرة… فيقضي العميد نذير السقا مع كل من اشترك بالعملية 23 عاما متنقلا بين سجن المخابرات الجوية، وسجن تدمر وانتهاء بصيدنايا حيث أفرج عنه عام 2004 بعفو صحي.

نقل لي العقيد حاتم الراوي عن العميد نذير السقا، أنه كان مستعدا لتفجير العرض العسكري حتى لو أدى هذا لموته هو أيضا، ونقل لي عبارة مجازية على لسانه: سأذهب به وأقول يارب لقد أتيت لك به وأنت أحكم العادلين.

قضى العميد نذير السقا (12) عاماً في سجن تدمر الرهيب، ومنعت عنه أي زيارة عائلية خلال السنوات الثلاث الأولى من السجن، وبصعوبة بالغة، أفلحت الوساطات والأموال الطائلة التي دفعت بنقله من سجن تدمر الرهيب إلى سجن صيدنايا عام 1994، ليقضي هناك (10) أعوام أخر. حين خرج من السجن عام 2004 كانت ابنته الصغرى التي ولدت بعد اعتقاله قد تخرجت من كلية الاقتصاد وحضرت دبلومين… أما ولديه فقد سافر أحدهما إلى الخليج ومنها إلى بريطانيا وكان يحمل دكتوراه في المعلوماتية، لكنه ظل يبحث عن أي طريق يقود إلى الإفراج عن أبيه… وحين خرج الأب من السجن وجد لديه أحفاداً قد كبروا، دون أن يعرفوا شيئا عن جدهم الغائب.

نعت رابطة الناجين من سجن تدمر العميد الراحل في بيان لها بالقول: ” ستبقى ذكراك يا أبا حسان خالدة في قلوبنا، وستظل إرادتك الصلبة ومواقفك المشرفة في الدفاع عن الحق، والوقوف في وجه الظلم، مصدر إلهام لنا وللأجيال القادمة”

بيان رابطة الناجين من سجن تدمر الذي نعى العميد نذير السقا (العربي القديم)

وقد سبق لي أن كتبت عن العميد السقا على صفحتي الشخصية على فيسبوك حين التقيته في خريف عام 2025:

“حيث شرفني العميد السقا بالتقاط هذه الصورة كان يبتسم مطمئنا… وقال لي برضا: تأخر الامر 40 عاما قبل ان يأذن الله بسقوط هذا النظام المجرم على يد الثوار الشباب… لكننا حاولنا على قدر ما أتيح لنا… والشعب السوري يستحق كل تضحية. يستحق العميد نذير السقا أرفع تكريم فقد قدم 22 عاما من عمره من أجل ألا يسجل التاريخ أن السوريين صمتوا على هذا النظام الطائفي المجرم ولم يحاولوا اقتلاعه.”

نعم… لقد كان العميد نذير السقا دمشقيا شجاعاً، وسوريا أصيلا، سار على درب العزة والكرامة، وكذّب – مع ضباط آخرين – أن الدمشقيين وعموم أبناء المدن انصرفوا إلى التجارة ولم يهتموا بالجيش… فقد كان واحدا من مئات قبله، سرحهم النظام البعثي في تسريحات صلاح جديد الطائفية عام 1963، وكان واحدا من عشرات كانوا معه أو أتوا بعده، رمى بهم النظام في السجون، أو سرحهم تسريحا تعسفيا لأسباب واهية أو أحالهم على التقاعد حين بلغوا رتبة عميد… وفي كل الأحوال، كان العميد السقا أسطورة شجاعة لم تركن للظلم والقمع والترهيب، فحاولت بشرف، ودفعت الثمن بشجاعة.

ومن المؤسف أن دعوتي لتكريمه بعد التحرير لم تلق آذانا صاغية، كما أن تشييعه وحتى اليوم الأول من مجلس عزائه، غاب عنه التمثيل الرسمي للدولة التي يفترض أن تعتبر العميد الراحل بطلا من أبطال الوطن الحر الذي حلمت به، ووصلت إليه… لكن غياب الإحساس بالمسؤولية التاريخية إزاء هذه الشخصيات، وطغيان قيم النفاق والتملق والاستزلام على السطح، يمكن أن ينتج مثل هذا الجحود وأكثر، ويمكن ان يدفع بعديله النائب السابق مأمون الحمصي لأن يكتب على صفحته على (فيسبوك) قائلا:

“اجتمع في جنازة العميد البطل نذير السقا عشرات الضباط الأبطال الذين قضوا زهرة شبابهم في سجون الدكتاتور الأب والابن.  والمؤلم والمحزن ان هذا العهد لا يحب جبر الخواطر ولا يحب تكريم الأبطال إلا منهم ولهم. وأصبحوا يشعرون هم الوطن والوطن لهم فقط. تحية لك الراحل البطل نذير السقا ولكل ضباط الشرف خرجي سجون تدمر وصيدنايا تحية لكم أيها الأبطال المنسيون”

منشور النائب السابق محمد مأمون الحمصي الذي ينتقد فيه تقاعس الدولة في تكريم العميد السقا (فيسبوك)

رحل العميد محمد نذير السقا في مدينته دمشق في الحادي عشر من نيسان/ أبريل الجاري مظلوما في زمن كان ينبغي أن ينصفه ويكرمه.

رحل صامتاً في زمن الضجيج… مترفعا وقد علمته سنوات السجن الطويلة معنى الصبر ومكامن العزة والجمال فيه.

لكن ذاكرة التاريخ أوسع من أن يختزلها عهد واحد… وهي ذاكرة ستغربل الأسماء والوجوه والأدوار فتسقط من لا يستحق البقاء، وتعيد الاعتبار لمن فاته أن يعيد الاعتبار لأهله.  

محمد منصور

رئيس تحرير العربي القديم، صحفي وناقد من أبناء مدينة دمشق، يعمل في الصحافة منذ عام 1990 وله عشرون كتاباً مطبوعاً في النقد الأدبي والفني والتاريخ السوري وعشرات الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى