خطيئة التنظير وتدوير النخب في “شهادة للتاريخ” على تلفزيون سوريا
غياب الاستجواب النقدي من قِبل الجبين هو ضعف مهني، وانعكاس للوظيفة المحددة للمثقف الوظيفي داخل المؤسسات الموجهة.

نوار الماغوط – العربي القديم
يشكل مواجهة الفساد في الوعي السوري في حقبة البعث وحكم بيت الأسد عتبةً فاصلة بين الإعلام الاستقصائي الحقيقي، الذي يفكك شبكات المصالح ويكشف عورات الاستبداد، وبين الإعلام الوظيفي الذي يحوّل الكوارث البنيوية إلى مادة للسجال النظري والتثاقف الأكاديمي البارد. في حلقة برنامج “شهادة للتاريخ”، التي بثها تلفزيون سوريا تحت عنوان مضلل: “ملف الفساد.. إرث تاريخي أم نتاج الاستبداد؟”، تتبدى الأزمة العميقة التي يعاني منها الإعلام وهي أزمة لم تعد تتعلق بنقص الإمكانيات، ولكن بارتهان الأجندات التحريرية، والوقوع تحت هيمنة الاحتكار الفكري للنخب المدوّرة التي تتحرك في فلك ممول سياسي واحد.
استخدام التاريخ كأداة للهروب
كانت هذه الحلقة تجسيداً صارخاً لكيفية استخدام “التاريخ” كأداة للهروب من استحقاقات معاصرة، وتعمية المشاهد السوري عن شبكات المصالح الحقيقية التي سحقته لعقود. إن تفكيك هذه المقابلة يتطلب ما هو أبعد من نقد الأفكار الظاهرة إنه يستدعي تشريح بنية المصالح والتبعية المؤسساتية التي تجمع المحاور إبراهيم الجبين، والضيف الدكتور سمير سعيفان، والمنصة الحاضنة (تلفزيون سوريا)، حيث تلتقي هذه الخيوط الثلاثة لتصب في مركز واحد: إمبراطورية عزمي بشارة الفكرية والمالية.
يبدأ الخلل البنيوي في المقابلة من النبرة التي تبناها المحلل الاقتصادي الدكتور سمير سعيفان، الذي اختار مقاربة ملف الفساد من بوابة التاريخ السحيق، معيداً جذوره إلى العهد العثماني وحقبة الانتداب الفرنسي. إن هذه المبالغة في “تأريخ الفساد” لا يمكن قراءتها في السياق السوري في حقبة البعث وحكم بيت الأسد إلا كعملية تمييع وتشتيت للمسؤولية السياسية والجنائية المباشرة. عندما يتحول الفساد إلى خطيئة تاريخية متوارثة وجينات بنيوية ممتدة عبر القرون، يتقزم دور نظام الأسد الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن، ويتحول إلى مجرد وارث لتركة قديمة.
إن الفساد في سوريا الحديثة لم يكن يوماً مجرد “امتداد للرشوة العثمانية” أو “المحسوبية الانتدابية”، بل كان عقيدة دولة وآلية حكم ممنهجة اعتمدها النظام لتدمير القطاع الخاص المستقل وبناء برجوازية طفيلية مرتبطة بالأجهزة الأمنية وعائلة الحاكم.
غابت عن طرح سعيفان الأسماء الصارخة لشبكات النهب الهيكلي، لم نسمع تفكيكاً لشبكات آل مخلوف التي أممت الاقتصاد الخاص لصالح العائلة، ولا لشبكات آل شاليش التي احتكرت قطاعات المقاولات والمرافئ عبر النفوذ الأمني، وصولاً إلى الدور لشبكة أسماء الأخرس والتي أدارت عملية إعادة هيكلة أموال الدولة واقتصاد الظل والكبتاغون. هذا التفكيك غاب تماماً عن طرح سعيفان، استعاض عن هذه الأسماء الحية بتعريفات أكاديمية كلاسيكية كُتبت في بطون الكتب الغربية.
مصطلحات شعاراتية إنشائية
الأخطر من ذلك هو تبني سعيفان لمصطلحات شعاراتية إنشائية مثل “تحالف الجفاف” الذي يضم (الجاهلون، الفاشلون، الانتهازيون، الفاسدون). إن هذه الصياغات تصلح لخطابات التعبئة الجماهيرية أو المقالات الأدبية، لكنها تفشل فشلاً ذريعاً في تفسير آليات عمل اقتصاد الظل أو الريعي، وتهريب الأموال، والنهب الجائر لثروات البلاد. وفي ذروة التناقض الفكري، حاول سعيفان إمساك العصا من المنتصف عند تقييمه لمرحلة الوحدة والتأميم في الخمسينيات والستينيات، ففي حين حاول مغازلة السردية القومية بالحديث عن “عدالة توزيع الثروة في المدى القصير”، أغفل الحقيقة الاقتصادية القاسية بأن قرارات التأميم العشوائية كانت الرصاصة الأولى التي أُطلقت على بنية الاقتصاد السوري الحُر، واللبنة الأولى التي أسست لاقتصاد المحسوبية السوفيتي الذي تغلغل فيه الفساد الإداري ليتضخم لاحقاً في عهد البعث.
على الجانب الآخر من الطاولة، تظهر أزمة إدارة الحوار الإعلامي متمثلة في أداء إبراهيم الجبين. المقدم في هذه الحلقة ليس محاوراً نقدياً مشاكساً يبحث عن إجابات حقيقية، بل كان ميسراً للحديث، وشريكاً في صياغة سردية الهروب نحو الماضي. طغى الأسلوب الروائي والأدبي على الجبين، فتحولت الأسئلة الاقتصادية الصلبة التي تهم المواطن السوري إلى مجرد تساؤلات رومانسية تبحث عن إحالات تاريخية في الروايات والذاكرة السياسية القديمة.
المثقف الوظيفي
إن غياب الاستجواب النقدي من قِبل الجبين هو ضعف مهني، وانعكاس للوظيفة المحددة للمثقف الوظيفي داخل المؤسسات الموجهة. فعندما يترك المحاور ضيفه يسترسل لعشرات الدقائق في نقاش أحداث الأربعينيات والخمسينيات دون إعادته بقوة إلى التشخيص الجريء لجذور المنظومة المعاصرة، فإنه يمارس عملية تفريغ واعية للمحتوى الإعلامي من شحنته السياسية. إن تحويل قضية الفساد، التي تعد من القضايا الحارقة، إلى مادة صالحة للسمر الثقافي الصالوني، هو تخلٍ صريح عن دور الصحافة كـ “سلطة رابعة”، وتحويلها إلى مجرد أداة لإشغال الفراغ البرامجي دون إثارة حفيظة القوى الحقيقية المتحكمة في المشهد.
لا يمكن فهم هذا الاستسهال الإنتاجي والعقم الفكري بمعزل عن البنية الهيكلية والتمويلية لتلفزيون سوريا ومحيطه المؤسساتي. إن وقوع القناة، والبرنامج، والضيف والمحاور ضمن فلك “إمبراطورية عزمي بشارة” الفكرية والمالية، يفسر بوضوح لماذا يخرج المنتج الإعلامي بهذه الرداءة والرمادية المعرفية.
تعتمد هذه المنظومة على سياسة “تدوير النخب والوجوه الحزبية القديمة”؛ فالضيف سمير سعيفان (الذي شغل سابقاً منصب مستشار اقتصادي عند مكتب اسماء الاسد قبل 2011 ومدير إدارة مركز حرمون للدراسات لدى الدكتور عزمي بشارة حتى وقت قريب ) والمحاور إبراهيم الجبين، وغيرهم من الباحثين والمحللين، يتحركون الذي كان لديه عدد كبير من البرامج المهمة في التلفزيون السوري أيام النفوذ القوي للعماد ناجي جميل وحتى عام 2011. وانتقل بعدها للعمل مع رياض حجاب ضمن منصة الرياض وبعدها شكل تحالف مع منظمة العدالة الاميركية،
الهروب إلى الأمام
إن المفارقة الأكثر إثارة للسخرية في هذه المقابلة تكمن في البنية الأخلاقية والمهنية للمنبر الإعلامي نفسه. فكيف لمؤسسة إعلامية متهمة في كواليسها بالفساد الإداري، والتعيينات القائمة على الولاء والشللية والمحسوبية، والتبذير المالي بعيداً عن الرقابة، أن تملك الجرأة الأخلاقية لفتح ملف الفساد ومحاكمته؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه، ولهذا السبب تحديداً، لم يكن أمام القائمين على البرنامج سوى الهروب نحو الأمام، واختيار العهد العثماني والانتداب الفرنسي كمشجب لتعليق الأزمات البنيوية العميقة.
إن الضحية الأولى لهذا النمط من الإعلام الموجه هو المواطن السوري، الذي يُراد له أن يظل مستهلكاً لخطاب نخبي، أكاديمي معزول، لا يقدم له أي تفسير حقيقي لآليات الفساد التاريخية المعاصرة. إن حلقة “شهادة للتاريخ” لم تكن شهادة للتاريخ، بل كانت شهادة على عجز نخب المعارضة المدوّرة عن تقديم قراءة شجاعة وموضوعية وتفكيكية، واستبدال ذلك بثرثرة تبريرية مغلفة برداء الأكاديميا الزائفة.