الرأي العام

سورية السلفية والطائفية حتى إشعار آخر

تيارات الحركة السلفية والإسلام السياسي عموما، هي الخطر الأكبر على البلد الآن. ببساطة لأن من أهم موادها التحريضية هي بقاء الخطاب الطائفي في البلد

غسان المفلح – العربي القديم
بات واضحا للعيان في حراك المشهد السوري، بروز ظاهرة السلفية كمحاولة للهيمنة على “المجتمع السني السوري”. هذه الحركة بدون الدخول الآن في تسمية شخوصها وتياراتها المتعددة. بل هم المادة هو محاولة لفتح باب النقاش حولها.
السلفية السلمية والسلفية الجهادية
كما هو معروف هنالك سلفية يمكن تسميتها تجاوزا سلمية! وهنالك سلفية جهادية. من المعروف طبعا أن الحركة السلفية عموما قبل ظهور السلفية الجهادية، كانت تحاول العمل بدون مواجهة مع الحاكم أيا يكن. بل أحيانا تدعمه. لكن ظهور السلفية الجهادية التي يمكننا اعتبار الشيخ مروان حديد أول طلائعها، وفيما بعد تنظيم الطليعة المقاتلة، لكن دون تسمية، لأنها لم تكن واردة حينها. السلفية بقي تأثيرها محدودا جدا في سورية. حتى أتت الثورة السورية، والبروز القوي للسلفية الجهادية. السلفية الجهادية تفاعلت مع سوريا بطريقتها مع السياق الطائفي للنظام الاسدي. حيث لم يعد العودة للسلف الصالح إلا بالاشتباك مع المسالة الطائفية. هذا الاشتباك بدأ يظهر بقوة أكبر بعد التحرير. حيث بات الموقف من العلويين كطائفة، ومن الدروز كطائفة أيضا، مقدمة المقدمات للتحشيد وللوسائل التي يمكنها توسعة نفوذها الشعبي. إضافة إلى محاولتها الدؤوبة لإغلاق المجال السني لصالحها، ولصالح طروحاتها. حيث أيضا في السياق السوري طباعة عشرات الآلاف النسخ من كتب ابن تيمية، وإظهار هذا النشاط ليس فقط كتسويق أيديولوجي بل تسويق كيدي أيضا. كما خروج مشايخها في محاولة للقيام بنشاطات، تحت بند أن هذه تقاليدنا التاريخية والاسدية كانت تمنعها. وهذا الادعاء غير صحيح.


حرية رأي وحرية نشاط!
لكن الملفت للنظر أن هذه المحاولات تعاملت معها السلطة بوصفها حرية رأي، وحرية نشاط مدني! كي لا نبقى ندور في حلقة مفرغة، أقول إن السلفية توسعت تحت شعار تأسيس دولة إسلامية سنية. هذا الامر انتقل بالعدوى في السياق الانتقالي السوري. بهذا نعود إلى جوهر ما كنت اطرحه على مدار أكثر من عقدين، أن الشعب السوري يواجه اشكاليتين متداخلتين ومنفصلتين بالآن معا. إشكالية الإسلام السياسي والاشكالية الطائفية. لهذا هما اشكاليتين سوريتين. أيضا بعد التحرير ظهرت أطروحة مركزية أن الإشكالية الطائفية في البلد لا يتحملها نظام الأسد. بينما السلفية ومعظم تيارات الإسلام السياسي: أن غيابها عن الشارع يتحمله الأسد ونظامه. من هنا بات من الواجب تصحيح التاريخ. حيث تصير هذه التيارات هي التيارات المسيطرة على الشارع والمهيمنة عليه. كل العداء التجييشي الغاية منه ليس السيطرة على شوارع الطوائف، بقدر ما هو السيطرة على الشارع السني وجعل الفضاء العام إسلاما سياسيا. سلفي أم غير سلفي.

ردود فعل النخبة
الغريب بقي هذا التجييش يعتمد على ردود فعل النخب السورية التي تنفي الطائفية عن النظام الاسدي بطريقة عدائية ضد “المجتمع السني”! كأننا في المحصلة نخلص لنتيجة مفادها: أن السلطة الجديدة هي وراء بروز الطائفية في البلد، وأن السنة هم الطائفيون. هذه الخلاصة أتت حقل منقذ إضافي لحركات السلفية وتيارات الإسلام السياسي. هذه النقلة قامت بها وتقوم بها نخب من الطائفة العلوية ونخب من تتبع لفضاء الهجري وعصاباته. في جوهر الاطروحة أيضا تبرئة للنظام الاسدي من دوره المخرب الطائفي للمجتمع السوري على مدار 60 عاما. إذا نحن أمام استمرار للإشكاليتين في سياق جديد. سمته الأساسية أنه انتقالي، وقابل للعطب. السؤال الأهم: كيف تتعامل السلطة السياسية والأمنية مع هذا الامر. السلطة في وضع داخلي واقليمي ودولي. تجعل حساباتها كلها منصبة فيما أسميته سابقا، بإنتاج سلطتها واعادة انتاجها، مع ما يتطلبه هذا الامر من مساومات هنا، وغض طرف هناك. البحث عن التيارات الداعمة لإنتاج السلطة، وإعادة إنتاجها بوصفها سلطة دائمة. لهذا لم يعد خافيا على أحد أيضا: أن تيارات الحركة السلفية والإسلام السياسي عموما، هي الخطر الأكبر على البلد الآن. ببساطة لأن من أهم موادها التحريضية هي بقاء الخطاب الطائفي في البلد. بقاء الهجوم على الأكثرية السنية. لأن غاية هذه الحركات في النهاية هي السيطرة على هذه الأكثرية. لهذا تغيب عنها، وعن أدبياتها دولة ديمقراطية أو دولة قانون وحقوق انسان. إضافة إلى وجود رموز منها أو من اتباعها في مناصب داخل السلطة والدولة. كالقوانين التي يسنها محافظ هنا ورئيس بلدية هناك، الغاية منها السيطرة على الحقوق الفردية للسوريين. خاصة فيما يتعلق بعنوان عريض” المرأة والأخلاق الإسلامية العامة، كما يرونها”.

تبرئة الأسدية من الطائفية
السؤال الآخر: فيما لو ارادت السلطة مواجهة هذا السيل، كيف السبيل إلى ذلك؟ هذا أيضا للنقاش. من جهة أخرى يعتقد كثر من الناشطين، أن تبرئة الأسدية من الإشكالية الطائفية التي مزقت البلد، هو دفاعا عن الطائفة العلوية. هذه مغالطة تعيشها سورية بنخبها منذ ستين عاما أيضا. دون أن نفهم أن الأسد الاب ووريثه: ما كان يمكن أن يحكم ديكتاتوريا إلا بالاعتماد على الطائفية كأداة. لأن الديكتاتورية هي في النهاية خلق أجهزة قوة موالية بالترغيب والترهيب. ليس كل نظاما طائفيا هو نظام شمولي لبنان مثالا، كما ليس كل نظام شمولي هو نظام طائفي نظام القذافي مثالا. هذا يعتمد على التركيبة الاجتماعية الطائفية في كل مجتمع. إضافة لعوامل أخرى إقليمية ودولية. ولاء أجهزة القوة يحتاج لرأسمال مادي من أجل خلق رأسمال رمزي داعم للديكتاتورية. الأسد الاب وابنه، لا يشاركا أحدا في القرار لا سنيا ولا علويا ولا خلافه، لكنهما يشتغلان على تنضيد الموالاة في أجهزة القوة. الطائفية لا تخلق بالكلام بل تخلق بالمال، وما تتيحه السلطة الفردية من امتيازات على كافة الصعد في دولة يغيب القانون عنها. هذا النفس في الكلام حول تبرئة الأسدية من الطائفية، لا يحمي الطائفة العلوية، التي حتى الآن معظم فاعليها على الأرض ونشطائها لا يعترفون بالمجازر بحق الشعب السوري، بل عملوا منذ اليوم الأول للتحرير بوصفهم فلول، يعملوا تحت يافطات علوية- أسدية. قلة منهم تعمل تحت يافطات سورية سواء كانت معارضة للسلطة الحالية أو موالية. هذا بالضبط ما تريده السلفية والإسلام السياسي كي يقولوا: أرأيتم؟
ستبقى سورية تحت ضغط هاتين الاشكاليتين، ما لم تعمل السلطة والقوى المجتمعية على مواجهة ذلك بدولة قانون وحقوق انسان ونظام ديمقراطي لا مركزي.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى