تاريخ العالم

من جدار للخوف إلى مداس نحو عهد جديد: أسطورة الباستيل وأيديولوجيا الأنقاض

تمثلت العبقرية الفلسفية لهدم الباستيل، في نقل حجارته الضخمة لبناء "جسر الكونكورد" في باريس، في تحول دراماتيكي نقل الرمز من "جدار عمودي" يحجب الأفق ويسجن الإنسان، إلى "بساط أفقي" يطأه عامة الشعب بأقدامهم كل يوم للعبور نحو العهد الجديد

علي نفنوف – العربي القديم

حينما كنت طالبا في الثانوية العامة كان يثير استغرابي أن ماده اللغة الإنجليزية المقررة لطالب الصف الثالث الثانوي فيها كتاب مرافق له تحت مسمى قصه وكان بعنوان” قصه مدينتين” للكاتب الفرنسي تشارلز ديكنز.. وقتها اخذتني افكاري يمينا ويسارا لماذا نتحدث عن قصه فرنسيه لكتاب الانجليزي واكثر ما لفت انتباهي الحديث عن سجن او قلعه الباستيل وسط باريس

فما هي قصه الباستيل وما الرمزية والأسطورة؟

حين أصدر الملك الفرنسي شارل الخامس أمره في أواخر القرن الرابع عشر بتشييد حصن “باستيل سان أنطوان” لحماية البوابات الشرقية لباريس، لم يكن يدور في خلد المعماريين أن هذا البناء سيكفّ يوماً عن كونه مجرد جدار دفاعي ليصبح مرادفاً كونياً للاستبداد، وثم ثورةً تلتهمه لتعيد صياغة وجدان البشرية. إن كلمة “الباستيل” في أصلها اللغوي القديم المشتق من اللاتينية لم تكن سوى وصف مادي محايد يعني “الحصن الصغير المحصن”، لكن التاريخ يمتلك شهية غريبة في نزع الحياد عن الحجارة؛ ففي عهد لويس الثالث عشر، وتحت وطأة تدابير الكاردينال ريشيليو، تحولت القلعة العسكرية إلى سجن سياسي مغلق، ومذ تلك اللحظة صعد الاسم ليكون علماً حصرياً على المسلخ النفسي للمعارضين والمفكرين، ورمزاً حياً للحكم الملكي المطلق الذي يسجن الأجساد دون محاكمة أو رقيب.

لقد كان هذا الحصن يمثل تجسيداً معمارياً للفجوة الطبقية الفجة التي فجّرت الثورة الفرنسية عام 1789؛ فالبلاد التي كانت تئن تحت وطأة إفلاس الخزينة والمجاعة القاسية واحتكار النبلاء ورجال الدين للامتيازات والتهرب من الضرائب، كانت تنظر إلى أبراج الباستيل الثمانية كوحش رمادي جاثم يُشرعن هذا الظلم ويحمي ترف قصر فرساي وبذخ ماري أنطوانيت. وفي تلك الأبراج الموحشة، تلخصت جدلية التفاوت الطبقي؛ فبينما كان سجناء الأرستقراطية والمفكرون يعيشون في زنازين مفروشة أشبه بالصالونات الأدبية ويجلبون أثاثهم وكلابهم  ويتناولون الوجبات الفاخرة مع حاكم السجن، كان سجناء الطبقة العامة يُلقون في أقبية الأبراج الرطبة والمظلمة ليتآكلوا في الصمت والقهر. ومن هذا التباين، ولدت الأساطير التي غذّت الغضب الشعبي، وعلى رأسها لغز “الرجل ذو القناع الحديدي” في عهد لويس الرابع عشر، ذلك السجين الغامض المحاط بالرفاهية المطلقة والسرية القاتلة، والذي خلدته مخيلة الأدباء كأخ توأم مخفي للملك حمايةً للعرش، أو حكاية الفيلسوف الساخر “فولتير” الذي حوّل زنزانته إلى دهليز للمجد الأدبي فخرج منها بمسرحية عالمية وثروة طائلة تستهزئ بالنظام الذي اعتقله.

وعندما دنت ساعة الانفجار في الرابع عشر من يوليو 1789، واقتحمت الحشود الغاضبة الحصن بحثاً عن البارود، تجلت المفارقة الكبرى التي كشفت عبقرية الأسطورة؛ فلم يجد الثوار سوى سبعة سجناء فقط، معظمهم من المزورين والمصابين بخلل عقلي، إلى جانب الماركيز دي ساد الذي نُقل قبل أيام بعد أن صنع مكبراً للصوت من نافذته يصرخ عبره للشارع بوجود مذابح وهمية بالداخل. لم يكن عدد السجناء الضئيل صدمةً تُجهض الثورة، لقد أكد أن الوعي الجمعي كان يحارب “الفكرة” لا الجدران؛ فسقوط الباستيل كان عملية تفكيك نفسية لجدار الخوف الإنساني. ولم تنتهِ الحكاية بسقوط الحصن، حيث بدأت فصول أخرى أكثر رشاقة وذكاءً حين تولى المقاول بيير فرانسوا بالوا الإشراف على الهدم المنظم بمشاركة مئات العمال، وحوّل الأنقاض إلى مادة خام لتجارة الوعي الثوري، فصنع من الحديد والأغلال ميداليات، ونحت الحجارة على شكل مجسمات مصغرة للسجن أُرسلت للمقاطعات لتباع كتمائم للحرية. أما العبقرية الفلسفية للهدم، فتمثلت في نقل الحجارة الضخمة لبناء “جسر الكونكورد” في باريس، في تحول دراماتيكي نقل الرمز من “جدار عمودي” يحجب الأفق ويسجن الإنسان، إلى “بساط أفقي” يطأه عامة الشعب بأقدامهم كل يوم للعبور نحو العهد الجديد.

جسر الكونكورد الشهير في باريس الذي بنى من حجارة سجن الباستيل (العربي القديم)

هذه الملحمة التاريخية جعلت من الباستيل مادة خصبة للأدب والشعر والفنون؛ فتلقفته الروح الشاعرية الرومانسية عند ويليام بليك و ويليام وردزورث كشيطان انهار لتتحرر البشرية، وصوره الرسامون كوحش ينبعث منه الدخان والنار تتضاءل أمامه أجساد الثوار وتتعاظم إرادتهم، في حين حوّله تشارلز ديكنز في “قصة مدينتين” إلى بركان يغلي بالعدالة المؤجلة خلف زنزانة “برج الشمال”.

لقد تحول الباستيل من مجرد حصن مادي هُدم واستحالت حجارته جسراً، إلى “مصطلح أدبي وفكري” عابر للقارات والعصور؛ لقد مات في الجغرافيا قبل قرنين ونيّف، لكنه بقي عامراً في الذاكرة الإنسانية كدرس فلسفي متجدد يثبت أن الحصون التي تُبنى من الخوف تنهار في نفوس الشعوب أولاً، قبل أن تسقط حجارتها على الأرض، لتظل كل زنزانة تقمع الفكر في العالم “باستيلاً” ينتظر حتماً يوم الرابع عشر من يوليو الخاص به.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى