فنون وآداب

إبراهيم نصر الله مُتهَماً (دراسة في الاستيلاء الأدبي)

فعل النقل والاستيلاء الحرفيين المباشرين، اللذين يُعدّان من المظاهر الأساسية للسرقة الأدبية غير واضحين على نحو مباشر وحرفي، لكن هذا لا يلغي مبدأ السرقة الأدبية، بل يعيد تعريفها على أنها الاستيلاء غير المـُعترَف به

 إسلام أبو زيد- العربي القديم

 تتأسّس فرضية هذا المقال على أن رواية إبراهيم نصر الله (حارس المدينة الضائعة) المنشورة عام 1998م، قد بنيت على المخطط الحكائي والهيكلي لقصة لؤي علي خليل (أشياء ضائعة)، التي نُشرت في مجلة الفيصل عام 1995م، ولا يؤكد المقال فرضيته بوصفها سرقة أدبية حرفية، بل بوصفها فعلاً عميقاً من الاستيلاء، أو الاستملاك الأدبي غير المـُعترَف أو المصرح به، إذ عمد نصر الله إلى استيعاب العنوان والفرضية الجوهرية، والمحرك السردي، والمسار الموضوعي، والحدث المركزي والرمزية المحورية للنص المصدر_ قصة لؤي خليل_ وتوسيعها دون أي إشارة، أو إقرار بهذا الأصل.

العنوان كنقطة التقاء

يمثّل العنوان نقطة الالتقاء الأولى بين العملين؛ فالقصة بعنوان (أشياء ضائعة) والرواية بعنوان (حارس المدينة الضائعة)، فلم يستطع إبراهيم نصر الله أن يتجاوز الإشارة إلى مفهوم الضياع في عنوانه؛ لأن العمل كله يقوم على فكرة ضياع المدينة، كما هو الأمر تماماً في قصة لؤي خليل، فبدا منذ عتبات النص الأولى أن ثمّة عناصر ذات حضور قوي في القصة، لم يستطع الروائي تجاوزها، ففرضت وجودها على نصّه، لتكون علامات وقرائن، تشير إلى المصدر الأصلي على نحو لا يترك مجالاً للشك.

ويظهر المحرك السردي الأولي (بطل يواجه مدينة أصبحت فارغة أو اختفت على نحو غامض)، بصفته نقطة الالتقاء الثانية والأكثر جوهرية بين العملين؛ فيُقدَّم حدث الاختفاء في قصة خليل بوصفه واقعة أسطورية، مفاجئة، وكاملة، تُصرَّح كحقيقة لا تقبل الجدل منذ السطر الأول: “نعم لقد اختفت المدينة! هذا ما حدث!”، ولم يكن هذا الفقد مفاجئاً، بل كان أمراً متوقعاً ومعروفاً لكل الكائنات عدا البطل البريء: “الكائنات كلّها عرفت أنها ستختفي”، فيضع هذا التقديم الحدث ضمن إطار حكاية خرافية، أو واقعية سحرية فنتاستيكية، حيث تكون قوانين الواقع معلّقة، وتصبح الأحداث الخارقة ممكنة.

الكاتب لؤي خليل

وعلى النقيض من ذلك، لا يُقدَّم الحدث في رواية نصر الله كاكتشاف مفاجئ، بل كعملية إدراك تدريجية ومقلقة لغياب الحياة والنظام؛ فيستيقظ البطل متأخراً ليواجه سلسلة من الشذوذات المتصاعدة: (الشوارع الصامتة، والانتشار المفرط للأعلام الوطنية، وغياب حافلة النقل العام التي ينتظرها لأكثر من ساعة، وإشارات المرور التي تومض بألوانها الثلاثة معاً في تحذير غامض)، ليظهر بالتدريج أن المدينة قد اختفت حقاً، وأن أهلها قد اختفوا، وردّ فعل البطل الأولي هو الإنكار، ومحاولة البحث عن تبرير منطقي للغياب (كل ما في الأمر أنني قد صحوت قبل الجميع)، وهو ما يفسح المجال تدريجياً لشعور بالرهبة واللا معقول، على الرغم من محاولة الكاتب الابتعاد عن النبرة الفانتاستيكية التي كانت في القصة نحو نبرة عبثية كافكاوية.

ففرضية التطابق بين العملين، قد تمت فلترتها عبر حساسيتين أدبيتين متمايزتين؛ فـ”المدينة الضائعة” عند لؤي خليل هي فضاء مادي ومجتمعي، تمّ انتزاعه بطريقة سحرية، أما “المدينة الضائعة” عند نصر الله، فهي ليست غياباً مادياً، بقدر ما هي تجسيد لحالة الاغتراب العميق التي يعيشها البطل وانهيار الروتين الاجتماعي، فالمدينة لم تختفِ فعلياً، بل فُقدت روحها وقوة الحياة فيها، فيبدو هذا التحوّل في المنظور السردي وكأنه اختيار متعمد؛ فخليل يروي قصة عالمية عن الفقد والذاكرة مستخدماً الطفل كشخصية نموذجية، بينما يروي نصر الله قصة محددة عن القلق الحديث، مستخدماً مدققاً لغوياً في منتصف العمر مفرطاً في الدقة كرمز للعامل المغترب.

وكأن نصر الله أدرك قوة الفكرة المركزية لدى خليل، لكنه أعاد هندسة تقديمها لتخدم غرضاً موضوعياً مختلفاً؛ أي: السخرية الاجتماعية والواقعية النفسية بدلاً من الحنين الغنائي، وهذا هو جوهر الاستيلاء الأدبي المتطور: أخذ الـ”ماذا” مع تغيير جذري في الـ”كيف” والـ”ماذا”.

اقتباس البنية السردية

وتمثل البنية السردية الأساسية (بطل يسير في الفراغ ويعيد بناء المكان المفقود ذهنياً عبر الذاكرة)، اقتباساً بنيوياً مباشراً من نصر الله لقصة خليل؛ فتتخذ رحلة الطفل في قصة خليل شكل مسح مادي للفضاء الفارغ، فالطفل يمشي ويشير، مستخدماً علامات الإشارة المكانية لتثبيت ذاكرته في الفراغ: “هنا كان بيتنا!”، “هنا غرفتي الصغيرة”، “هنا بيت الجيران”، فذكرياته ملموسة، حسية، وجماعية، تركز على الحب والأمان والارتباط الاجتماعي (اللعب، الاختباء من غضب الأب، أكل فطائر الأم، الرقص في ساحة المدينة)، فيصبح فعل التذكر هنا محاولة لإعادة إسكان الفراغ بماضٍ مثالي مفقود.

وفي المقابل، لا تبدو رحلة البطل البالغ في رواية نصر الله إعادة بناء خطية، بل هي تيارُ وعيٍ متداعٍ وغير خطي، يستثيره الفضاء الفارغ؛ لأن الفراغ لا يحفزه على تذكر ملامح المدينة المثالية، بل يدفعه إلى نبش القلق والتفاصيل الدقيقة في حياته الخاصة، فغياب الحافلة يستدعي ذاكرةً مفصلةً لقراره بتوفير قرشين من الأجرة، والشوارع الفارغة تقوده إلى تأملات حول التخطيط الحضري، واختراعاته غير المعترف بها لتنظيم المرور، وماضيه كممثل ثانوي. ويطلق الصمتُ العنان لذكريات طويلة ومفصلة عن علاقة حب فاشلة مع زميلة جميلة، وعلاقته بوالديه، وصداقته بزوج أخته.

فنصر الله يستحوذ على “المحرك” السردي لقصة خليل، لكنه يستبدل “وقوده”، فالمحرك السردي عند خليل يعمل بالحنين إلى مكان مفقود، أما المحرك السردي عند نصر الله، فيعمل بتاريخ البطل الشخصي من القلق والفشل والتدقيق المفرط، بحيث تصبح الرحلة عبر المدينة الفارغة رحلةً إلى داخل نفسية البطل، مما يعكس نقلةً أوسع في الأدب العربي في تلك الفترة، من سرديات الفقد الجماعي (المرتبطة غالباً بفلسطين أو بماضٍ رومانسي) إلى استكشافات وجودية وفردية للاغتراب الحضري في المدينة العربية الحديثة.

وعند مقارنة محتوى الذكريات بين العملين، نجد أن ذكريات خليل تدور حول “نحن” و”المدينة”، بينما ذكريات نصر الله تدور بشكل حصري تقريباً حول “أنا” و”حياتي”، فبطل خليل (الطفل)، يحاول العثور على بيته المفقود، أما بطل نصر الله، فإنه عند مواجهة فقدان الهيكل الخارجي لحياته (عمله، روتينه اليومي)، يُجبَر على مواجهة الفراغ في عالمه الداخلي، مما يعني أن المدينة المفقودة ليست سوى الحافز، ومن هنا يبدو التناسل الحكائي بين حارس المدينة الضائعة وأشياء ضائعة؛ فنصر الله رأى الإمكانات الكامنة في أداة خليل البسيطة والقوية، فقام بتوسيعها، محوّلاً بنية قصة قصيرة غنائية إلى إطار لرواية معقدة، ساخرة، وكثيفة نفسياً، مما يعني أن الاقتباس هنا بنيوي، وليس مجرد تشابه في الموضوع.

محاولات طمس الأدلة

وعلى الرغم من كل محاولات نصر الله طمس الأدلة على تناسل نصه الروائي من قصة لؤي خليل بقيت نقاط علّام قوية، لم يستطع التخلص منها كأنها تمثيل لقاعدة: (لا توجد جريمة كاملة)، يظهر ذلك من خلال شخصية الفراشة التي تظهر في كلا العملين، فقد كان من الممكن لنصر الله أن يتجاهل وجود الفراشة في قصة لؤي خليل؛ حتى لا يزيد من وجود العناصر التي تؤكد استحواذه للنص، لكنه الحضور القوي والفعال والوظيفي لتلك العناصر فرض نفسه بقوة على البنية السردية لرواية نصر الله.

فتبدو الفراشة في قصة أشياء ضائعة على أنها الرفيق الوحيد للبطل ومحاوره الأوحد في العالم الفارغ، فهي مستودع أسئلته وملاحظاته، وصوته الداخلي الذي يرمز إلى رؤية عالمية متناقضة، فبينما ينوح الصبي على فقدان غرفته المسوّرة، تعلن الفراشة: “أنا لا أحب الحيطان، أحب المدى الواسع ورحابته المطلقة!”، فتمثل بصوتها هذا الحرية من جهة، ومنظوراً يتجاوز التعلق الأرضي من جهة أخرى، والأهم من ذلك، أنها وسيلة للتسامي والتعالي؛ إذ تنتهي القصة بالصبي وهو يطلق سراح الفراشة لتصعد روحه معها: “تصاعدت روحه، ثم حلّقت مع الأجنحة الملوّنة بحثاً عن أشيائها الضائعة”، فتقدم الفراشة بذلك حلاً روحياً للفقد المادي.

وفي الطرف المقابل، هناك فصل كامل في رواية نصر الله بعنوان (الاكتشاف المتأخر لدروب الفراشات)، مما يؤكد أن وجود الفراشة ليس مصادفة محضة، بل هو فعل استراتيجي متعمد؛ فبدلاً من أن تكون الفراشة رفيقاً حاضراً منذ البداية كما في قصة خليل، يؤخر نصر الله ظهورها إلى المراحل المتأخرة من الرواية، ليحول الرمز من كونه دليلاً ورفيقاً إلى كونه هدفاً واكتشافاً نهائياً!

فهذا التأخير الاستراتيجي، هو جوهر عملية الاستيلاء الأدبي التي مارسها نصر الله على قصة لؤي خليل، ففي قصة أشياء ضائعة تحضر الفراشة، لتقدم العزاء والأمل طوال الرحلة، أما في رواية نصر الله، فإن غيابها في معظم السرد يعكس العالم العبثي والدنيوي الذي يعيش فيه البطل، وهو عالم تهيمن عليه رموز القلق الحديث: (الأعلام التي تمثل القومية الجوفاء، والحافلة الغائبة التي ترمز إلى انهيار الروتين، ووظيفة البطل كمدقق لغوي التي تمثل حياة قضاها في تصحيح الأخطاء الصغيرة للآخرين)، بينما يتجاهل أزماته الوجودية الكبرى.

إن ظهور “دروب الفراشات” في وقت متأخر من الرواية، يمثّل تحوّلاً محتملاً في وعي البطل، فبعد أن استنفد كل محاولاته لفهم الفراغ، من خلال منطقه القلق وتاريخه الشخصي، يظهر له طريق الفراشات كإمكانية للخلاص، أو الفهم الذي يتجاوز المادي والروتيني، ويحمل العنوان نفسه (الاكتشاف المتأخر) دلالة عميقة: فالجمال والحرية والتسامي (التي ترمز إليها الفراشات) كانت موجودة دائماً، لكن بطل نصر الله، المحاصر في حداثته القاتمة، لم يكن قادراً على رؤيتها إلا بعد انهيار عالمه بالكامل.

ولا يقلل هذا الاستخدام المغاير من المديونية الأدبية لرواية نصر الله تجاه قصة لؤي خليل، بل على العكس يعمّقها ويجذّرها؛ لأنه يُظهر مؤلفاً لا يكتفي بالنسخ، بل يعيد توظيف الرمز الأساسي، ليخدم خاتمةً أكثر تعقيداً وتناسباً مع النبرة الساخرة والوجودية لروايته.

وعلى الرغم من أن فعل النقل والاستيلاء الحرفيين المباشرين والكاملين، اللذين يُعدّان من المظاهر الأساسية للسرقة الأدبية غير واضحين على نحو مباشر وحرفي، فإن هذا لا يلغي مبدأ السرقة الأدبية، ولكنه يعيد تعريفها على أنها الاستيلاء غير المـُعترَف به على بنية فنية فريدة ومعقدة، فالعناصر الأساسية التي أخذها نصر الله (العنوان: أشياء ضائعة/حارس المدينة الضائعة)، و(الحدث المركزي: المدينة المختفية في العملين)، و(البنية السردية وحركة الفعل الحكائي: البطل الذي يمشي في الفراغ ويتذكر)، و(الرمز المحوري المصاحب: الفراشة)، هي عناصر محددة ومتشابكة للغاية، بحيث لا يمكن أن تكون من قبيل المصادفة، أو حالة من مجرد “التأثير” أو تشارك النماذج الأصلية.

مديونية لا يمكن إنكارها

يمكن القول ختاماً: إن رواية نصر الله (حارس المدينة الضائعة) تمثل حالةً واضحةً وعميقةً من الاستيلاء الأدبي؛ لأن نصر الله تبنّى الهيكل المفاهيمي والبنيوي والرمزي الكامل لقصة لؤي خليل، وأشبعه بشواغله الموضوعية وأسلوبه ورؤيته للعالم.

ومع أن هذا الفعل التحويلي أسفر عن عمل فني فريد، فإن المديونية التأسيسية لإبداع لؤي خليل السبّاق، لا يمكن إنكارها، وفي ظل غياب اعتراف إبراهيم نصر الله (تصريحاً أو تلميحاً في الرواية أو في الصحف)، تصبح العملية برمتها إشكالية من الناحيتين الأخلاقية والفنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى